ظللت حتى منتصف نهار السبت أعيش حالة من التفاؤل الحذر تجاه الانتخابات السودانية التي انعقدت الأسبوع الماضي. ولم تكن لدي أوهام عن سلامة العملية الانتخابية، وإن كانت هناك أوهام من هذا النوع، فإنها كان لا بد أن تتبدد بعد ما شاب تلك العملية من خلل بين وأخطاء متراكمة منذ ساعاتها الأولى. وكنت قبل ذلك قد عبرت على هذه الصفحات وغيرها عن رأيي في أن شروط التحول الديمقراطي، وأبرزها التوافق الوطني، ما تزال غائبة على الساحة السودانية. وفي هذا الغياب لا يكون عقد الانتخابات كافياً لإنجاز هذا التحول، بل قد يؤدي إلى تعقيدات أكثر، ويكون فاتحة حروب أهلية، كما حدث من قبل في يوغسلافيا، ورواندا وزمبابوي وكينيا.

 

ولكننا رغم كل هذه التحفظات أكدنا حرصنا على العملية الانتخابية، واعتبارها خطوة ضرورية في طريق النضال من أجل تحول ديمقراطي. وقد انتقدنا الأحزاب التي قاطعت الانتخابات، واتهمناها بخذلان أنصارها وضرب تطلعات الشعب نحو الحرية. وكان رأينا أن المشاركة الأوسع ستؤثر باتجاه ترسيخ التعددية داخل أطر الدولة الرسمية، وخاصة البرلمانات الولائية والمركزية. وكنا ننعى على أحزاب المعارضة مبالغتها في تضخيم سطوة المؤتمر الوطني الانتخابية، حيث كنا بالعكس، نشفق على الحزب الحاكم من نتائج حكم الشعب على قادته وأدائهم. ولم يكن أهم سبب جعلنا نؤكد عدم قابلية الانتخابات لكي تصبح أداة للتحول الديمقراطي هو اعتقادنا بقدرة المؤتمر الوطني على اكتساح الانتخابات، بل بالعكس، اعتقادنا بعدم إمكانية ذلك، مع عدم التوصل إلى أي توافق حول ما سيحدث إذا خسر المؤتمر الوطني السلطة.

 

لم تدفعنا المقاطعة الواسعة للانتخابات من قبل غالبية أحزاب المعارضة، ولا ما تواتر نقله عن قصور بين في أداء المفوضية خلال اليومين الأولين، إلى تغيير قناعتنا بأن الانتخابات تبقى خطوة إيجابية وضرورية لخلخلة سيطرة المؤتمر الوطني وكذلك الحركة الشعبية، الأحادية على كل مفاصل السلطة في البلاد. فقد ظلت المنافسة التي يواجهها مرشحو المؤتمر الوطني والحركة الشعبية من قبل الأحزاب التي شاركت ومن قبل آلاف المرشحين المستقلين قوية. وبسبب طبيعة التركيبة السياسية للمجتمع السوداني، وغلبة العوامل المحلية، خاصة الأسرية والقبلية والطائفية وعامل الجوار، في توجيه الرأي العام، لم يكن هناك شك في أن الانتخابات ستسمح بوصول معارضين كثر إلى مقاعد البرلمان المركزي والبرلمانات الولائية والإقليمية.

 

وفي حوارات كثيرة دارت مع مراقبين أجانب وسياسيين ومحللين وطنيين، ظللنا نؤكد أن حكمنا على الانتخابات سيعتمد على عاملين: نسبة المشاركة وطبيعة النتائج. فإذا كانت نسبة المشاركة عالية وإذا عكست النتائج التعددية المعلومة للمجتمع السوداني، فإن الحكم على الانتخابات لا بد أن يأتي إيجابياً، مهما شابها من قصور. ولم يكن لدينا أو غيرنا من المراقبين أدنى شك في أن المؤتمر الوطني سيفوز بالرئاسة وبنصيب الأسد من المقاعد البرلمانية على كل المستويات. ولكن نسبة الفوز لا بد أن تعطي مؤشراً مهماً على صدقية العملية الانتخابية.

 

وقد كانت النتائج الأولية تشير إلى نسبة مشاركة عالية، وهو مؤشر إيجابي يعكس حالة التنافس التي كانت ما تزال تسود المعركة. وبنفس القدر جاءت تقارير منظمات المراقبة الدولية، رغم سلبيتها، تميل إلى إعطاء العملية الانتخابية درجة مرور متدنية.

 

ولكن بمجرد أن بدأت النتائج الأولية ترشح، حتى انقلبت الصورة تماماً. وكلما تواترت النتائج كلما زادت الصورة قتامة. فقد اكتسح المؤتمر الوطني وبعض حلفائه كل المقاعد البرلمانية، وبنسب فلكية، تجاوزت الثمانين بالمائة. وعند التدقيق في تفاصيل النتائج أظهرت الصورة تفاصيل مذهلة تتضارب مع أي قراءة موضوعية للواقع السوداني. فقد فشلت قيادات معارضة ذات وزن لا ينكر في الحصول على أصوات حتى في معاقلها المعروفة، وأحياناً في داخل حيها الذي يؤوي العائلة الممتدة، أو حتى في داخل بيوتها.

