(1)

يعتبر فريد زكريا، الصحفي والمفكر الأمريكي اللامع، شخصية مثيرة لكثير من الاهتمام وغير القليل من الجدل. يكفي أن الرجل الهندي المولد لأبوين مسلمين من مدينة بومباي، قد صعد سريعاً على سلم الشهرة والنفوذ في مهجره الأمريكي. فقد تولى في عام 1992 إدارة تحرير مجلة "فورين أفيرز" المرموقة وهو لم لم يبلغ الثلاثين، وقبل حصوله على درجة الدكتوراه في العلوم السياسية من جامعة هارفارد بعام. (كان صامويل هتنتعتون، صاحب نظرية صدام الحضارات، هو المشرف على رسالته). وفي عام 2000 عين رئيساً لتحرير الطبعة الدولية لمجلة "نيوزويك".

(2)

إضافة إلى ذلك فإن زكريا يقدم برنامجه الحواري الأسبوعي الخاص ("فريد زكريا جي بي إس) على قناة سي إن إن، ويكتب في كبريات الصحف والمجلات، وله عمود عن تذوق النبيذ ينشره بانتظام على موقع إلكتروني. وفي عام 2007 صنفته مجلتا "فورين بوليسي" و"بروسبيكت" ضمن قائمة أكثر مائة مفكر نفوذاً في العالم، بينما وضعته مجلة "فوربس" عام 2009 ضمن أكثر 25 شخصية نافذة في التيار الليبرالي في الولايات المتحدة.

(3)

تصنيف زكريا ضمن الليبراليين قد يثير بعض التساؤلات، فهو يصنف نفسه على أنه من "الوسط"، رغم أنه كان قريباً من المحافظين الجدد في أيام بوش ومن مؤيدي غزو العراق. إلا أنه مع ذلك أيد حملة أوباما في الانتخابات الرئاسية الأخيرة.

(4)

في مطلع شهر أغسطس الجاري، احتل زكريا صدر الأخبار حينما اتخذ موقفاً قوياً ضد معارضة رابطة مناهضة التشهير (جمعية يهودية) لبناء المركز الإسلامي قرب موقع مركز التجارة العالمي في نيويورك، حين أعلن في صدر برنامجه صباح الأحد الثامن من أغسطس أنه سيعيد إلى الجمعية جائزة التعديل الدستوري الأول للحريات التي متحتها له عام 2005، احتجاجاً على موقفها هذا. وقد عبر رئيس الرابطة عن دهشته واستغرابه، متمنياً لو أن زكريا خاطبه أولاً قبل اتخاذ هذا القرار الخطير، ودافع عن قرار الرابطة قائلاً إنها لم تعارض بناء المسجد ولكنها بعثت بنداء لتغيير موقعه مراعاة لمشاعر الضحايا. رد زكريا بتساؤل مضاد: هل من حق الضحايا أن يكونوا من المتعصبين؟ وعليه هل يكون من المبرر للفلسطينيين أن ينتهجوا معاداة السامية؟

(5)
أكبر كثير من المراقبين شجاعة زكريا وجرأته، بينما استغربها آخرون بسبب تاريخ الرجل. ويبدو أن صاحبنا لم يشأ أن يخيب الآمال، فقرر في الأسبوع التالي أن يكفر شيئاً عن "فعلته"، فقام بإجراء حوار حول الإسلام والإرهاب اختار له ضيفتان، هما الناشطة الصومالية الأصل والمتبجحة بارتدادها عن الإسلام آيان حرسي علي، والناشطة الكندية البنغالية الأصل إرشاد مانجي، التي تدعي أنها تنادي بإصلاح الإسلام وتطويره.

