في الفرق بين الجراحة والأذى الجسيم:

نصائح للمؤتمر الوطني والرئيس السوداني المنتخب

 

 

في أحد لقاءاتي مع أستاذنا بروفيسور الطيب زين العابدين في الخرطوم قبل أكثر من عام بادرني بعد التحية بالتساؤل: لماذا تكثر الهجوم والنقد على أهل الحكم في السودان؟ أجبت بأنني لا أهاجم أحداً وإنما أعبر عن رأيي في القضايا التي تواجه البلاد وأقدم النصح لمن بيدهم الأمر. فرد ضاحكاً: لا أحد يريد نصيحتك. وغني عن القول أن بروفيسور الطيب إنما كان يعبر عن الحقيقة في ثوب المزاح، لأنه هو أيضاً متهم بتقديم نصائح لا يريدها أحد.

 

وقد كانت تجربتنا ولا زالت مع أهل الإنقاذ أن القوم لا يحبون الناصحين، وكثير منهم يعتبر النصيحة الصادقة عدواناً يجب صده بكل شراسة. وأذكر على سبيل المثال أنني كتبت عند بداية أزمة دارفور أدعو إلى سرعة استقدام قوات حفظ السلام التي عرض الاتحاد الافريقي تقديمها. وقد عللت هذا المقترح بأسباب موضوعية، أهمها تأمين القرى لمنع النزوح الجماعي، وإعادة من نزحوا إلى مواطنهم، حتى يتم تجنب إنشاء معسكرات النزوح مع كل ما يصاحبها من سلبيات ومعاناة مرة ستترك آثارها على مستقبل علاقات المواطنين بالدولة وببعضهم البعض.

 

كان رد النظام عبر بعض سفهائه من أدعياء الكتابة الصحفية أن شن علينا حملة اشتملت على قدر من البذاءة والفحش والطعن يخرج صاحبه من جملة المؤمنين بنص الحديث الذي يؤكد أن المؤمن ليس بطعان ولا لعان ولا فاحش ولا بذيء. واتهمنا بأننا عملاء لجهات أجنبية، وأننا نريد أن نأتي بالجنود الأفارقة حتى ينشروا الأيدز وينتقصوا من سيادة البلاد. ونحن نتفهم أن يرفض الرافضون مقترحنا، وأن يفندوا رأينا بالحجة والمنطق، ولكننا لا نتفهم مكان السب واللعن في كل هذا. أما الأدهى والأمر، فهو أن السلطات قد استجابت لهذا المقترح، ولكن بعد فوات الأوان، وبعد أن قامت المعسكرات وخلت القرى من ساكنيها، ولم تعد هناك فائدة تجنيها البلاد من هذا الحضور.

 

وحتى الآن لم نسمع من نفس أولئك "الكتاب" نقداً للحكومة بأنها فرطت في السيادة، وأصبحت تنافسنا في العمالة لنفس الجهات التي رمينا بها، وأنها الآن تساعد على نشر الأيدز وانتهاك عفاف نساء دارفور. ليست هذه هي المسألة على كل حال، ولكن لب القضية هي أن القوم لايستبينون النصح إلأ ضحى الغد، وينفذون ما نقول، ولكن بعد فوات الأوان. كان هذا شأننا معهم في السجال حول قضية السلام في الجنوب، وحول إتاحة حرية التنظيم الحزبي وحرية الصحافة، وكل قضية مهمة تقريباً. ففي كل هذه القضايا، تم تنفيذ ما كنا ننادي به، ولكن في الغالب بعد مرور خمس أو عشر سنوات، وبصورة منقوصة لا تؤدي الغرض بالصورة المطلوبة.