 

الصدمة التي وجهتها هذه النتائج لم تقتصر على أحزاب المعارضة التي فشل أقواها (حسب النتائج غير الرسمية) في انتزاع دائرة واحدة من المؤتمر الوطني على أي مستوى، بل أصابت كذلك المراقبين، ممن كان كثير منهم يمني النفس بأن تساهم الانتخابات في خلق ظروف الاستقرار في البلاد. فبحسب هذه النتائج فإن حزب الترابي الذي أحرز في تجليات سابقة 18% من الأصوات في انتخابات 1986 عجز عن الحصول على نسبة الأربعة بالمائة التي تؤهله للحصول على مقاعد برلمانية عبر القوائم الحزبية وقوائم المرأة. نفس المصير لحق بالحزب الاتحادي الديمقراطي الذي حاز قرابة ربع أصوات الناخبين في آخر انتخابات تعددية.

 

هناك تفسيران متناقضان لهذه النتيجة الصاعقة. المعارضة طرحت فرضية التزوير، وقد تبرع المؤتمر الشعبي بشرح آلياتها، وهي استبدال الصناديق الحقيقية بأخرى تم إعدادها مسبقاً كما يقول طهاة برامج التلفزة. أما المؤتمر الوطني فقد فسر النتيجة بالانهيار الكامل لأحزاب المعارضة، وتحول الدعم الشعبي للمؤتمر الوطني الذي نجح في قيادة حملة جادة وعلى قدر عال من المهنية.

 

وحتى إشعار آخر فإن كلا التفسيرين يصعب قبوله. فالزعم بأن المؤتمر الوطني مارس عملية تزوير منهجية في كل دوائر شمال السودان يفترض قدراً عالياً من الكفاءة والفاعلية، وتواطؤ عدد كبير من موظفي مراكز الانتخابات ورجال الشرطة، وغفلة كبيرة من المراقبين. أما الزعم بأن البنية الاجتماعية السودانية قد انهارت بشكل كامل، بحيث أصبح الوالد يصوت ضد ولده، والمريد ضد شيخه، والعشيرة ضد ابنها، حباً في المؤتمر الوطني وقيادته فهي كذلك دعوى غير قابلة للتصديق.

 

بنفس القدر فإن الاتهامات المتواترة بأن المؤتمر الوطني قد زور في السجل الانتخابي، وأن ناخبيه استخدموا شهادات مزورة للتصويت أكثر من مرة، هذه الاتهامات (إن صحت) فإنها قد تفسر عدد الأصوات التي حصل عليها المؤتمر، ولكنها لا تفسر عدم حصول مرشحي المعارضة على عدد يذكر من الأصوات، أو فشل الأحزاب الكبرى في تحقيق نسبة الأربعة بالمائة لقوائمها الحزبية.

 

مهما يكن التفسير المنطقي لما حدث، فإن النتيجة تمثل كارثة للعملية السياسية لدرجة أن أحد أنصار الحكومة قال إنه لو كانت هذه هي النتيجة الفعلية للانتخابات لوجب على الحكومة تزويرها حتى تكون النتيجة أقرب إلى الواقعية. ولو قارنا ما حدث بما شهده جنوب السودان حيث اتهمت الحركة الشعبية بما هو أكبر، وهو الاستيلاء على المراكز الانتخابية بالقوة وطرد المراقبين وأحياناً موظفي المراكز الانتخابية، فإن النتيجة هناك أفرزت قدراً معقولاً من التعددية.

 

وقد كان رد الفعل المباشر لهذه النتيجة هو الرفض الكامل من قبل الأحزاب المعارضة المشاركة، وإعادة توحيد تحالف أحزاب جوبا حول منهج الرفض الكامل. وكنتيجة لهذا عادت البلاد إلى حالة من الاستقطاب الحاد لم تشهدها منذ مطلع التسعينات، حيث تحول الخطاب الحزبي المعارض إلى نسق الرفض الكامل واجترار التهم القديمة بالانقلاب على السلطة وانتهاكات حقوق الإنسان، عوضاً عن خطاب المشاركة الذي ساد لدى البعض خلال الفترة الماضية. وبالمقابل فإن خطاب الحزب الحاكم طغت عليه نبرة الإقصاء والتعالي، بينما تخندقت الحركة الشعبية في مواقف ماقبل نيفاشا.

 

دولياً فإن مواقف الاعتدال التي مثلها حتى موقف مركز كارتر والاتحاد الافريقي ولجنة امبيكي، تلقت صفعة قوية من هذه النتائج، وستواجه عواصف من الانتقادات من قبل خصومها الذين "سيمسحون بها الأرض"، ويتهمونها بالغفلة والسذاجة، إن لم يكن بالتواطؤ. وقد يصبح مبعوث أوباما، الجنرال سكوت قرايشن، أول ضحايا الانتخابات.

