Abdelwahab El-Affendi [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]
(1)

يبدو أن عدد المتفائلين بنجاح مساعي وحدة البلاد قد أخذ يتضاءل حتى في أوساط أهل الحكم. ولعل أوضح الأدلة على هذا التصريحات التي بدأت تصدر عن كبار المسؤولين في الآونة الأخيرة، وهي في بعض الحالات تعبر عن يأس كامل، وتوخي بملامح محاولة للبحث عن جهات يلقى عليها اللوم في تمزيق السودان.

(2)

بعض هذه التصريحات كانت بمقردها كافية للتنفير من الوحدة حتى إن كان هناك من بقي من المتمسكين بها. فتهديد المواطنين من أهل الجنوب بنزع كل حقوقهم المدنية، وحتى حرمانهم من العلاج، كما فعل وزير الإعلام، ليس مما يقرب بين الناس. أما إلقاء اللوم على أمريكا وغيرها في مصائب السودان المبتلى بأهله قبل غيرهم، فهو كذلك إشارة إلى اليأس وحكم مسبق بفشل مساعي الوحدة.

(3)

هذه المواقف تدل كذلك على فقر في الحكمة التي يؤتيها الله من يشاء. فأي مسؤول يعتقد أن ترحيل المواطنين الجنوبيين يضر فقط بهؤلاء المواطنين وبجنوب السودان لا يعلم شيئاً عن حال السودان ولا أبجديات الاقتصاد. فحرمان أي بلد من مئات الآلاف من الأيدي العاملة ومستهلكين أكثر من ذلك لن يكون أقل من كارثة قد تدمر اقتصاد البلاد (وهو لا يحتاج كل حال إلى تدمير).

(4)

هنالك فوق ذلك مفاوضات جارية بين شريكي الحكم حول قضايا حيوية مثل الديون والنفط، وكان يمكن أن توضع هذه الأمور على الطاولة مع قضية المواطنة، بحيث يكون هناك أخذ وعطاء وصفقات يستفيد منها شطرا البلاد. وكنا قد أسلفنا من قبل أنه كلما أظهر المسؤولون الأريحية والمودة تجاه كل قطاعات الشعب، كلما كان ذلك أرعى للوحدة ولتقريب الشقة. والأريحية على كل حال مطلوبة حتى لو لم يكن لها مردود سياسي، ومثل الكلمة الطيبة والكلمة الخبيثة مفصل ومبين في صحيح التنزيل، ولكن اكثر الناس لا يعقلون.

(5)

مهما يكن فإنه إذا كان تحقيق الوحدة يتطلب في سابق العهد إجراءات راديكالية، فإن هذه الحاجة قد تضاعفت اليوم بعد أن جرى ما جرى. ولعل أضعف الإيمان والحال على ما هو عليه هو أن يتم إبعاد المسؤولين الذين وقعت منهم الافعال المنكرة والأقوال المسيئة، على الأقل لإظهارالحدية في التصدي لمثل هذه المشاكل المفتعلة، وهناك من المشاكل الحقيقية ما يثقل الظهور.
.

(6)

هناك بالمقابل حاجة إلى تقديم أهل العقل والحكمة، وقليل ماهم، بعد إبعاد من تجاوز ضرهم نفعهم. وكنا قد أسلفنا في حديث سابق ونحن نتناول التناقض المفترض بين المشروع الإسلامي ومشروع وخدة البلاد، أن هناك من الإسلاميين من هو مرتضى عند المعارضة، ومقبول عند أهل الجنوب. ولو قدم هؤلاء وأخر غيرهم لكان في هذا رسالة قوية تفيد بالعزيمة على تحقيق الوحدة ودفع ثمنها.

(7)

كان أهل الحكم قد تنادوا منذ فترة لم تطل للقاء جامع لدعم الوحدة، واختاروا المشير عبدالرحمن سوار الدهب رئيساً للجنة أوكل إليها تعبئة الجهود لدعم فرض الوحدة. والمشير أمد الله في أيامه رجل مقبول ومرضي عند قطاعات واسعة من الشعب السوداني وغيرهم، ولكنه أجبر في الآونة الأخيرة على إنفاق قسط كبير من رأسماله السياسي المتضائل في مشاريع فاشل وعالية الكلفة لدعم النظام. والواجب الحالي يحتاج إلى شخص أقل طيبة وأقوى شكيمة وأشد بأساً، لا ينادي فقط "وحدة لله يا مؤمنين"، وإنما يصارح أهل الشأن بواجباتهم تجاه الوحدة ويلزمهم بأدائها.

(8)

لأن الأمر لم يحتمل إلا الإجراءات الراديكالية الحاسمة، فإننا نقترح أن تقوم لجنة أخرى، يكون على رأسها شخص يكون له شيء من القبول عند عامة السودانيين وبعض النفوذ وسط الإسلاميين. ذلك أن الإسلاميين هم المسؤولون قبل غيرهم عن الخطر الذي يتهدد وحدة البلاد، والمطلوب منهم قبل غيرهم تقديم الحلول والتضحيات اللازمة لدرء هذا الخطر.

(9)

لهذا السبب فنحن نقترح لجنة يكون على رأسها د. على الحاج، كونه رجل كان له في وقت ما دوره في معالجة قضية الجنوب، وهو مرضي كذلك عند اهل دارفور. ولا يجب أن يقف انحيازه لحزب معارض عقبة أمام توليه هذه المسؤولية، بل هذا قد يكوم مما يزكيه. ولا نحسبه كذلك يستنكف من أداء هذا الواجب. ونرى أن تضم اللجنة طائفة من القيادات الإسلامية والوطنية الناقدة، من أمثال التجاني عبدالقادر وحسن مكي والطيب زين العابدين ومصطفى إدريس (مع حفظ الألقاب) ومبارك الفاضل والحاج وراق، وأيضاً (لم لا؟) الطيب مصطفى. ولا مانع من أن يضيف النظام إلى اللجنة طائفة من أهل الثقة.


(10)


ينبغي أن تكون مهمة هذه اللجنة بعيدة كل البعد عن أعمال الدعاية، وإنما تكون مهمتها قيادة حوار مع قيادات الجنوب من جهة، وقيادات الحكم من جهة أخرى، وذلك للتوصل إلى تفاهم تبنى على أساسه الوحدة. وليس من مهمتها تعبئة العامة أو أهل الجنوب خلف شعار الوحدة وإنما، وهو الأهم، تعبئة الإسلاميين عموماً وأهل الحكم خصوصاً، وراء مطالب الوحدة. فأهل الحكم هم الأحوج من غيرهم للتذكير بمناقب الوحدة... وثمنها.