(1)

تعرفت منذ فترة على شاب من جنوب السودان يعمل في إحدى المنظمات الإنسانية، وكنت كلما التقيت به أحاوره في القضايا التي تواجه السودان، وكانت آراؤه دائماً تثير اهتمامي، خاصة وأنه كان مواطناً من غمار الناس، ولم يكن من محترفي السياسة.

(2)

قبل بضعة أشهر، ومع احتدام السجال حول الوحدة والانفصال، كان دوره هو ليسألني عن رأيي في هذه القضية. كررت عليه موقفي المعروف من أن الوحدة هي الأفضل لأن مواطني الجنوب سيخسرون بالانفصال أكثر مما يكسبون. فالجنوب هو عملياً مستقل وتحت حكم الحركة الشعبية، بينما يشارك الجنوبيون في حكم بقية أجزاء السودان ويتمتعون بكامل الحقوق فيها. فإذا جاء الانفصال فإن وضع الجنوب لن يتغير عما هو عليه اليوم، بينما سيخسر الجنوبيون كل ما يتمتعون به في الشمال من حقوق ومزايا ومشاركة في القرار.

(3)

فاجأني تعليقه، لأنه بدأ بالقول بأن المشكلة تحديداً هي أن الجنوب يعيش حالة استقلال فعلية، وهذا هو ما يزعجه. وأنشأ يتحدث بإسهاب عن خيبة أمله وآمال كثير من الجنوبيين في أداء حكام الجنوب الجدد، حيث اتهمهم بالفساد وضعف الأداء والتحزب القبلي. وأضاف إن الجنوب لم يتقدم خطوة منذ اتفاقية السلام، بل لعله تراجع إلى الوراء، حتى أصبح بعض الناس يتحسرون على أيامه الخوالي.

(4)

زاد محدثي بالقول بأن أطفاله لم يزوروا الجنوب في حياتهم قط، ذلك لأنه هو نفسه لا يشعر بالأمان وهو يزور مسقط رأسه هناك ويلتقي الأهل. وقد تحول انعدام الأمن إلى آفة أخرى جديدة تعصف بحياة أهل الجنوب.

(5)
.
ساق صاحبي كل هذه الحجج ليقول إنه متخوف أشد الخوف من أن يواجه الجنوب مصيراً مجهولاً إذا وقع الانفصال، لأنه لا يثق في النخبة الحاكمة من قيادة الحركة الشعبية، ويرى أن توجهها نحو الانفصال هو هروب إلى الأمام ومحاولة للتغطية على الفشل في إدارة الإقليم خلال الخمس السنوات الماضية. ولا يعلم إلا الله أي خطوات ستضطر إليها بعد الانفصال لتبرير الفشل اللاحق.

(6)
لم يكن من الصعوبة إدراك أن صاحبي من المعارضين للحركة الشعبية، وقد تكون في انتقاداته لها مبالغة، كما هو شأن كل معارض. ولكن يبقى أن الرأي الذي عبر عنه لم يكن فردياً ولا معزولاً. وإذا كانت هذه الآراء الناقدة تعكس واقعاً، فإنه واقع عجز الحركة الشعبية عن استيعات قطاعات واسعة من الرأي العام الجنوبي تزداد اتساعاً وتوجهاً نحو العنف يوماً بعد يوم.

(7)

لكن الاحتجاج بفشل الحركة الشعبية في إدارة الجنوب على ضرورة الوحدة حجة لا يمكن أن تكون في حد ذاتها مقنعة. ذلك أن معظم قيادات الدول الافريقية المعاصرة، بما فيها قيادة السودان الحالية، عاجزة عن إدارة بلادها بحكمة واقتدار، لدرجة أن البعض اقترح في الثمانينات إعادة استعمار افريقيا. ولكن هذه حجة ضعيفة ولا أخلاقية، وهي نوع من الهروب إلى الأمام تماماً مثل دعم الانفصال لتبرير الفشل.

(8)

إذا كانت هناك حجة تدعم الوحدة فإنها يجب أن تكون حجة قائمة على الرغبة في بناء وطن يحبه مواطنوه ويريدون أن يكونوا جزءاً منه، وليس لمجرد الخوف من عواقب الانفصال أو من التعايش مع الذات.

(9)

لا شك أن كل من جنوب السودان وشماله سيواجهان مشاكل سواء استمرت الوحدة أو وقع الانفصال. ولا شك كذلك أن دولة الجنوب الوليدة، إذا قامت، ستواجه مشاكل كثيرة. ولكن كون بلاد مثل الصومال تعاني مشاكل كثيرة ليست مبرراً لضم ذلك البلد لاثيوبيا أو كينيا، كما يتمنى البعض،  من أجل حل مشاكله.

(10)

أمام أهل الجنوب فرصة تاريخية لتقرير مصيرهم، وتحديد ما إذا كانوا يودون أن يكونوا جزءاً من الكيان التاريخي المسمى السودان، أم يخلقون لأنفسهم دولة يرتضونها ويجدون أنفسهم في رحابها. ولأي خيار يتخذ أهمية كبرى وعواقب لا يمكن تجاهلها. ولكن الأهم من كل ذلك أن يتم اتخاذ القرار للاسباب الضحيحة.
Abdelwahab El-Affendi [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]