(1)

الأزمة التي تفجرت مؤخراً بين السودان وليبيا حول استضافة الجماهيرية للدكتور خليل ابراهيم رئيس حركة العدل والمساواة، الحركة المتمردة الأبرز في دارفور، ركزت الأنظار على جوانب متعددة من أزمة دارفور، وعلى جوانب من الخلل في معالجتها، كما كشفت عن تطورات مهمة في التوجه الحكومي للتعامل مع الأزمة.

(2)

الموقف المتصلب الذي اتخذته الحكومة تجاه ليبيا يمثل تغيراً جوهرياً في طريقة تعامل الحكومة مع حركات التمرد والدول التي تدعمها. ففي الماضي كانت الحكومة السودانية تتعامل مع تلك الدول عبر مسارين، الأول معلن ويتوخى الاستعانة بتلك الدول في إيجاد حل تفاوضي للأزمة، والثاني ذو طابع سري ويهدف إلى الضغط على تلك الدول عبر دعم حركات تمرد فيها، وحتى إسقاطها.

(3)

هكذا نجد أن الحكومة السودانية ساهمت بفعالية في إسقاط نظامي حسين هيري في تشاد (ديسمبر 1990) ومنغستو هايلي مريام في اثيوبيا (مايو 1991)، كما سعت بهمة لزعزعة استقرار اريتريا ثم لإسقاط نظام ادريس دبي في تشاد. ولكن الحكومة كانت مع ذلك تقبل وساطة نفس هذه الدول في النزاعات الداخلية في السودان، حتى حين كانت قوات تلك الدول تشارك في العمليات العسكرية جنباً إلى جنب مع قوات التمرد، بينما ظلت بعض قياداتها تصرح بأن هدفها هو إسقاط النظام.

(4)

يعود هذا الموقف من جهة إلى شعور الحكومة بالضعف، وعدم قدرتها على الدخول في مواجهة دبلوماسية مباشرة مع تلك الدول المدعومة خارجياً. من جهة أخرى فإن قبول الحكومة بالوصاية على عملية من السلام من قبل دول تجاهر بمعاداتها للسودان وتنحاز تماماً للتمرد كان مناورة قصد منها استخدام المنابر التفاوضية كغطاء لاستراتيجيات بديلة للتفاوض.

(5)

التوجه الجديد للحكومة، والاستعداد للدخول في مواجهات دبلوماسية مباشرة يكشف عن ثقة جديدة بالنفس، وشعور بالقوة، وهو تحليل تعززه تصريحات رسمية أكدت أن محور التحرك التفاوضي لحل أزمة دارفور سيكون الداخل، مع إعطاء منبر الدوحة فترة محدودة لتحقيق النتائج وإلا تم الاستغناء عنه. وقد أعلنت الحكومة رفضها لأي محاولة لإيجاد منابر جديدة، في إشارة واضحة إلى رفض قاطع لمحاولات ليبيا طرح نفسها بديلاً للدوحة.

(6)

ليس سراً أن الدور العربي تجاه أزمة دارفور ظل سلبياً بأكثر من معنى. فقد وقفت الدول العربية إلى حد كبير موقف المتفرج من الأزمة، ولم يفتح الله عليها بمبادرة أو تحرك لحلها. وحين تحركت تلك الدول فإنها اكتفت بتقديم التأييد اللفظي للحكومة دون أدنى مسعى لتقصي أسباب الأزمة وخلفياتها. أما في تحركاتها باتجاه الفعل فإنها ساهمت في تعقيد الأزمة بدلاً من حلها، خاصة حين تنافست في تقديم الدعم لفصائل التمرد بغية بسط نفوذها في السودان.

(7)

حتى حين قام منبر الدوحة كمسعى جاد للتعامل مع الأزمة فإن دولاً مثل مصر وليبيا وغيرها سعت بدرجات متفاوتة لعرقلة مفاوضات الدوحة بسبب التنافس مع قطر. وما الأزمة الحالية إلا امتداد لتلك المحاولات لكسب النقاط لصالح ليبيا.

(8)

القول بأن حل أزمة دارفور يجب أن يضطلع به السودانيون بأنفسهم هو صحيح من ناحية المبدأ، ولكن التراضي بين السودانيين له شروطه. إذ لو كان التفاهم بين السودانيين ممكناً لما كانت هناك حاجة للجوء إلى العنف أساساً، ولو كانت الثقة بين السودانيين متوفرة، لما كانت هناك حاحة لوساطة أجنبية.

(9)

الحل السلمي لأزمة دارفور يتطلب تخفيض التوتر داخل البلاد وفي المنطقة، لا رفعه، كما يتطلب تقريب المواقف لا تصلبها. صحيح أن اشتداد الصراع قد يكون تمهيداً لحسمه إما عبر تبديل موازين القوى أو إدراك الأطراف أن الحسم العسكري غير ممكن. ولكن فيما يتعلق بدارفور، فإنه لا حاجة للمزيد من سفك الدماء وإهدار الموارد بعد ظهور توافق بين الجميع حول الملامح العامة للحل كما تضمنتها اتفاقيات نيفاشا والقاهرة وأسمرا وأبوجا وغيرها.

(10)

التوجه نحو الحل الوفاقي كان قد تبلور مع اتفاقية حسن النوايا ثم الاتفاقية الإطارية في الدوحة خلال الأشهر الماضية. ولكن الأمور اتخذت منحىً آخرمنذ بضعة أسابيع، حين أعلن استئناف العمليات العسكرية، وأعقب ذلك منع خليل ابراهيم من دخول دارفور عبر تشاد ثم أخيراً التصعيد مع ليبيا التي آوته إكراهاً لا بطولة، لأنه لا تكاد توجد تقبله حالياً، كما أن عودته إلى الدوحة لم تعد مناسبة.

(11)

المفارقة هي أن الحكومة بتصعيدها مع خليل تعطي الانطباع بأنه الرجل له أهمية قصوى، وأن النيل منه يستحق توتير العلاقات مع ليبيا كما كان الأمر مع تشاد. وقد يستنتج المراقبون أن الحكومة، التي تزعم أنها تتغلب على حركة العدل المساواة في الميدان توحي بأن وصول خليل إلى الأراضي السودانية يعادل وصول أبي زيد الهلالي أو الزير المهلهل. ولو كانت الحكومة تعتقد أن الغلبة لها في دارفور، لكان من الأولى أن تدعو حلفاءها للسماح للرجل بأن يتسلل إلى دارفور حتى يقع في قبضتها.

(12)

لعل الأسلم هو أن يعود الجميع إلى التوجه الوفاقي التصالحي بدلاً من تضييع النفوس والجهود في صراع سينتهي بصلح ما. لقد أهدرنا آلاف الأرواح في الجنوب، بينما ضاعت حياة أجيال بأكملها تشرداً وبؤساً في حرب الجنوب والصراعات الأخرى، ثم ها هو الجنوب يتجه نحو الانفصال. ولعل الدرس هو أن الحل السلمي المبكر أولى من الحل الدموي المؤجل.

Abdelwahab El-Affendi [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]