(1)

في مطلع الأسبوع الجاري، أعلن مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت إغلاق  "وحدة دعم صنع القرار" في المركز، وهي برنامج لدراسة السياسات أشرف عليه الدكتور منذر سليمان ولم يمض على إطلاقه سوى ستة أشهر. وقد برر المركزإيقاف البرنامج بعدم الاهتمام بانتاجه من الجهات المستهدفة، وهي صناع القرار على المستوى الحكومي والأحزاب والمؤسسات وأجهزة الإعلام.

(2)

اختار المركز ثلاثمائة جهة حكومية وغير حكومية على امتداد الوطن العربي، ظن بها الاهتمام بما يصدر عنه، وطفق يزودها بتقارير أسبوعية تلخص ما يصدر عن أهم مراكز الدراسات العالمية حول قضايا العالم العربي والمنطقة، إضافة إلى تقارير يصدرها المركز حول قضايا عربية. وقد كانت الخطة أن تزود هذه الجهات بالتقارير مجاناً خلال العام الأول، على أن تفرض اشتراكات على الراغبين في الاستمرار بعد ذلك. وبحسب مسؤولي المركز فإن 5% بالمائة فقط ممن ظلوا يتلقون التقارير قاموا بالرد على استبيان يسأل عن رأيهم فيها.

(3)

ربما كان مسؤولو المركز متفائلين أكثر من اللازم باهتمام صناع القرار في العالم العربي بالأفكار والمعلومات، أو لعلهم لم يحسبوا حساب التحيزات السياسية عند هؤلاء، وهي نقطة أثرناها معهم عند بداية المشروع. صحيح أن المركز يعتبر أحد أنجح منابر الرأي والفكر في العالم العربي، ولكن منطلقاته السياسية لا ترضي غالبية، إن لم يكن كل الأنظمة العربية. وعليه فقد كان تفاؤلاً أكثر من اللازم أن يعتقد أن هذه الأنظمة ستتغاضى عن هذه المسألة وتشتري بضاعة المركز، مهما كانت فائدتها.

(4)

مهما يكن فإن صناع القرار العرب لديهم حساسية ضد الفكر والمفكرين، ومن رأيهم أن التفكير الجاد في ما يواجه البلاد والمنطقة من مخاطر، إن كان مطلوباً، فيجب أن تتولاه مؤسسات تابعة للأجهزة الأمنية أو العسكرية. فالتفكير يجب أن يكون بالقدر المطلوب، لا يتعداه، وفي مجالات محددة، ومحصوراً في دوائر ضيقة. كما يجب أن تكون المعطيات سرية في معظمها، وكذلك الاستنتاجات. فهي ليست للتداول العام.

(5)
الغريب هو أن الخطاب العربي الرسمي والشعبي يحفل بأحاديث المؤامرات التي تنسب إلى أعداء الأمة، في حين أن هؤلاء الأعداء الحقيقيين والافتراضيين لا يتآمرون إلا علناً. ففي إسرائيل مثلاً، كما في أمريكا، يتم التداول حول السياسات القائمة والمقترحة علناً: في الإعلام، وفي تقارير مراكز الدراسات، وفي المحافل الأكاديمية والمؤتمرات والسمنارات. فالنقاش حول السياسات الأمريكية تجاه السودان على سبيل المثال، أو القضية الفلسطينية، يدور في حوارات علنية يتابعها من شاء متى شاء. أما التآمر، فهو طابع أسلوب اتخاذ القرار العربي، حيث كل شيء يدور في الخفاء.

(6)

يمكن أن يقال أن المشكلة ليست في زهد الجهات الرسمية والحزبية والإعلامية في ما يمكن أن تنتجه مؤسسات الدراسات والأبحاث المستقلة، بل في قيمة وفائدة هذا الإنتاج. ويرتبط هذا بتساؤل آخر حول عدم وجود مصادر دعم مستقلة لمؤسسات الأبحاث. فمعظم مراكز الأبحاث في الغرب لا تعمل على أسس تجارية، بل تتلقى التمويل من جهات خيرية أو من أصحاب الأموال أو أصحاب القضايا. فلماذا لا توجد مصادر مماثلة لتمويل مراكز الأبحاث العربية؟

(7)

هذه المشاكل كلها مترابطة، لأن الأنظمة التي لا تريد إفساح المجال لمراكز الأبحاث المستقلة أو غير الموالية هي نفسها التي تتوجس من وجود مصادر تمويل لا تهيمن عليها، أو منظمات مجتمع مدني لا تخضع لها. أما رجال المال والأعمال، إذا كان منهم من يهتم بدعم الفكر، فإنه لن يجازف بإغضاب أهل الشأن بتمويل مؤسسات لا يرضون عنها.

(8)

تجربة مركز دراسات الوحدة العربية مع كساد سوق الفكر والبحث المتعمق في الشأن العام هو في نهاية المطاف انعكاس لأزمة عامة تضرب بأطنابها في كل مناحي الحياة العربية، وهي أزمة تبدأ بالفساد والركود السياسي، مروراً بالفساد المالي والاقتصادي، وتشعبات كل ذلك في نواحي الحياة الاجتماعية. وقد يكون خطأ أصحاب هذا المشروع أنهم تخيلوا أن حل الأزمة يكون بسلاح النقد، لا بنقد السلاح، على عكس ما ارتآه كارل ماركس في بعض كتاباته المبكرة.

Abdelwahab El-Affendi [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]