لو كان نظام الإنقاذ رجلاً لكان يحتفل هذا العام ببلوغه سن الرشد القانوني بحسب معظم حضارات العالم المعاصرة التي ترى في بلوغ الواحدة والعشرين من العمر أولى عتبات مرحلة الرشد الإنساني. المفارقة هو أن العادة جرت بين الشباب في الغرب على أن يحتفلوا بهذه المناسبة احتفالات صاخبة تكون عاقبتها فقدان الرشد مؤقتاً، وهو ما نعيذ أهل الإنقاذ منه، وإن كان السكر أنواعاً أدناها نشوة احتساء الخمر. مهما يكن فإن هذه مناسبة أخرى للتأمل والمراجعة لحصاد عهد الإنقاذ والتدبر في مآلاته اعتباراً بما مضى من سيرة النظام.

يكتسب التأمل هذا العام أهمية مضاعفة لكون هذا عاماً حاسماً في مسيرة النظام بل وتاريخ البلاد، إذ قد يكون هذا آخر عام تتربع فيه الحكومة الحالية، أو أي حكومة مقرها الخرطوم، على سدة الحكم في بلد موحد. ولا شك أن أي حكومة ورثت بلداً موحداً وسلمته للأجيال السابقة مجزءاً لا بد أن تعتبر هذا واحداً من أهم معايير تقييم حصاد عهدها، طال أم قصر.

هناك أكثر من معيار لتقييم حصاد أي نظام سياسي، بدءاً بالمعيار العام لتقييم أداء أي حكومة، مقارنة مع نظيراتها، في مجالات حفظ كرامة الوطن والمواطن، ورفاهية سكان البلد وموقعه بين دول العالم. وهناك بالطبع وجهة نظر مواطني البلد وقبولهم بشرعية الحكومة وتمثيلها لهم ورضاهم عن أدائها. وهناك أيضاً التقييم من وجهة نظر أهل الحكم أنفسهم لمدى نجاح النظام في تحقيق أهدافه المعلنة والمضمرة.

ولنبدأ من النقطة الأخيرة، حيث يمكن أن نشير إلى ثلاث مستويات للحكم على أداء النظام في هذا المجال: تنفيذ برنامجه السياسي، وتعزيز موقف الحزب أوالنظام سياسياً، وأخيراً، تعزيز مواقع الأشخاص والقيادات في الحكم. ورغم أن هذه المستويات متداخلة ويتأثر بعضها ببعض، إلا أنها ليست متطابقة. فمن الممكن أن يتعزز وضع حزب حاكم أو نظام معين، مثل الحزب الشيوعي في الاتحاد السوفيتي، ولكن على حساب بعض قياداته، كما حدث لتروتسكي في صراعه مع ستالين ثم غالبية قيادات الحزب بعد ذلك. وقد يتعزز وضع الحزب وقيادته على حساب برنامجه السياسي، كما نرى في الحزب الشيوعي الصيني اليوم، فهو أبعد ما يكون عن مبادئ الشيوعية والماركسية رغم نجاحه الساحق اقتصادياً وسياسياً ودولياً.

فيما يتعلق بنظام الإنقاذ فإن برنامجه السياسي، أو ما سمي ب "المشروع الحضاري"، كان يهدف أولاً إلى مواجهة ما كان يرى أنه تهديدات للهوية السودانية وموقع الإسلام في السودان، وتحديداً من الحركة الشعبية لتحرير السودان، إضافة إلى السعي لأسلمة أوجه الحياة في السودان بقدر الإمكان. ويمكن أن نخلص إلى أن النظام حقق قدراً محدوداً من النجاح في هذا المجال، تمثل إلى حد ما في عرقلة مشروع "السودان الجديد" الذي كانت تنادي به الحركة الشعبية، وحصر نفوذ الحركة إلى حد كبير في الجنوب وبعض الأقاليم المتاخمة. وقد تزامن هذا مع قدر كبير من الأسلمة الشكلية للدولة والمجتمع، مثل إنشاء مؤسسات الزكاة والمنظمات الطوعية الإسلامية، إضافة إلى وجود مد ملحوظ من التدين الشعبي.

في مقابل ذلك فإن ممارسات النظام خلقت مواقف ضد خطابه الإسلامي وتجاه الإسلام السياسي عموماً، حيث ارتبط الإسلاميون في أذهان كثير من المواطنين بالممارسات القمعية والفساد والاستئثار بالمال والسلطة والوظائف على حساب الآخرين. وعليه فإن التوسع في التدين، وكثرة عمران المساجد ومظاهر السلوك الإسلامي الأخرى لم تصب في مصلحة النظام أو الحركة الإسلامية الموالية له. على سبيل المثال نجد القطاعات الأوسع من المتدينين تميل إلى التصوف أو إلى الحركات السلفية، وتواجه النظام بالعداء وتنفر منه.