 

ورب قائل يقول، وما يحملك على تكرار النصح على آذان صم؟ ولماذا تعرض نفسك للاستفزاز وخطاب الجاهلين، وأنت عن ذلك في غنى، وقد بلغت من لدن القوم عذراً، وأعذرت إلى الله تعالى، حيث أشهدت العالمين على أنك لم تأل جهداً في النصح بما رأيت فيه صلاح العباد؟

 

ولعل السبب الأول في الاستمرار على هذا النهج هو أننا لا نيأس من روح الله، كما فعلت تلك الطائفة من بني إسرائيل التي قالت للناصحين: لم تعظون قوماً الله مهلكهم أو معذبهم عذاباً شديداً. وكما نعلم من بقية تلك القصة فإنه لم ينج من ذلك العذاب إلا من داوم على النهي عن المنكر، بينما هلك الساكتون عن الحق مع الهالكين رغم أنهم لم يشاركوا في الجرم مباشرة. مهما يكن فإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو السمة المميزة لهذه الأمة، وهو ما جعلها عند الله خير أمة أخرجت للناس. ولو تخلت عن هذه المهمة لفقدت تلك الميزة.

 

هناك سبب إضافي شجعنا على المبادرة بتقديم نصح نراه ضرورياً في هذه الفترة الحرجة من تاريخ البلاد، وهي أن الرئيس المنتخب عمر حسن أحمد البشير أعلن في خطابه بمناسبة فوزه بانتخابات الرئاسة السودانية الشهر الماضي استعداده لسماع النصح من عامة المواطنين، خاصة أمام التحديات الكبرى التي تواجهها البلاد في الفترة المقبلة، حيث قال بالحرف: " لقد آلينا على أنفسنا وقد منحتمونا ثقتكم أن نضطلع بمسؤولية قيادة هذا الوطن بالحكمة التي تحفظ استقراره، وبالاهتمام الذي يجعله في مقدمة البلدان، وبالعزم الذي يحفظ كيانه، هذه كلمتي، لكم رفيق في الطريق، صديق في المعاملة، مُتواضع معكم وبكم، سامع لنصحكم ورأيكم أمام المسؤولية التي تنتظرنا جميعاً."

 

من هذا المنطلق، فإننا نرى لزاماً علينا التطوع بتقديم نصح نراه واجباً حتى لو لم يطلب، ونؤمل الصدق في الطلب والوعد بالاستماع، مما يشجعنا أكثر. ونجمل ما نريد قوله في نقاط قليلة بقدر ما تسمح به المساحة المتاحة هنا.

 

بداية نشير إلى المبدأ العام المتعلق بتسليم السلطة للشعب. فعندما قام انقلاب يونيو عام 1989، كنا ممن أيده على أساس أنه خطوة ضرورية لإصلاح جذري للنظام السياسي السوداني بما يعيد للبلاد استقرارها ويطفيء الحرائق الملتهبة وقتها في الجنوب وفي دارفور، ويضع الأسس لمعالجة الأزمة الاقتصادية الممسكة بخناق البلاد. والانقلاب بهذا المفهوم هو أشبه بعملية جراحية تعالج الجسم السقيم وتؤهله لأن يستعيد عافيته، حتى يقف صاحبه على قدميه.

 

وهناك فرق مهم بين العملية الجراحية والاعتداء بالسكين على شخص ما، مع أنه لو هبط كائن من المريخ على الأرض وشاهد فريقاً طبياً يجري عملية جرحية لمريض بالقلب، وعصابة تعتدي بالسكاكين على فرد ما، لربما اختلط عليه الأمر وخال أن الأمر سيان. ولكن البعد بين الأمرين هو كبعد السماء والأرض. فالجراح المداوي لا بد أن يستشير المريض أو أولياءه مقدماً، ويطمئنهم على نواياه، ويشرح لهم بإسهاب طبيعة العملية وضرورتها والنتائج المرجوة منها. ثم هو حين يشرع فيها يتأكد من تخدير المريض، ويستعين بأفضل المساعدين والآلات والوسائل. ثم هو يجتهد بعد العملية في تمكين المريض من الوسائل التي تجعله يستغني عن الجراح أولاً ثم عن كل مساعدة طبية باستعادة الجسد لعافيته التامة. وبالمقابل فإن مرتكبي الاعتداء الجسدي لا يهمهم شيء من هذا، بل هم يريدون بالعكس أن يسببوا العجز للضحية ليتمكنوا من سلبه ممتلكاته، أو إجباره على فعل ما يريدون أو حتى التخلص منه نهائياً.

