لا نحتاج هنا لأن نذكر بأن جريمة العدوان على سفن "أسطول الحرية" التي شهدها وشهد عليها العالم بالأمس جاءت في إثر الجريمة الأم، ألا وهي تحويل غزة نفسها إلى معسكر اعتقال كبير لقرابة مليوني أسير فلسطيني، منع عنهم كل شيء إلا ما هو متاح لأي سجين عادي مما يقيم الأود. هذا الحصار استمر لأربع سنوات، وهو حصار أطول بكثير من الحصار الذي تعرض له الحي اليهودي في وارسو إبان الاحتلال النازي لبولندا، وهي واقعة يخلدها التاريخ على أنها من أبشع جرائم العصر لما انطوت عليه من إذلال ومعاملة لا إنسانية مهدت لإبادة جماعية.

 

وفوق هذا وذاك فإن حصار غزة هو آخر حلقة في مسلسل طويل من الجرائم ارتكبت في حق الفلسطينيين، بداية من تشريدهم من موطنهم، ثم تعرضهم للاستعباد والإذلال لعقود تحت نير الاحتلال. فالمعروف أن قطاعاً كبيراً من أهل غزة هم ممن شردوا من ديارهم في الداخل الفلسطيني في أعقاب عمليات التطهير العرقي المتلاحقة هناك. وقد تحولت معسكرات اللاجئين إلى مقام دائم لأكثر من ستين عاماً للمشردين، وهي أطول حقبة في التاريخ للتشرد الجماعي المستمر. ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل تعرضت هذه المعسكرات للحصار والقصف، وتهديم البيوت على رءوس أصحابها، ثم حرمانهم من إعادة بنائها، ليبقوا في العراء، مشردين للمرة الثالثة والرابعة من قبل نفس الجهة التي تشرد وتقهر وتحاصر.

 

ولا يختلف ما يعانيه أهل غزة مما يعانيه أهل الضفة، سوى أن التشريد والتطهير العرقي هناك ما يزال مستمراً، حيث تنزع الأراضي والمزارع من أصحابها لبناء جدار الفصل العنصري، أو إقامة المستوطنات، أو حتى بناء حدائق عامة، كما يحدث في القدس حالياً من هدم بيوت عشرات العائلات المقدسية وطردها لإنشاء حديقة عامة! ولعل من أشد الأحداث إيلاماً (ومما يدخل في باب المضحكات المبكيات) ما شاهدته منذ فترة من حكاية فلسطيني مقدسي يباشر بيديه هدم منزل قضى العمر يبنيه، بعد أن أبلغته السلطات الإسرائيلية بقرار الهدم لأن المنزل لم يحصل على التصريح اللازم (وهذه السلطات لا تمنح أبداً تصريح بناء لغير اليهود). وقد اضطر الرجل لهدم منزله بنفسه لأن السلطات الإسرائيلية حين ترسل البلدوزرات لهدم المنازل، ترسل بعدها "فاتورة" بتكلفة الهدم، وهي فاتورة تبلغ ما يعادل عشرين ألف جنيه استرليني!

 

كل هذا، أو كثير منه معروف. ومثل هذه الممارسات مرفوضة إنسانياً ومحرمة وفق القوانين الدولية التي تفرض على سلطات الاحتلال، شرعياً كان أو غير شرعي، معايير محددة في السلوك تنطلق من احترام المواثيق الدولية لحقوق الإنسان ومعاهدات جنيف والأعراف الإنسانية. وحين وقعت مثل هذه الأعمال في العقود الأخيرة، كما في أيام الاحتلال النازي أو الياباني إبان الحرب العالمية الثانية، أو في يوغسلافيا وغيرها، تم شن الحرب على من تولوا كبر هذه الجرائم، ثم تقديم أكابر المجرمين إلى محاكمات فرضت في حقهم أقصى العقوبات.

ولكن في الحالة الإسرائيلية نشاهد انقلاب المطبوع، بل وتبادل الأدوار،  بحيث بدا كما لو أن الفلسطينيين وأهل غزة هم المعتدون، بينما إسرائيل المسكينة المجني عليها تواجه العدوان، وتدافع عن نفسها ضد إرهاب الفلسطينيين وصواريخ حماس وضد عدوان اختطاف جندي إسرائيلي وأسره.

 

ولو أن مثل هذه الوقائع صورت في فيلم خيالي لاستهجنها المتفرجون واعتبروها من شطحات الخيال لمخرج سادي النزعة. ولكنها تبقى واقعاً مشاهداً: المعتدي يشرد أصحاب الأرض ويرسلهم لاجئين إلى أراضي الشتات؛ ثم لا يكتفي بهذا بل يطارد هؤلاء المحرومين ويصب عليهم ألواناً من العذاب، ويتبجح بذلك نهاراً جهاراً، والعالم كله يتفرج. وفضلاً عن الاستنكار، لا نجد فقط الصمت، بل التواطؤ. فالفلسطيني معذب حتى في البلدان العربية. ومن أصعب الأشياء على الفلسطيني الحصول على وثيقة سفر، وإذا حدثت المعجزة وحصل على وثيقة فإن من أصعب الأشياء عليه هو الحصول على تأشيرة دخول، حتى لبلد عربي. بل إن بعض الحاصلين على وثائق سفر صادرة من بلدان عربية مثل مصر ولبنان، يجدون من أصعب الأمور دخول البلدان التي أصدرت تلك الوثائق!