هذا يقودنا إلى النقطة التالية، وهي حصيلة النظام والحزب الحاكم من التمكين. وهنا مرة أخرى نجد أن الأمر شكلياً يشير إلى نجاح ساحق للحزب الحاكم الذي سمى نفسه المؤتمر الوطني، واكتسح الانتخابات الأخيرة، إضافة إلى هيمنته على مفاصل الدولة وأهم المواقع الاقتصادية في البلاد. ولكن يمكن أن يقال بنفس القدر القول بأن الحزب لم يحقق الاختراق الحاسم بحيث يصبح بالفعل الحزب الأكثر شعبية في البلاد، حيث نجد قطاعات واسعة في المجتمع، بما في ذلك في أوساط الحركة الإسلامية، تناصب الحزب العداء ولا ترى أنه يمثلها أو يعبر عن تطلعاتها. وهذه القطاعات تنقم على الحزب استئثاره والموالين له بخيرات البلاد، وفرض الشقاء على غالبية المواطنين ممن هم خارج القلة التي تنتمي إلى الحزب. ويتأكد هذا الوضع من إصرار النظام إلى اعتماد النهج القمعي مقابل خصومه، ولو كان على ثقة من سنده الشعبي لما كانت هناك حاجة إلى هذه الممارسات بعد واحد وعشرين عاماً من الحكم.

هذا بدوره يفضي إلى النقطة الثالثة، والتي يلخصها أفضل تلخيص تزامن قرار إطلاق سراح الشيخ حسن الترابي من السجن الذي دخله للمرة الرابعة منذ مجيء النظام مع احتفال الإنقاذ بذكرى الانقلاب الذي كان الشيخ مهندسه. وهذه لعمري أبلغ آية على أن طائفة واسعة من كبار قادة الإنقاذ كانوا أشقى الناس بها. ولا يقتصر هذا على المنشقين والمناوئين من مؤيدي الشيخ الترابي، بل إن غالبية الإسلاميين، بمن في ذلك كثيرون ممن بقواعلى ولائهم للنظام، يشعرون بالغربة عنه، ولا يرون أنه يمثل تطلعاتهم والقيم التي ينادون بها.

ومن نافلة القول أنه إذا كان هذا شعور الإسلاميين ومساندي النظام، فإن بقية مواطني السودان أيضاً لا يرون أن النظام يمثلهم أو يعبر عن تطلعاتهم. ومن هذا المنطلق فإن التقييم للنظام من هذه الزاوية لا بد أن يكون سلبياً. وهذا يترك لنا نقطة واحدة محتملة لتقييم النظام إيجابياً، وهي إنجازاته المقارنة في مجال احترام كرامة المواطنين وتعزيز مكانة البلد دولياً. وهنا أيضاً نجد المحصلة مختلطة، مع غلبة السلبي على الإيجابي. فخلال هذا العهد تم التوصل إلى اتفاق سلام في الجنوب كما نجحت البلاد في استخراج النفط والانتفاع به، وشهدت نواحي الحياة تطورات إيجابية في مجال الازدها الاقتصادي وتطوير البنية التحتية في مجال الطرق والاتصالات، والتوسع في التعليم والخدمات الصحية. إضافة إلى ذلك فإن مكانة البلد تعززت إقليمياً ودولياً بعد عزلة وتهميش. ولكن بالمقابل فإن السلام في الجنوب لم يتحقق إلا بعد أن تعمق الصراع هناك وتوسع، كما أن الحل الذي تم التوصل إليه سيفضي في الغالب إلى إلى انفصال الجنوب. وهذا بدوره يعني أن التضحيات والمعاناة التي تسبب فيها صراع الجنوب لم تجلب الثمار المطلوبة.

إضافة إلى ذلك فإن صراعات أخرى اندلعت في الشرق وفي كردفان والنيل الأزرق ودارفور، وتعرض هذا الصراع الأخير للتدويل، بل وعرض قيادة البلد للملاحقة الدولية، كما أنه جعل الوطن مسرحاً للتدخلات الأجنبية التي وصلت حد قدوم عشرات الآلاف من الجنود الأجانب إلى البلاد لأول مرة منذ أن خرجت القوات الأجنبية عشية الاستقلال عام 1955. من جهة أخرى فإن الرفاهية التي جلبها النفط، وما شهدته البلاد من توسع في الخدمات التعليمية والصحية وغيرها لم تنتشر ثماره بحيث تعم الغالبية.