 

وبنفس القدر فإن المبرر الشرعي الوحيد لأي عملية انقلابية، لكي لا تتحول إلى عدوان على الأمة، هو أن تهدف إلى أن يستعيد البلد عافيته التامة، وأن يستغني عن "الأطباء المعالجين" بأسرع ما يمكن. أما إذا تحولت هذه "العملية الجراحية" إلى محاولة للسيطرة الدائمة وإبقاء المريض في المستشفى بصورة مؤبدة، فإنها تتحول إلى عدوان صريح.

 

رب قائل يقول: ما جدوى الحديث عن انقلاب يونيو وقد مرت مياه كثيرة تحت الجسر، وجبت نيفاشا ما قبلها، ثم جاءت الانتخابات وأدلى الشعب بحكمه؟ والجواب هو أن الوضع اليوم يكاد يطابق ما حدث في يونيو، حيث وقع الانقلاب وتم استبعاد كل القوى السياسية من السلطة لصالح فئة واحدة بحجة الإصلاح ومعالجة الخلل. وها نحن اليوم نشهد بعد واحد وعشرين عاماً، "انقلاباً" آخر (انتخابياً هذه المرة)، استبعدت فيه كل القوى السياسية من الساحة السياسية بصورة كاملة. وهذا وضع غير طبيعي بنفس الدرجة التي كان بها الوضع الانقلابي غير طبيعي، وكان بها الوضع السابق للانقلاب أيضاً وضعاً غير سوي احتاج لمعالجة جراحية.

 

وليس حجة أن يقال أن هذا ما أراده الشعب وحكم به، لأن حكم الشعب لم يمنع قادة انقلاب الإنقاذ من الإطاحة بحكومة لا جدال في أنها كانت منتخبة من غالبية الشعب السوداني، ولم يمنع الحركة الشعبية من شن الحرب على تلك الحكومة. ولا عبرة هنا أيضاً بما صرح به قائد الحملة الانتخابية للحزب الوطني من أن الديمقراطية لا تعني تمثيل كل أطياف الشعب، وإنما اختيار من يحكم بين المتنافسين. صحيح أن الديمقراطية تتيح للشعب مباشرة أو عن طريق برلمان منتخب، أن يختار الحكومة، التي يمكن أن تمثل لوناً سياسياً واحداً من بين ألوان كلها مرتضاة ومتراضية. ولكن هذا لا يعني ألا تكون أطياف الرأي الأخرى ممثلة في البرلمان كمعارضة. أما إذا كان هناك إقصاء لأحزاب لا يشك أحد في حجم أنصارها من البرلمان بصورة أقوى منها في عهد الانقلاب الأول، فإن هذا لا يمكن أن يعتبر وضعاً طبيعياً فضلاً عن أن يكون ديمقراطياً. وكما أسلفنا سابقاً، فإن غياب التراضي بين القوى السياسية على آليات العملية الانتخابية وأشياء كثيرة أخرى يعني غياب واحد من أهم أعمدة الديمقراطية، ألا وهي القبول المتبادل بين أطراف العملية السياسية، وتوافق الحد الأدنى على السياسات وآليات الاختيار.

 

وإذا أضفنا إلى هذا أحادية كيانات الدولة الأخرى، من خدمة عامة وقوات نظامية وآليات عدلية وحتى المؤسسات التربوية، بل وكثير من مؤسسات القطاع الخاص، فإن الوضع يبدو أشبه بحال الأنظمة الشمولية منه بوضع فيه شبهة ديمقراطية.

