عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
(1)
يحتدم في بريطانيا هذه الأيام جدل كثيف حول قضية الشاب بنيام محمد، أحد أسرى غوانتنامو السابقين العائدين إلى بريطانيا بعد إطلاق سراحه الشهر الماضي. وقد تأخر إطلاق محمد الاثيوبي الأصل لأنه لا يحمل الجنسية البريطانية، وإن كان حصل على إقامة في بريطانيا التي وصل إليها لاجئاً في عام 1994 وهو في الخامسة عشر من عمره. وقد اعتنق محمد الإسلام في عام 2001 ثم سافر إلى أفغانستان في نفس ذلك العام قبل أن يعتقل في باكستان العام التالي وهو في طريق عودته إلى بريطانيا.
 (2)
مثار الجدل هو اتهام محمد لأجهزة المخابرات البريطانية بالتواطؤ في عمليات التعذيب التي تعرض لها كما يقول في باكستان والمغرب. وقد أدت اتهامات محمد إلى تصاعد الدعوات لإجراء تحقيق في القضية للنظر فيما إذا كانت الأجهزة المعنية قد خالفت القانون البريطاني الذي يجرم التعذيب، خاصة وأن هذه ليست أول شكوى من نوعها من مساجين بريطانيين تعرضوا للتعذيب في بلدان أخرى بمعرفة المخابرات البريطانية.
  (3)
هذا الجدال دليل على حيوية الديمقراطية البريطانية وماتوفره من إمكانات للتظلم ضد أهم أجهزة الدولة. ولكن ليس هذا مبحثنا هنا. فما يلفت الانتباه هنا هو الموقع الذي تعرض فيه محمد للتعذيب، وهو المغرب، حيث يزعم –وتؤيده دلائل كافية- أنه أخذ إلى المغرب وحبس هناك لثمانية عشر شهراً شهد خلالها من صنوف التعذيب ما يشيب له الولدان.
(4)
ما يدعو للاستغراب هنا هو أن محمد ليس مواطناً مغربياً، ولم يتهمه أحد بمخالفة قوانين ذلك البلد ولا حتى بالقيام بنشاطات مشروعة معارضة لحكومة ذلك البلد. فلماذا وبأي حجة تقوم السلطات المغربية باعتقال وتعذيب هذا الشخص؟
(5)
لم يكن المغرب هو البلد العربي الوحيد الذي تعهد بتقديم مثل هذه "الخدمات". فهناك قضايا عدة في إيطاليا والسويد وكندا وغيرها تتهم مصر وسوريا والأردن وأكثر من بلد عربي آخر بالضلوع في عمليات تعذيب لحساب مخابرات دول أجنبية، مما يشير أن العالم العربي أصبح أشبه بمركز مقاولات للتعذيب نيابة عن جهات تتنزه عن تلويث أيديها بهذه الجرائم.
(6)
هناك ما يكفي للاعتراض على ممارسة الأنظمة للتعذيب في حق مواطنيها من معارضين شرفاء، ولكن على الأقل يمكن أن يكون للأمر تبرير من وجهة نظر مرتكبي هذه الجرائم من واقع الصراع بينهم وبين خصومهم مهما يكن ذلك التبرير مرفوضاً. أما أن تتولى أجهزة تعذيب شخص لا علاقة لها بها سوى تقديم الخدمات لأولياء النعمة فهذا يشكل حضيضاً من انحطاط الانحطاط لا قاع بعده.
(7)
قد يقول قائل إن قدرات الأنظمة العربية على اجتراح التعذيب قد كفى وفاض على الحاجة حتى أصبح بالإمكان تصدير الفائض إلى المحتاجين. ولكن الأصح أن يقال أن هذه البلاد تحولت إلى ما يشبه المواخير وبيوت الرذيلة التي تقدم خدمات مخلة بشرف الوطن وكرامة الإنسان، تقوم عليها أنظمة فقدت كل شرعية ومبرر للوجود. ولكن الإشكال الأكبر هو في شعوب رضيت هوان الخضوع لمثل هذه الأنظمة.
(8)
في بريطانيا كما أسلفنا انتفض الإعلام وتحركت المؤسسات الحقوقية والمدنية وجرت مناقشات في البرلمان واستجوب الوزراء، لا لأن أجهزة الأمن هنا ارتكبت كبيرة التعذيب، بل لمجرد أنها لم تنكر بلسانها ولا بيدها منكر الإجرام في حق شخص أجنبي مسلم. أما في مسرح الجريمة، فهناك صمت القبور. ولكن ما ذا يتوقع الأمر من شعوب لم تنتصر لنفسها حين أصبحت من ضحايا التعذيب، فكيف تنتصر لغيرها؟
(9)
الملاحظ أنه في الجدل الذي ثار في بريطانيا وغيرها من العواصم الغربية حول عمليات التعذيب والإبعاد القسري للمشتبه بهم إلى بلاد عربية تمارسه لم يتطرق أحد إلى سجل هذه البلاد المزري في احترام حقوق الإنسان، لأن هذا الأمر اعتبر من المسلمات كأن تفشي هذه الممارسات القذرة فيها من طبائع الأشياء التي لا تحتاج إلى نقاش.
(10)
ما الذي بقي يا ترى لأمة أصبح العالم يراها مكباً لنفاياته الأخلاقية وحديقة خلفية للمارسات المنحطة التي يتنزه عنها كرماء الخلق، بينما حكوماتها متحمسة فخورة بهذا الدور، وشعوبها راضية صامته؟ ألا تسحتق أن يقام مأتمها، إن كانت تستحق المأتم في الأساس؟
عن "القدس العربي" 13 مارس 2009