 

وهذا لعمري من أغرب الغرائب. فهناك قرار بتشريد الفلسطينيين وحرمانهم من العودة إلى ديارهم. ولكن هناك في نفس الوقت تصميم على إغلاق كل أبواب الهجرة في وجوههم. فالمراد إذن للفلسطيني أن يختفي من وجه الأرض، فلا يقيم على أرضه ولا على غيرها. ويمكن مقارنة هذا الوضع بما لقيه ويلقاه ضحايا النازية أو ضحايا أي أنظمة قمعية أخرى من حفاوة وإكرام. فقد تم إقرار حق اللجوء السياسي في المواثيق الدولية بعد الحرب العالمية الثانية تحديداً حتى لا يعدم ضحايا القهر مراغماً في الأرض وسعة. وقد فرضت لأولئك الضحايا تعويضات عما لحق بهم من أضرار، وما يزال بعضهم يتلقى التعويضات، ولا يفتر عن تذكير الناس بما وقع له ولأسلافه منذ عقود.

 

وهذا يقودنا إلى لب المسألة: كيف وقعت هذه المفارقة، بحيث أن ضحايا مظالم درست وعفا عليها الزمن، وعوقب مرتكبوها وتم تعويض الضحايا، ما زالوا يحلون من العالم في حدقات العيون، بينما ضحايا مظالم واقعة أمام أعين الناس في عصر الإعلام الفوري، ينظر إليهم على أنهم هم المعتدون، أو على الأقل المسؤولون عن محنتهم؟ هل انقلبت الموازين وعميت البصائر؟ أم أن هناك انحياز غربي أعمى لإسرائيل بسبب سطوة اللوبيات التي تقف وراءها؟

 

إن الحديث عن الانحياز واختلال الموازين فيه بعض الصحة، ولكنه لا يكفي لتفسير هذه المعضلة. صحيح أن هناك عنصرية غربية متأصلة، تعتبر إقامة دولة إسرائيل أحدى تجلياتها، حيث عكست من جانب عنصرية أوروبا تجاه اليهود، ومن جهة أخرى الاستخفاف بسكان البلاد الأصليين ممن لم يستشاروا في إعادة توطين اليهود الذين لفظتهم أوروبا في أرضهم، بل في بيوتهم. وهناك تجليات أخرى معروفة لهذه العنصرية، مثل الإبادة الجماعية لسكان البلاد الأصليين في الأمريكتين وأستراليا، وفظائع الاستعمار الاستيطاني في الجزائر وروديسيا وجنوب افريقيا. ولكن تحولات مهمة وقعت في المنظومة الدولية والبلدان الكبرى منذ الحرب العالمية الثانية، وتعمقت بعد نهاية الحرب الباردة. هذه التغييرات عبرت عن نفسها في إنشاء منظمة الأمم المتحدة ومواثيقها ذات التوجهات الإنسانية، ثم حركات الحقوق المدنية ونضال الأقليات في أمريكا وبقية دول أوروبا، وتصفية المشروع الاستعماري وإدانته، والدعم الواسع لحركات التحرر والتوجهات التحررية عموماً.

 

الحديث عن التحيز الغربي هو إذن وجه واحد من المسألة. أما الوجه الآخر فهو التعامل العربي والفلسطيني مع القضية. وهنا نجد الكثير من التخبط والتضارب في التوجهات، فضلاً عن الضعف والعجز. ففي بداية الأمر، تعاملت الدول العربية (ومعظمها لم يكن مالكاً لأمره، وكثير منها ما تزال كذلك)، مع القضية في أول الأمر على أنها شأن فلسطيني خالص، واكتفت بإسداء النصح (غالباً بالثقة في بريطانيا وترك النضال). ثم جاءت حقبة زعمت فيها الدول العربية أنها ولي الشأن الفلسطيني، واستبعدت الفلسطينيين تماماً من القضية. ولكنها بعد فشلها عادت فاستدعت الفلسطينيين من جديد كحركة مقاومة للتغطية على العجز.

 

ولكن العجز العربي الشامل تجسد أيضاً في حركة المقاومة الفلسطينية التي وجدت نفسها منذ اليوم الأول ضحية الانقسامات والصراعات العربية، أحد أهم مصادر العجز العربي. ولم يؤد هذا فقط إلى نشأة حركات فلسطينية متناحرة، بل إن معظم هذه الحركات أصبحت أدوات في يد الأنظمة العربية، بل أيضاً إلى الدخول في صراعات مع الدول العربية، أو الانخراط في صراعات داخل تلك الدول، كما حدث في لبنان.

