بعيداً عن البدايات والنهايات الخاطئة:
وحدة السودان يجب أن تكون مسؤولية أهل الجنوب


كثر الصخب والضجيج في السودان هذه الأيام حول الوحدة ومحاسنها، ولكن غالبية من يتولون كبر هذا الضجيج هم من الشماليين. إلا أنه وبحسب اتفاقية نيفاشا فإن أهل الجنوب هم من يحددون إذا كان السودان سيبقى موحداً أم لا. وفي نفس الوقت فإن معظم الضجيج المحتدم هو موجه في مجمله إلى الشماليين، فهو حديث مع الذات. وحتى هنا توجد خلافات كبيرة بين القوى الشمالية كما ظهر من مقاطعة معظم أحزاب المعارضة للقاء الذي دعا إليه المؤتمر الوطني الخميس الماضي لمناقشة دعم الوحدة. وعليه فإن اللقاء اقتصر على الحزب الحاكم والقوى المتحالفة معه، بينما قاطعته حتى الحركة الشعبية، الشريك المفترض في الحكم.

نظرية المؤتمر الوطني في الدعوة إلى اللقاء المذكور تستند على فهم يرى أن القوى السياسية الكبرى في الشمال كلها تؤيد الوحدة من ناحية المبدأ، وعليه فإنها مطالبة بأن تؤجل خلافاتها ومآخذها على الحكومة في هذه الفترة الحرجة من تاريخ البلاد، وتقف معها في جهودها لدعم الوحدة بكل سبيل ممكن. وبالمقابل ترى الأحزاب المعارضة أن هذا المطلب غير واقعي، لأن واجب دعم الوحدة يقع على الحكومة، وهي وحدها القادرة على انتهاج السياسات التي تضمن استمرار الوحدة. وإذا عجزت عن ذلك فعليها أن تفسح المجال لغيرها، أو في أضعف الإيمان، تسمح بمشاركة فاعلة للآخرين في اتخاذ القرار. وهذا بالضبط ما ترفضه الحكومة التي تقول إن الشعب قال رأيه في الانتخابات ولا بد من احترام ذلك، ولكنها تلوح بالدعوة إلى انتخابات مبكرة نسبياً إذا تعاونت القوى السياسية في قضية الوحدة.

لكن حتى بافتراض أن أحزاب المعارضة، وجلها أحزاب شمالية، قبلت عرض الحكومة وقررت دعم حملتها، ما الذي يمكن للحكومة والمعارضة معاً فعله لتحقيق الوحدة؟ بحسب ما نراه حالياً فإن الأمر لن يزيد على سيل من المناشدات والتوسلات، وكثير من الصراخ والعويل، وقليل من الندوات والسمنارات، وبعض اللقاءات والمفاوضات. ومن الواضح أيضاً أن شيئاً من هذا لن يفيد كثيراً، لأن جل المتنادين لا يخاطبون إلا أنفسهم أو من هم على شاكلتهم. وكثير مما يقال هو لغو لا طائل من ورائه، خاصة الحديث المتكاثر عن مؤامرات أجنبية عموماً وإسرائيلية خصوصاً لتمزيق السودان وتهديد مصر وبقية بلدان العرب.

هذا المنهج غير مفيد لأسباب عدة كنا قد أشرنا إلى بعضها سابقاً، ولعل أبرزها أن قضية الوحدة هي في نهاية المطاف قضية سياسية، لا يمكن حلها إلا عبر صيغة سياسية متفق عليها. ولعله من الأفضل كما كررنا سابقاً عدم إضاعة الوقت في الصراخ والعويل والدعايات الجوفاء، والدخول مع قيادات الجنوب في غرف مغلقة يتم فيها الحوار السياسي المطلوب، وتعقد فيها الصفقات التي تضمن الوحدة وتبعد شبح الانفصال. ثاني الأسباب هو أن ما تفيض به الساحة من خطاب حول الوحدة هو خطاب أحادي النظرة، يقيم الأمور من وجهة نظر الشماليين ولا يأخذ مواقف الجنوبيين ومخاوفهم ومصالحهم في الاعتبار. وثالثها أن بعض هذا الخطاب، وبعض التصرفات الملازمة له، ترفع من حدة التوتر وتنفر الجنوبيين أكثر مما تجذبهم. فتصعيد الخلافات حول الحدود والاستفتاء وأبيي وغيرها من القضايا الخلافية لا يمكن أن يخدم قضية الوحدة، بل بالعكس، فإنه يصب في مصلحة الدعاية المضادة للوحدة لأنه يعيد إلى السطح المظالم القديمة التي أدت إلى المطالبة بتقرير المصير في المقام الأول.