 

وعليه فإن النصيحة الأولى التي نتطوع بها هي ضرورة التقدم بمعالجة سريعة وحاسمة لهذا الوضع. ونريد أن نقترح هنا حلاً وسطاً بين مطالب المعارضة بإعادة الانتخابات تحت سلطة محايدة، وبين إصرار المؤتمر الوطني على أنه يملك تفويضاً شعبياً لانقلاب جديد يعيد سيرة الإنقاذ الأولى في الانفراد بالأمر دون بقية القوى السياسية. وما نقترحه هو اعتبار فترة الثلاث سنوات المقبلة فترة انتقالية جديدة، يتم خلالها التوافق على إجراء إصلاحات جذرية في هيكلية الدولة، بغية تحقيق قومية واستقلالية كل مؤسسات الدولة. ونرى أن تنشيء رئاسة الدولة مفوضية خاصة لإتمام هذه المهمة، تكون على رأسها شخصية قومية مرتضاة، وتضم ممثلين للأحزاب والنقابات ومنظمات المجتمع المدني. ولا يكون من شأن هذه المفوضية التدخل في شؤون مؤسسات الدولة أو تغيير قياداتها، ولكن يقتصر عملها على التشاور مع هذه المؤسسات على كيفية التوصل إلى قواعد وآليات تضمن لهذه المؤسسات استقلاليتها وقوميتها عبر نظم شفافة للاختيار والترقيات والمحاسبة، وقواعد تضمن المساواة وعدم التمييز، وأسس تكرس هذه المؤسسات لخدمة الأهداف الوطنية العليا والانصياع لقرارات السلطة المنتخبة ديمقراطياً بحسب الإجراءات السليمة.

 

وسوف يفتح إنجاز هذه المهمة الباب أمام عملية انتخابية تكون أكثر عدالة وأقرب إلى أن تعكس بدقة أوزان القوى السياسية. وفوق ذلك فإن تحييد مؤسسات الدولة وإخراجها من صراعات السياسيين هو شرط لازم لأي ديمقراطية حقيقية، أولاً لأن حيدة هذه المؤسسات هو الضمان لقيام انتخابات نزيهة، وثانياً لأن هذا الحياد وقبول كل القوى السياسية يحص هذه المؤسسات من التقلبات الانتخابية، ويبعد شبح الصدام بينها وبين الحكومات المنتخبة، مما يعزز فرص الديمقراطية الحقيقية.

 

هناك قيمة أخرى لهذا المقترح، وهو أن التوجه الجاد نحو تعزيز حيادية الدولة، وتميهد الطريق لتوافق ديمقراطي وانتخابات جديدة يرضاها الجميع ستعزز من فرص وحدة السودان وتساعد في حل أزمة دارفور. ذلك أن أكثر شكوى حركات دارفور (وقبل ذلك الحركة الشعبية) هو عدم العدالة والحيادية في مؤسسات الدولة. فإذا تم التوافق على أسس عادلة وشفافة لإدارة مؤسسات الدولة، فإن ذلك سيتسجيب لغالب مطالب أهل دارفور وأهل الجنوب، وسيشجع الحركة الشعبية على التمسك بخيار الوحدة. وسيتعزز هذا التوجه بعد التوافق على آليات العملية الانتخابية القادمة وإشراك حركات دارفور في الحوار حول هذا الأمر.

 

وغني عن القول إن هذا المقترح هو مجرد إشارة في اتجاه التوصل إلى توافق عام بين القوى السياسية الفاعلة، وتجنب التوترات والصراع في هذه الفترة الحرجة التي سيتحدد خلالها مصير السودان كبلد. والباب مفتوح لأي مقترحات أخرى من الحكومة أو المعارضة لتحقيق هذا التوافق الضروري.

 

ونواصل إن شاء الله.

Abdelwahab El-Affendi [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]