 

أسلوب عمل الثورة الفلسطينية لم يستوعب كذلك حجم التحدي غير المسبوق الذي مثله الاحتلال الصهيوني لفسلطين. فنحن هنا أمام نوع من الاحتلال لم تقم به دولة، وإنما فئة لا دولة لها، جاءت إلى البلد بمنطق طارق بن زياد: البحر من خلفكم والعدو من أمامكم. وهذه الفئة مزودة كذلك بأيديولوجية قومية ذات عمق ديني، فهي ترى أنها شعب الله المختار، وأن الله هو الذي أقطعها أرض فلسطين. ثم هي فوق ذلك تتزود بزاد أيديولوجي آخر، هو أنها ضحية ظلامة إنسانية غير مسبوقة، وأن العالم كله مدين لها بحق الضحية. وبعد هذا كله وقبله، هناك الدعم غير المسبوق وغير المشروط لإسرائيل من الجهات ذات السطوة.

 

بالمقابل فإن الحركات الفلسطينية كانت ولا تزال تعاني من التشرذم، والهوس بتسجيل النقاط ضد بعضها البعض. ومنذ البداية ظلت حركات المقاومة تستخدم أسلوباً استعراضياً –حتى لا نقول صبيانياً- في عملياتها العسكرية لخدمة التنافس الفصائلي، كما يظهر من  التسابق على ادعاء العمليات، وكشف تفاصيل دقيقة عن من قاموا بها، وذلك في الوقت الذي توجد فيه الفصائل المعنية تحت سمع وبصر القوات الإسرائيلية. وهذا يشير إلى أن هذه العمليات هي عمليات علاقات عامة أكثر منها عمليات عسكرية. ولكنها رسائل إعلامية معني بها الداخل الفلسطيني لزيادة الدعم الداخلي. ولكن نفس هذه العمليات كان لها أثر كارثي إعلامياً في الخارج، وهو ما لم يتنبه له أصحابها.

 

في معظم عمليات المقاومة، فإن الاستراتيجية الناجعة تتمثل في توظيف العمل العسكري لخدمة الأهداف السياسية، لأن العمل العسكري وحده غير قادر بطبيعته على إنجاز المهمة. فحركات مقاومة الداخل المعزولة عربياً لن تنجح في هزيمة الجيش الإسرائيلي، وإنما هدفها تكثيف الضغوط الداخلية والخارجية على إسرائيل لتقديم التنازلات. أما إذا كان الهدف هو هزيمة الجيش الإسرائيلي فالبقطع ليس هذا هو الأسلوب. وعلى كل حال فإنه في حال الأنظمة الاستيطانية، كما في روديسيا وجنوب افريقيا، كانت العزلة والضغوط الخارجية هي العامل الحاسم، لا المقاومة وحدها. وإذا كانت الجزائر استثناء، فهو بسبب عدم تناسب عدد المستوطنين مع عدد السكان الأصليين، إضافة إلى التضحيات غير المتناسبة التي قدمتها الجزائر وما أبداه مقاتلوها من مراس شديد في حرب شبه نظامية تقابل فيها جيشان.

 

الإشكالية في الحالة الفلسطينية هي أن الشعب الفلسطيني لم يكن يحتاج لأي نضال لكسب الرأي العام العالمي لقضيته. فليست هناك قضية في العالم أعدل وأكثر وضوحاً، إضافة إلى أنها قضية يساندها ثلاثمائة مليون عربي ومليار ونصف مليار مسلم، وغالبية شعوب العالم الثالث، وقطاعات واسعة من الرأي العام في أوروبا. وفي الحقيقة فإن "النضال" الفلسطيني والأداء الدبلوماسي هما ما بعثر رأس المال السياسي والأخلاقي هذا، وحول القضية العادلة إلى قضية فيها نظر. فقد أساءت الفصائل والحكومات إلى فلسطين والعرب بسلوكها، وخاصة ما ظهر منها من استخفاف بقيمة الإنسان العربي وكرامته، مما جعل الآخرين لا يرون بأساً في الاستهانة بمن أهان نفسه. وحتى اليوم فإن مساهمة العرب في قمع وحصار الفلسطيينيين تفوق مساهمة إسرائيل.

 

في ظل هذه الأوضاع غير المستقيمة، هناك حاجة إلى ثورة فلسطينية -وعربية- ضد نهج "الثورة" الفلسطينية المتبع حتى الآن، وهو نهج أضر بالقضية ولم يخدمها. هذا يستدعي اتباع نهج مقاومة متكامل، يتبرأ من شبهة الإرهاب، ويتعالى على متطلبات الاستعراض، ويكون ناجعاً سياسياً وفاعلاً عسكرياً، بكل ما يتطلبه هذا من ضوابط وبعد عن الفصائلية المسؤولة إلى حد كبير عما نراه اليوم.

Abdelwahab El-Affendi [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]