من هنا فإن هناك حاجة لتغيير جذري في التوجهات إذا كان يراد إعطاء الوحدة فرصة، وذلك بترك الأمر برمته لأهل الجنوب. فالتدخلات الشمالية المتلاحقة في سجالات الوحدة غير موفقة على العموم وتعطي الانطباع الخاطئ بأن الوحدة هي هم ومصلحة شمالية، وليس للجنوب فيها شيء. وهذا تصوير غير دقيق للأمر، ولكن تصرفات الحكومة والقوى الشمالية تعطي هذا الانطباع وبالتالي تقوي حجج الانفصاليين ممن يقولون إن كل هذا الحرص على الوحدة من قبل الشماليين يبعث على الريبة، ويؤكد مقولتهم بأن الجنوب لا مصلحة له فيها. وعليه يجب أن يترك السجال حول الوحدة ليكون سجالاً جنوبياً خالصاً بين أنصار الوحدة هناك ودعاة الانفصال.

لا يخفى أن أهل الجنوب، وخاصة النخبة منهم، لديها ما تخسر أكثر مما تكسب من الانفصال. فإذا كانت نتيجة الاستفتاء هي استقلال الجنوب، فإن شيئاً جوهرياً لن يتغير في وضع الجنوب القائم، حيث سيظل سلفا كير رئيساً لحكومة الجنوب، والحركة الشعبية هي الحزب الحاكم هناك، فقط تحت علم جديد، ونشيد جديد ومسمى جديد للدولة. وسيزيد نصيب الدولة الجديدة من عائدات النفط بنسبة ضئيلة، وستتدفق عليها مساعدات أجنبية أقل (لأن هناك حرص على الوحدة قد يجعل المانحين يقدمون معونات أكثر للحفاظ عليها). ولكن بالمقابل سيخسر سلفا كير منصب النائب الأول لرئيس جمهورية السودان، ويفقد وزراء الحركة ونوابها في البرلمان الفدرالي مناصبهم، وكذلك كبار موظفي الخدمة المدنية. وهناك احتمال بأن تضطر نسبة كبيرة من الثلاثة ملايين جنوبي المقيمين في الشمال إلى النزوح إلى الجنوب، مما قد يخلق مشاكل كبرى لشطري البلاد.

مع ذلك فهناك هيمنة واضحة للخطاب الانفصالي في الجنوب حالياً، مع استعداد للتضحيات المنتظرة والمعلومة. وهذا بدوره يعود إلى أمور عدة، أولها أن أجواء التوتر والاستقطاب من شأنها دائماً أن ترفع من أسهم الخطاب المتشدد والإقصائي، كما شهدنا في يوغسلافيا ورواندا ولبنان والصومال وغيرها من مواطن النزاع، وكما شهدنا في السودان منذ منتصف الثمانينات. وفي أوقات التوتر، تخفت أصوات الاعتدال، ويتهم أصحابها بالخيانة والعمالة، أو الغفلة والجهل على أقل تقدير. وقد شهدنا هذه الأيام انزواء وصمت الأصوات الوحدوية داخل الحركة الشعبية، لأن ثمن الاعتدال في مثل هذه الأوقات يصبح باهظاً.

تعود هذه التوترات بدورها إلى أجواء الاستقطاب، وتصاعد الجدل حول القضايا الخلافية، خاصة آليات الاستفتاء وتوقيته، ومنطقة أبيي والحدود ومسائل ما بعد الاستفتاء، مثل الجنسية والديون وعائدات النفط والحدود وغيرها. وتعطي هذه الخلافات بدورها الوقود للخطاب المتشدد في الجنوب، وتزيد من إيغار الصدور، وبالتالي تصب في مصلحة دعاة الانفصال.

وعليه فإذا أرادت الحكومة والقوى السياسية الشمالية الحريصة على الوحدة أن تساعد قضية الوحدة، فإن من أوجب الواجبات خفض التوتر وتقليل حدة الاستقطاب. وتكون البداية بأن يؤكد الجميع أن قرار الوحدة أو الانفصال هو شأن جنوبي، وأن على الجنوبيين وحدهم أن يقرروا في هذا الأمر. وإذا كان هناك تدخل من القوى الشمالية فيكون للمساعدة في تذليل عقبات الاستفتاء وتقديم كل معونة مطلوبة في هذا الخصوص.