يمكن إذن أن نلخص ما سبق بالتذكير بأن نظام الإنقاذ الذي بلغ مقابل سن الرشد عند الأفراد، وما زال يسعى إليه، له حصيلة مختلطة إثمها يغالب نفعها. فقد حقق النظام الكثير من الانجازات في مجال التنمية وتوسيع الخدمات والبنية التحتية، وتوج هذه الإنجازات بابرام اتفاق السلام الشامل. ولكن النظام ظل كذلك ينقض غزله من بعد قوة أنكاثاً. ففوائد التنمية وثمارها ما تزال بعيدة عن غالبية المواطنين الذين تقصر أيديهم عن الاستفادة من الخدمات الصحية وكثير من الخدمات التعليمية المتوفرة، خاصة بعد أن أنهت الدولة مجانية التعليم الجامعي. من هذا المنطلق فإن توفر كثير من السلع والخدمات يصبح عامل توتر لأنها تعمق الإحساس بالتمييز لدى الغالبية العاجزة عن التمتع بما هو متوفر للقلة. بنفس القدر فإن المعاملة السيئة التي تعرض لها المتضررين من مشاريع التنمية ممن نزعت أراضيهم لبناء المصانع والمطارات والسدود قللت من المردود الإيجابي لهذه المشاريع، وعبأت المواطنين في مناطق أخرى ضد المشاريع الجديدة، كما نرى من حركات مناهضة السدود في شمال السودان. وبينما اجتهدت الحكومة للترويج للخطاب الإسلامي، إلا أن تناقض الممارسة مع الخطاب أدى إلى خلق شعور سلبي لدى الجمهور تجاه الخطاب الإسلامي وأصحابه.

هذه النتيجة تعتبر مؤسفة ليس فقط من وجهة نظر خصوم النظام ممن عانوا من بطشه وتمييزه، بل أكثر من ذلك من وجهة نظر أصحاب التوجه الإسلامي الذين أصيبوا بخيبة أمل مريرة في ممارسات نظام أصبح محسوباً عليهم. فقد كانت للحركة السودانية مواقف مستنيرة، أبرزها التأييد المبدئي للتوجه الديمقراطي وحقوق المرأة. وقد كانت الحركة الإسلامية السودانية –ولا زالت- أكثر حزب سياسي سوداني يتمتع بدعم الطبقة المتعلمة ويزخر بالكوادر المؤهلة، وذلك بسبب موقعها المتقدم في مؤسسات التعليم العالي منذ نهاية الستينات. ولكن تحول قيادة الحركة إلى الدعم التكتيكي لنظام النميري في نهاية السبعينات، ثم التوجه إلى العمل الانقلابي في نهاية الثمانينات (وهو ثمرة طبيعية للتكتيك الأول) قلب المعادلة وهمش الكوادر المثقفة المؤهلة سياسياً لصالح كوادر العمل السري. وقد تبع هذا منطقياً تهميش العمل السياسي المنهجي لصالح المنهج التآمري، فكانت النتيجة كارثة للإسلاميين والسودان معاً.

السؤال المحوري هو هل هناك فرصة متبقية لإنقاذ الوضع، وإعادة الأمور إلى نصابها لتجنب كارثة تمزيق البلاد وانهيار الأوضاع، أم أن الأمور تسير إلى قدر محتوم؟ لقد كان البعض منا يأمل أن تؤدي العملية الانتخابية التي جرت في أبريل الماضي إلى برلمان أكثر تمثيلاً لقطاعات الشعب السوداني، مما يفرض على الحكومة التعامل سياسياً مع الآخرين، ولكن ما حدث خيب هذه الآمال. وبالطبع ليس هناك ما يمنع أن تصاب قيادة الإنقاذ بصحوة تجعلها ترى في نهج التحاور مع الآخرين بديلاً للنهج التآمري، مما يجعلها تفتح حواراً جاداً مع الحركة الشعبية حول مقومات الوحدة ومع القوى السياسية حول شروط التحول الديمقراطي. ولكن احتمالات هذا التوجه تتضاءل مع مرور الوقت، ويحتاج الأمر إلى شخص مغرق في التفاؤل ليتوقع حدوثها. والله غالب على أمره.

Abdelwahab El-Affendi [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]