(6)

لا يمكن بأي حال تصور اختيار أسوأ من هاتين الشخصيتين للحديث عن الإسلام، خاصة حين تصور إرشاد وكأنها هي المدافعة عن الإسلام في مقابل آيان المعادية له! ولمن لا يعرف المرأتين فإن آيان صومالية لجأت إلى هولندا واكتسبت جنسيتها بدعاوى كاذبة حول الاضطهاد، وعندما انفضح أمرها انتقلت إلى أمريكا حيث تعمل في مؤسسة يمينية متشددة تحترف معاداة الإسلام. ولم تكتف بإعلان ارتدادها عن الإسلام، بل دعت إلى محاربته بكل وسيلة. وهي تزعم أن الإسلام لا يمكن إصلاحه ولا بد من اجتثاثه. أما إرشاد فهي سحاقية مجاهرة نالت شهرتها بكتاب عنوانه: "ما هي مشكلة الإسلام؟"، ربعه عبارة عن تغزل في إسرائيل!

(7)

في برنامج زكريا المذكور الذي بث الأحد الماضي، يدور حوار سريالي مضحك بين الثلاثة عن مدى انتشار التطرف بين مسلمي أمريكا. وبينما يتفق المتخاورون على أن قلة لا تذكر هي المتأثرة، تتبارى إرشاد وآيان في التهجم، الأولى على المسلمين المعتدلين لتقصيرهم في ردع المتطرفين بزعمها، والإسلاميين لأنهم وراء التطرف، والثانية على الإسلام نفسه باعتباره هو، لا التطرف، المشكلة. وقد قالت بالحرف الواحد: "لقد توصلت إلى استنتاج بأنه على المسلمين أن يبتعدوا عن الإسلام كلية ويبحثوا عن معين أخلاقي آخر. وعلى من يبحثون عن إله أن يتخلوا عن الله ويلجأوا إلى إله آخر، مثل عيسى المسيح"!

(8)

لم يبد زكريا أي دهشة لمثل هذه الأقوال، بل انهمك ثلاثتهم في جدل بيزنطي حول الاختلافات اللاهوتية بين الإسلام والمسييحية. ولم يخطر ببال أحدهم للحظة أن يتأمل في سريالية هذا الجدل العقيم، ويتخيل كيف ستكون ردة الفعل لو أن البرنامج استضاف يهودياً اعتنق الإسلام في نقاش حول عنصرية الديانة اليهودية المتأصلة، وعدوانية الحركة الصهيونية، وأن الحل لمشكلة فلسطين يكمن في أن يعتنق اليهود الإسلام ويتعلموا اللغة العربية حتى يعيشوا بسلام مع جيرانهم العرب، وإلا فإنه لا أمل في سلام في المنطقة!

(9)

مثل هذا الموقف المستغرب لا يعتبر استخفافاً بالإسلام والمسلمين ومشاعرهم، بل هو استخفاف بالعقول. فكيف تستضاف شخصية خاوية من كل فكر وفهم، ولا مؤهل لها سوى المجاهرة بالعداء لكل ما هو مسلم، وتصويرها مؤهلة لمناقشة قضايا الإسلام وهي تعترف بأنها مرتدة عن الإسلام كارهة له؟ فما قيمة تعليقاتها ونصائحها للمسلمين وهي تدعو عملياً لإبادتهم من على وجه الأرض؟ ربما لو جاءت هذه النصائح من شارون أو هتلر كانت فرصة قبولها تكون أكبر قليلاً.

(10)

زكريا كما ذكرنا ليس مغفلاً ولا هو بالخب. فالرجل خريج ييل وهارفارد، ومفكر يشار إليه بالبنان. ولكن أبسط مزارع هندي أو عامل نظافة من شوراع بومباي كان يمكن أن يدرك خطل الاعتبار بآراء أشخاص من هذه الشاكلة في قضايا بهذه الحساسية والتعقيد. ولكن هذا العمى المركب منبعه أن الصعود في سلم الشهرة والنفوذ في مجتمع لا يتطلب فقط تعلم الكثير، بل أيضاً الغفلة وفقدان الحساسية تجاه الكثير، له ثمنه الباهظ من العقل والضمير معاً!

عن "القدس العربي" (لندن) و "التيار" (الخرطوم)
الجمعة 20 أغسطس 2010
Abdelwahab El-Affendi [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]