إلى جانب هذا فلا بد كذلك من إنهاء أو تبريد نقاط الاستقطاب الأخرى، وإرسال رسائل تصالحية على كل المستويات. على سبيل المثال هناك اتفاق بين الشريكين على جعل منطقة أبيي (إضافة إلى ولايات التمازج، وهي الولايات الحدودية في الشمال والجنوب) إلى جسر يقرب الشمال والجنوب بدلاً من حاجز يفصلهما. وهنا لا بد من اتخاذ خطوات عملية لتحقيق هذه الغاية. ويمكن أن يحدث هذا بقرار يعطي أبيي وضعاً خاصاً في الشمال والجنوب، ويمنح سكانها من الدينكا والمسيرية المواطنة المزدوجة في الشمال والجنوب معاً، وأن تظل أبيي منطقة مفتوحة للشماليين والجنوبيين معاً بغض النظر عن نتائج الاستقتاء. ويجب كذلك أن تستمر إدارة المنطقة مشتركة بين المسيرية والدينكا، أيضاً بغض النظر عن نتيجة الاستفتاء، والحدود عندها مفتوحة دائماً. مثل هذا الاتفاق يرسل إشارة إيجابية فورية، ويدعم جو الوفاق وأنصاره.

يمكن بعد ذلك البناء على هذه الخطوات باتفاق على منح مواطني البلدين الجنسية المزدوجه تلقائياً، وهي رسالة وحدوية يجب أن تتخذ بدون تحفظ، خاصة من قبل أنصار الوحدة. فازدواجية الجنسية تعني عملياً استمرار وحدة السودان بغض النظر عن الانفصال الشكلي إذا وقع. وبالمقابل، يمكن أن يقدم الجنوب تنازلات في مجالات النفط والديون بما يخدم مصلحة شطري البلاد. ولا يقل أهمية عن ذلك التوصل إلى اتفاق مبدئي بأن تظل الحدود بين شطري البلاد مفتوحة، والابتعاد عن التنطع في ترسيم الحدود، لأنه من المعلوم أن الحدود في افريقيا لا معنى لها بسبب التركيبة السكانية التي لا تعترف بالحدود. فحدودنا مع يوغندا أو تشاد أو مصر أو اثيوبيا واريتريا هي خطوط وهمية لا يلتفت إليها أحد. ولن تكون الحدود مع الجنوب إذا استقل مختلفة. وعليه فمن الخطل إضاعة الوقت في ترسيم الحدود والتدقيق فيها، لأن هذا جهد لا طائل من ورائه، بل الأجدى أن تتحول الحدود، مثل أبيي، إلى نقطة وفاق بدلاً من أن تتحول إلى محل شقاق جديد يسمم العلاقات بين الشمال والجنوب. ويمكن في هذا الخصوص أن يقدم الشمال أي تنازلات ضرورية لتحقيق الوفاق.

لا بد في هذه المرحلة من إسكات وتهميش أصوات التطرف وذوي النزعة الإقصائية، والابتعاد عن الرد بالمثل على استفزازات أصوات التطرف من الجانب المقابل، فهذا مقام "ادفع بالتي هي أحسن السيئة"، لا مقام المساجلات ضيقة الأفق ولا المكايدات الرخيصة والمهاترات التي لامعنى لها.

لا بد كذلك أن يكون هذا المنظور الوفاقي التصالحي أكثر من مجرد إشارات شكلية، وأن يكون تمهيداً لترسيخ رؤية جديدة لعلاقة الدولة بمواطنيها، والبعد عن المنظور الحزبي الذي يرى الأمور من زاوية أنصار هذا الحزب أو ذاك. فلا ينبغي التعامل مع المواطنين كما لو أن الحركة الشعبية هي المدافع الاول عن الجنوبيين وحقوقهم، بل يجب أن يرى كل المواطنين أن الدولة هي دولتهم، وأن يعبر المسؤولون عن ذلك بصراحة ووضوح. ويمكن مرة أخرى أن تكون أبيي هي نقطة الاختبار، حيث يؤكد الرئيس ونائبه أنهم أولى بأهل أبيي من الدينكا من الحركة، وأحرص على حقوقهم، بينما ترسل الحركة الشعبية رسالة مماثلة للمسيرية.

فإذا ساد جو الوفاق نتيجة لهذه الخطوات العملية، والرسائل التصالحية الواضحة، سنجد أن أصوات الاعتدال والتقارب سترتفع مرة أخرى، بينما تتراجع أصوات التطرف والشقاق. وهذه هي المساهمة الحقيقية في دعم الوحدة، وما سوى ذلك لغو لا طائل من ورائه.


Abdelwahab El-Affendi [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]