(1)

 

تواجه حركة العدل والمساواة، أبرز حركات التمرد في إقليم دارفور السوداني، أزمة غير مسبوقة بعد ما بدا أنه قطيعة بينها وبين دولة تشاد التي كانت حتى وقت قريب الداعم الأبرز للحركة. فبعد إغلاق أراضي تشاد في وجه قيادات الحركة الموجودة بالخارج، أصبحت الحركة في وضع حرج بسبب عدم قدرتها على الوصول إلى مسرح العمليات العسكرية، وهو أمر غاية في الخطورة على حركة تستمد دورها السياسي من وجودها العسكري الميداني.

 

(2)

 

من الواضح أن هناك تنسيقاً غير مسبوق بين الحكومتين التشادية والسودانية والقوى الإقليمية الأخرى للضغط على حركة العدل والمساواة، لأن حرمان زعيم الحركة د. خليل ابراهيم من دخول دارفور عبر تشاد تواكب مع حملة عسكرية ضد مواقع حركته داخل دارفور، ومع اتصالات مع مصر وليبيا ودول الجوار الأخرى إضافة إلى قطر لتنسيق الضغوط.

 

(3)

 

تأتي هذه التطورات على خلفية وصول مفاوضات الدوحة إلى طريق مسدود وتوجيه اللوم من قبل الحكومة وبعض حركات دارفور وبعض الوسطاء لحركة العدل والمساواة في هذا التعثر، خاصة بسبب إصرارها على استبعاد الحركات الأخرى من عملية التفاوض .

 

(4)

 

تستند حركة العدل والمساواة في مطالبتها بمقام المفاوض الأوحد عن دارفور على أن الحركات المنافسة لا وجود لها في الميدان، وتضيف أن الحركة تمثل في داخلها كل القوى الرئيسية في دارفور. وهناك قياس قابل للجدل على وضع الحركة الشعبية في الجنوب وفوزها بموقع الممثل الشرعي لأهل الجنوب.

 

(5)

 

بالمقابل فإن استراتيجية الحكومة استندت إلى خطة لقطع الدعم التشادي عن الحركة ثم توجيه ضربة عسكرية تهدف إلى تحجيمها وضرب دعواها حول الوضع الميداني. ولعل المفارقة هو أن هذه الاستراتيجية تحظى بدعم ضمني من الحركات الدارفورية الأخرى التي تشكو مما تسميه غطرسة حركة العدل والمساواة، كما أن أطرافاً إقليمية (وحتى دولية) أخذت ترى في تحجيم الحركة خطوة ضرورية لدفع عملية السلام إلى منتهاها المرغوب.

 

(6)

كشفت هذه الأحداث عن أمر معلوم بالضرورة، وهو أهمية وجود قاعدة خلفية لأي حركة تمرد. فحركات التمرد تجتاج إلى خطوط تموين، وإمدادت عسكرية وأموال ووثائق سفر، وقنوات دبلوماسية، وطرق للدخول والخروج، وكلها أمور لا يمكن أن توفرها إلا دول حليفة. وقد كان للحركة الشعبية سند كبير ومتحمس من قبل كينيا ويوغندا واريتريا ودول أخرى كثيرة مما وفر لها ما تحتاج إليه. وقد استفادت حركات دارفور من هذه الشبكات في أول أمرها، ولكن تشاد أصبحت المنفذ المحوري، إن لم يكن الأوحد، للجميع.

 

(7)

 

التطورات الأخيرة كشفت كذلك العزلة النسبية التي تواجهها حركة العدل والمساواة في المحيط الدارفوري والآن في المحيط الإقليمي. ولا عبرة هنا لما تقوله الحركة من وجود تمثيل في داخلها لكل قوى دارفور. فحزب المؤتمر الوطني الحاكم يضم أشخاصاً من ذوي الوزن ينتمون إلى كل قبائل وأعراق السودان، بما في ذلك الجنوب ودارفور. ولكن هؤلاء لا يعتبرون من قبل القطاعات المهمة في دارفور أو الجنوب ممثلين لهم. ولو كان الأمر كذلك لتم حل قضية دارفور ولأصبحت الوحدة مع الجنوب أمراً واقعاً.

 

(8)

من التطورات المؤسفة التي نتجت عن الصراع في دارفور تعمق الشروخ العرقية والقبلية وحتى العشائرية. ومن هنا فإن الانتماءات القبلية والعشائرية لقيادة أي حركة أصبحت تحدد لونها وطبيعة الولاء لها. وقد دخل الوسطاء في هذه اللعبة، كما يبدو من انهماكهم في إيجاد حركة تمثل "الفور" (الدور الذي ظل يلعبه ويلعب عليه جناح عبدالواحد في حركة تحرير السودان) مقابل ما يرونه تمثيلاً للزغاوة عبر حركة العدل والمساواة وجناح مني مناوي في حركة تحرير السودان.

 

(9)

 

مهما يكن فإن محاولة الضغط على حركة العدل والمساواة بهذه الطريقة لن تجدي على المدى القصير إذا كان الهذف المعلن (أي إجبارها على العودة إلى طاولة المفاوضات) هو الهدف الحقيقي. ذلك أن الحركة قد تجد من الضعب العودة إلى المفاوضات بعد ما تعرضت له من إذلال، وستحاول رد الاعتبار عبر تسجيل نقاط عسكرية في الميدان، ما لم يقع رد اعتبار دبلوماسي يقنع الحركة بغير ذلك.

 

 (10)

 

أما إذا كان المقصود هو "الحل السريلانكي"، أي القضاء على الحركة تماماً، فهذا شأن آخر. وليس بخاف بأن الحكومة (مثل أي حكومة أخرى تواجه تمرداً مسلحاً) كانت ولا زالت تفضل الحل العسكري، ولم تأت إلى طاولة المفاوضات إلا مكرهة. وما تعنقده هو أنها تنوي مواضلة الحل العسكري إلى منتهاه.

 

(11)

لعل من نافلة القول أنه لا الحل العسكري ولا الاتفاق السياسي مع حركة العدل والمساواة وبقية الحركات المنخرطة في مفاوضات الدوحة سيجلب السلام في دارفور. فقد تعقدت أزمة دارفور بسبب التشرذم الوضع السياسي والعسكري في الإقليم وتداخل العوامل الدولي التي تعطي أصغر الحركات وزناً أكبر بكثير مما يبرره حجمها الحقيقي. وعليه فإن الحل لأزمة دارفور لا بد أن يكون له بعد دولي وإقليمي مقدر لا يتوفر الآن لمنبر الدوحة.

Abdelwahab ElAffendi [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]