(1)

 

نشرت مجلة "فورين بوليسي" على موقعها نهاية الشهر الماضي تعليقاً على قرار البرلمان البلجيكي بحظر النقاب جاء بعنوان: "حظر البرقع يعطي البلجيكيين أخيراً أمراً يتفقون حوله". وجاء في التعليق: إن الحكومة البلجيكية مشلولة تماماً بسبب خلاف بين طوائف بلجيكا عمره عقد من الزمان، بينما تعاني البلاد من البطالة وتصاعد الدين العام. ولكن نائبين فقط امتنعا عن التصويت على قرار بحظر النقاب، بينما صوت 136 نائباً من كل الأحزاب لصالح القرار ولم يصوت أحد ضده.

 

(2)

 

مثل البلجيكين فإن الفرنسيين انصرفوا عن كل أزمات بلادهم وأزمات أوروبا والعالم – وما أكثرها- وعكفوا على استصدار قانون يحرم لبس النقاب ويفرض غرامات باهظة على أي امرأة "تضبط" متورطة بلبس النقاب.

 

(3)

 

بحسب الداعين إلى حظر النقاب فإنه يمثل في نظرهم استعباداً للمرأة، ووضعها "في سجن متحرك"، كما أنه يشكل خطراً أمنياً لأنه قد يستخدم لارتكاب الجرائم والعمليات الإرهابية. ويضيف هؤلاء إن لبس النقاب ليس من الواجبات الدينية، بل هو عادة وإرث ثقافي، وكثير من الدول الإسلامية تحرمه في الأماكن العامة.

 

(4)

 

يعترف المنادون بحظر النقاب أن النساء اللاتي يرتدينه هن قلة، علماً بأن المسلمين هم بدورهم أقليات صغيرة (3% في بلجيكا، 2% في بريطانيا). وهذا يجعل هذه الخطوات (ومثيلاتها، مثل حظر المآذن في سويسرا) ذات قيمة رمزية أكثر منها معالجة لمشكلة تواجه المجتمع.

 

(5)

 

إذا لم تكن هناك مشكلة تستدعي كل هذا الاستنفار، فما هو إذن الباعث على نداءات الجهاد الأوروبي ضد الملابس والمباني والشارات؟

 

(6)

 

جزء من هذا الإجابة يوجد في تاريخ أوروبا نفسها، حيث لم يبدأ تشكل هوية القارة ككيان واضح المعالم إلا في عهد الحروب الصليبية، التي قامت استجابة لدعوة البابا أوربان الثاني لأمراء أوروبا المتناحرين لوقف حروباتهم الصغيرة وتوجيه حرابهم باتجاه "الخطر الإسلامي". وقد كانت أوروبا قبل ذلك كيانات وشعوباً لا رابط بينها سوى الاقتتال، وقضت بعد ذلك قروناً ترتعد أمام "الخطر الإسلامي" الذي مثلته الامبراطورية العثمانية، قبل أن تعود إلى صراعاتها بعد أن زال ذلك التهديد.

 

(7)

 

في القرنين الماضيين، غاب ذكر الخطر الإسلامي من الخطاب الأوروبي، خاصة بعد أن هيمنت أوروبا على العام الإسلامي، إلا حين يلوح الخطر كتهديد لتلك الهيمنة، كما كان الحال مع الثورة المهدية أو ثورة 1857 في الهند. وفي هذه الفترة توجه حقد ومخاوف أوروبا باتجاه جماعات أخرى، خاصة اليهود.

 

(8)

 

في عام 1968، ألقى السياسي البريطاني المعروف إينوك باول خطابه المعروف بخطاب "أنهار الدم"، مطالباً فيه بوقف هجرة الاجانب إلى بريطانيا، وإبعاد الموجودين منهم. وقد حرك ذلك الخطاب مشاعر العامة ووجد تجاوباً واسعاً من الشارع. ولولا موقف النخبة، خاصة زعيم حزب المحافظين إدوارد هيث الذي سارع بإقالة باول من حكومة الظل، لكانت بريطانيا تحولت إلى يوغسلافيا أخرى في تلك الحقبة.

 

(9)

 

لم يذكر باول في خطابه ذلك الإسلام، لأن غالبية المهاجرين الذين أرقوا نومه كانوا من الأفارقة وأهل جزر الهند الغربية، وبعض الآسيويين. وعليه فقد كانت مشكلة العرق، لا الدين ولا حتى الثقافة، هي موضع القلق.

 

(10)

 

في عام 1997، ظهر مصطلح "الإسلاموفوبيا" لأول مرة في تقرير صدر عن منظمة "رنيميد" البريطانية وأشار إلى تنامي ظاهرة العداء للإسلام والمسلمين. الجدير بالذكر أن اللجنة التي كتبت التقرير كانت قد شكلت عام 1992 في الأساس لدراسة تنامي معاداة السامية في بريطانيا. ولكن بعض الأعضاء نبهوا إلى ضرورة الانتباه إلى ظاهرة العنصرية المعادية للإسلام أيضاً، فكان التقرير الثاني.

 

(11)

 

"النقابوفوبيا"، أو حالة الذعر تجاه لبس النقاب، هي مثل معاداة السامية وعداء الأجانب، ظاهرة تتعلق بأوروبا ووعيها لذاتها، قبل أن تتعلق بالإسلام أو اليهودية أو الأجانب. فما نشهده هنا هو عملية ترحيل مستمر للمشاكل عبر البحث عن عدو "خارجي" توجه ضده نزعات العدوان وتفرغ في الخارج حتى يسلم الداخل. كان هذا هو الحال منذ الحروب الصليبية إلى قرار البرلمان البلجيكي.

(12)

هناك آزمة يمكن أن يطلق عليها "المرض الأوروبي"، وتتلخص في إشكالية النزعة العنصرية المتأصلة، والتي تكمن تحت السطح، وتسارع للتعبير عن نفسها في نزعات عدوانية تجاه الغير، كما حدث في الحروب الصليبية، أو التطهير العرقي ضد المسلمين واليهود في الأندلس، والاستعمار وعمليات الإبادة الجماعية ضد السكان الأصليين في الأمريكتين وأستراليا، والاسترقاق الجماعي للأفارقة، والفصل العنصري في أمريكا وجنوب افريقيا، والإبادة الجماعية لليهود، وأخيراً ما نراه من عداء مرضي متنام للإسلام. هذا التوجه لن يضر الإسلام إلا أذىً، ولكنه مرض قد يدمر أوروبا من الداخل، كما يحذر كثير من الحادبين من أهل القارة.

Abdelwahab El-Affendi [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]