 

هناك بالتالي حاجة لتحرك عاجل لتلافي الأثر السلبي لهذه النتائج. ولا شك أن المسؤولية الأولى في معالجة هذه المسألة تقع على اللجنة القومية للانتخابات، لأنها المسؤولة أولاً وأخيراً عن سلامة العملية الانتخابية. وعلى هذه اللجنة، التي لم تعلن النتائج الرسمية الكاملة بعد، أن تفسر للشعب السوداني والعالم ما اعترى النتائج من تناقضات، وأن ترد على كل الاتهامات حول التجاوزات والتزوير.

 

من جهة أخرى فإن هناك مسؤولية مضاعفة على حزب المؤتمر الوطني لتجاوز الاستقطاب المدمر الذي نشأ عن الانتخابات. وقد تكون البداية باتخاذ خطوات من جانب واحد لإلغاء القوانين المقيدة للحريات، والتخلي عن كل إجراءات تعسفية تجاه خصومه. فإذا كان قادة المؤتمر على قناعة بأن قرابة تسعين بالمائة من المواطنين يؤيدونهم، فليس هناك حاجة لأجراءات تعسفية أو قوانين لا ديمقراطية. وقد ذكر بعض المفسرين أن الرسول صلى الله عليه وسلم صرف حراسه عندما نزل قوله تعالى: "والله يعصمك من الناس". وقد رأى بعض المستشرقين في هذا التصرف آية على صدقه صلى الله عليه وسلم، لأنه لو كان يختلق هذه الآيات لما جازف بحياته بناء عليها. وبنفس القدر فإننا سنكون أكثر تقبلاً لدعاوى المؤتمر الوطني حول الدعم الشعبي الذي يحظى به لو أنه أظهر بدوره عملياً اقتناعاً بموقفه.

 

ولكن غالبية المعارضين لن يقتنعوا بصحة نتيجة هذه الانتخابت ولو جاءتهم كل آية نتيجة لمخالفتها التامة لكل توقعات معقولة. وعليه فإن تمسك المؤتمر الوطني بنتائج الانتخابات بصورتها الحالية يعني الدخول في مواجهة مع كل القوى السياسية، بما في ذلك الحركة الشعبية، وهو وضع قد تكون أدنى آثاره انفصال الجنوب، ربما قبل استفتاء العام القادم. من هنا لا بد من اتخاذ مواقف تمنع الانتخابات من التحول إلى نقطة صراع جديد بدلاً من باب للتوافق.

 

في بيانها الصادر أمس الأول طالبت شبكات منظمات المجتمع المدني المستقلة التي راقبت الانتخابات ب"إعادة النظر في مجمل العملية الإنتخابية بما في ذلك النتائج، وعدم إعتمادها في تكوين الحكومة الجديدة"، التي يجب أن تكون "حكومة قومية حقيقية، يتم التوافق حولها بواسطة جميع القوى السياسية في البلاد لكيما تقود البلاد خلال بقية الفترة الإنتقالية." كما طالبت الشبكات بحل المفوضية القومية العليا للإنتخابات، التي حملتها المسؤولية المهنية والأخلاقية في فشل الانتخابات، إضافة إلى "فتح تحقيق مستقل حول أداء المفوضية المهني والمالي، ونشر نتائجه للجميع." وكان من بين المطالب كذلك "إعادة الانتخابات في أسرع فرصة قادمة، بعيد إجراء الإستفتاء حول تقرير مصير الجنوب، وتوفير الحد الأدنى من الأمن والسلام الذي يمكن أهل دارفور من المشاركة السياسية."

 

ولا شك أن أضعف الإيمان هو التحرك العاجل لتشكيل حكومة قومية من كل القوى السياسية استجابة للتحديات الكبرى التي تواجه البلاد خلال الأشهر القليلة القادمة، وأهمها تحدي وحدة البلاد وسلامة أراضيها. وهذا يوجب على كل الأطراف، وخاصة الحزب الحاكم، تقديم تنازلات ذات معنى، والتوافق على مصلحة الوطن، حتى لو كان ذلك على حساب بعض المصالح الحزبية أو الشخصية.

 

هناك الآن سحابة سوداء قاتمة تجثم على سماء السودان، تشبه السحابة البركانية التي ناءت بكلكلها على شمال الكرة الأرضية فحصرت الناس كبيرهم وصغيرهم عن السفر. وفي جو السودان سحب داكنة تنذر بالعودة إلى أسوأ أيام الاستقطاب وربما الحرب المفتوحة. ومن واجبنا جميعاً أن نعمل على ألا يخنقنا الغبار، أو الشعارات الفارغة والدعاوى العريضة.

Abdelwahab El-Affendi [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]