(1)

حقق مدعي المحكمة الجنائية الدولية لويس مورينو-أوكامبو ما بدا أنه انتصار مهم في عالمه السريالي حين أعلنت المحكمة الأسبوع الماضي قبول طلبه توجيه تهمة الإبادة الجماعية للرئيس السوداني عمر حسن أحمد البشير، مما يجعله أول رئيس يواجه هذه التهمة وهو لا يزال في السلطة.

(2)

كانت نفس الغرفة الابتدائية في المحكمة قد رفضت كما هو معروف هذه الدعوى عندما أصدرت قرارها بتوجيه تهم أخرى إلى الرئيس السوداني في مارس من عام 2009 بسبب عدم وجود أدلة كافية تبرر ذلك.

(3)

نفس النتيجة توصلت إليها لجنة كاسيسي التي شكلها أمين عام الأمم المتحدة للتحقيق في هذه الدعاوى عام 2005، حيث أكدت اللجنة في تقريرها أن تجاوزات كثيرة قد وقعت، ولكنها لم تر سبباً للإعتقاد بأنها شملت محاولة الإبادة الجماعية على خلاف الدعاوى التي انطلقت وقتها.

(4)

من هنا فإن الإصرار من قبل المدعي العام وبعض أطراف المحكمة على توجيه هذه التهمة بالرغم من كل هذا لا بد من النظر إليه في إطار التسييس المتزايد للمحكمة ومواجهة كسر العظم القائمة بينها وبين النظام السوداني ، وهي مواجهة تحولت فيها المحكمة إلى خصم بدلاً من حكم..

(5)

ليس المقام هنا مقام المجادلة في أن تجاوزات كثيرة قد وقعت في حق مئات الآلاف من الأبرياء في دارفور، فهذه حقائق ثابتة تشهد عليها معسكرات النزوح والقرى المحروقة والمقابرة المنتشرة في كل مكان.

(6)

فوق ذلك فإنه من وجهة النظر الإسلامية ليس هناك فرق بين الإبادة الجماعية وقتل نفس بريئة واحدة، كما أن مسؤولية الحاكم عن كل ما يصيب الرعية (وختى البهائم) من مصائب وحوادث، حتى لو لم تكن أعماله سبباً مباشراً فيها، معروفة ومثبتة.

(7)

وجهة الإشكال في تصرفات المحكمة الجنائية ومن يقفون وراءها هو التناقض في الموقف بين إعلان إعطاء أولوية لجهود تحقيق السلام، وهي تتطلب التعامل مع النظام والسعي الجاد للتوافق معه، وبين إصدرا تهم الإبادة الجماعية، وهي تستوجب المواجهة مع النظام والعمل على إسقاطه وملاحقة قادته، إذ من الخطل الصبر على نظام يمتهن الإبادة الجماعية أو نصح ضحاياه بالتصالح معه.

(8)

فوق ذلك فإن الجهات التي تزجي تهم الإبادة لا تبذل أي جهد للمواجهة مع النظام، فضلاً عن إرسال الجيوش لإسقاطه، وهي لا تنوي ذلك لا في المستقبل القريب ولا البعيد. بل إن قصارى ما فعلته كل من الدول الكبرى هو تعيين مبعوث خاص لقيادة الجهد الدبلوماسي وتكثيف الحوار مع النظام. وهذا بدوره يعطي رسائل متناقضة للضحايا، ممن يخلق إطلاق التهم لديهم أملاً كاذباً بأن القوى الكبرى ستتحرك لنصرتهم، بينما المقترح الوحيد المطروح على الطاولة هو المفاوضات مع النظام ولا شيء غير ذلك.

(9)

في هذا الإطار فإن جهود المحكمة لا تعدو أن تكون صراعاً دون كيشوتياً في غير معترك، لأنها لا تملك ولا تستطيع تنفيذ تهديداتها بملاحقة الرئيس البشير، ولكنها تعطي انطباعات خاطئة بأن هذا سيحدث، مما يساعد النظام في تعبئة أنصاره، ويزيد تضامن الدول التي تشعر بأنها مهددة بالمحكمة مع السودان، ويشجع حركات التمرد على التشدد دون تقديم دعم ملموس لها. والنتيجة زيادة معاناة الضحايا بدون مبرر ودون مخرج قريب منتظر.

(10)

هناك وجه تشابه مهم بين مورينو-أوكامبو وزعيم القاعدة أسامة بن لادن، الذي أعلن حربه على أمريكا من كهوف تورا بورا، فلم يضرها كثيراً ولكنه منحها المبررات لغزو بلدان كثيرة وإخضاع معظم الدول الأخرى لإملاءاتتها. الفارق هو أن بن لادن أصاب أمريكا ببعض الضرر، ولكن أوكامبو لم يجلب للبشير حتى الآن سوى المنفعة.

(11)

في الحالين ليست المسألة هي أن المتهم –أمريكا أو البشير- بريء مما يرمى به، بل هي هل رد الفعل تجاهه هو الذي يخدم صاحب الشكوى أم لا. المحكمة الجنائية أضرت بصدقيتها كثيراً حين أصرت على سوق تهمة الإبادة الجماعية ضد البشير لأغراض الدعاية، حيث أن الأدلة حتى بحسب المحكمة نفسها لا تبرر سوقها. وهناك الكثير من التهم الحقيقية في حق النظام، ولكن أي عاقل لا يمكن أن يقول بأن هدف النظام كان في يوم ما إبادة فئة من السودانيين. ومثل هذه الدعاوى تضعف من الموقف تجاه التهم المبررة في حق النظام، وتجعل من قضية الجنائية كلها أشبه بالمهزلة.

Abdelwahab El-Affendi [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]