(1)

 

إليكم مشهد من أحد مساجد مدينة الخرطوم هذا الأسبوع: عقب صلاة المغرب يقوم عند محراب المسجد شيخ حسن السمت، عليه سيماء الوقار والهيبة. ولكنه عوضاً عن أن يخطب في الحضور واعظاً ومذكراً، يحدث الناس عن سوء حاله، وكيف أنه جاء العاصمة مستشفياً من شرق السودان، فضاقت به السبل وقصرت ذات يده عن تكاليف العلاج الباهظة، فهو يطلب العون من الحضور.

 

(2)

 

كان المشهد مؤلماً وقاسياً على النفس، وزاد من قسوته اضطراب الرجل ولهفته وعدم ثقته باستجابة الحضور. فعند بدء حديثه، عرض على الجلوس في الصف الأول بطاقات كان يحملها، لإثبات شيء ما. وبعد أن لخص دعواه جلس في انتظار ما يجود به المصلون. ولكنه ما لبث أن انتصب قائماً ورفع وثائق قال إنها شهادات الأطباء على حاله. تكرر هذا القيام والجلوس عدة مرات، وفي كل مرة يلوح الشيخ ب "دليل" ما على حالته: صورة أشعة، صناديق أدوية، إلخ...

 

(3)

 

قبل انصراف المصلين أقبلت ثلة منهم على الرجل، كلهم يلقي إليه بما تيسر. وقد لاحظت أن غالبية من أقبل عليه كانوا من الفقراء كما ظهر من سمتهم ومن قلة ما جادت به أيديهم. أما أغنياء القوم فلم يلقوا للرجل وحكايته بالاً.

 

(4)

 

هذا المشهد يتكرر يومياً، وفي كل مساجد العاصمة السودانية، وعند كل صلاة تقريباً. على الأقل حسب مشاهداتي، لأنني لا أذكر مسجداً دخلته ولم يتكرر فيه مشهد كهذا. وفي الغالب فإن السائل يطلب نفقات العلاج. أما في خارج المسجد، وخاصة أيام الجمعة، فإن عدداً كبيراً من السائلين، ومعظمهم نساء، يصطف عند المدخل، طالباً المعونة.

 

(5)

في هذه الأيام التي انشغل فيها الرأي العالم السوداني بالانتخابات وما جرى فيها (أو لم يجر) من تجاوزات، هناك سؤال أهم حول طبيعة المجتمع السوداني الذي تجري فيه هذه الانتخابات. فما نراه من كثرة السائلين ما هو إلا رأس جبل الجليد من انهيار بعض أهم ركائز المجتمع السوداني، ألا وهو التعفف والكبرياء. فهناك غالبية من فقراء الناس تعرفهم بسيماهم، يتوجهون بمسألتهم لذوي القربى ومن يتوخون فيهم الستر.

 

 

(6)

في هذه الانتخابات كان المال هو المحور الذي يدور حوله كل شيء. المؤتمر الوطني، الحزب الحاكم في الشمال، وغريمه الحركة الشعبية، أنفقا من الأموال في الحملة الانتخابية ما تنوء به العصبة أولو القوة. أما اللجنة القومية للانتخابات وفروعها فقد أنفقت مئات الملايين من الدولارات مما جادت به أيدي كرماء الأجانب.

 

(7)

 

الأحزاب الأخرى كانت بدورها مهمومة بالمال: أنفقت منه ما تيسر في حملاتها، وشكت من قلته ومن كثرة ما أنفق الكبار. وبعضهم مد يده للمؤتمر الوطني والحكومة بالسؤال كما فعل شيخ المسجد، وبعضها قبض الملايين في ظروف أقل ما يمكن أن يقال عنها أنها مشبوهة.

 

(8)

 

يمكن أن توصف الحالة التي نعيشها حالياً بأنها "ديمقراطية اليد السفلى". فنحن شعب يعجز عن تمويل عمليته الانتخابية إلا بالاعتماد على جود الأجانب الذين يلعنهم من يقبض نوالهم ليل نهار. أما الأحزاب فإنها عاجزة عن تمويل نشاطها إلا عبر نهب أموال الشعب في رابعة النهار، أو استجداء من تولوا أمر النهب. ويصدق على كل هؤلاء (على لسان الشعب السوداني) مقولة المتنبي: "جوعان يأكل من زادي ويمسكني... حتى يقال عظيم القدر مقصود".

 

(9)

 

أحد التفسيرات التي قدمت لنتيجة الانتخابات الأخيرة التي اكتسحها المؤتمر الوطني بالكامل تقريباً هي أن المجتمع السوداني تغير بصورة جذرية، وأدار ظهره للأحزاب القديمة وأعلن ولاءه للحزب الحاكم. ولكن كما أن النتيجة لا تتوافق مع أي قراءة موضوعية للواقع السوداني، فإن هذا التفسير أصعب قبولاً من الظاهرة التي سعى لتفسيرها.

 

(10)

كل الدلائل تشير إلى المؤتمر الوطني هو حزب الأثرياء، حيث جمع في وسطه كثيرون ممن أثروا بسبب علاقتهم بالدولة، كما أن كثيراً من أثرياء البلد أخذوا يقبلون على المؤتمر أفواجاً. ولكن غالبية المواطنين السودانيين قد أصبحوا من الفقراء، تحديداً بسبب السياسات الرسمية التي فتحت أبواب الغنى لكثيرين ولكنها زادت الفقراء فقراً، حتى لو كان الفقر نسبياً. فكيف يصوت الفقراء لحزب الأثرياء؟

 

(11)

 

إذا صح أن هذا ما حدث (وهو أمر غير مستبعد تماماً)، فإن هذا التحول لا يمثل بزوغ فجر عهد جديد، وإنما هو شكل آخر للولاء الطائفي القديم الذي ظل فيه الفقراء يخدمون الأغنياء، ويجودون بقليل ما عندهم لزعماء يرفلون في فاحش الغنى، ويقولون لصاحب النعجة الواحد أكفلناها، ويعزونه في الخطاب، باسم الدين في الحالين. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

Abdelwahab El-Affendi [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]