(1)

 

في لحظة غضب أصابته وهو يراقب فشل محاولة لفرض عقوبات دولية على نظام الإنقاذ في السودان في منتصف التسعينات، كتب السياسي والإعلامي السوداني المخضرم بونا ملوال يقول: هؤلاء القوم يرددون كثيراً أن الله يقف معهم، وهم في ذلك معذورون ، لأنه من الصعب إيجاد تفسير آخر لتخاذل المجتمع الدولي عن التصدي للنظام.                                               

 

(2)

لقد ظل تاريخ حكم الإنقاذ يتميز بثنائية مدهشة، تتمثل في اتباع سياسات كارثية تقود النظام إلى حافة الهاوية، تتبعها ضربات حظ من السماء تنقذه من الكارثة.

 

(3)

حدث هذا في عام 1991، حين اتخذ النظام قرارات حالفها التوفيق تجاه حرب الكويت من جهة، والجفاف والمجاعة من جهة أخرى، في وقت كانت الولايات وحلفاؤها في حالة انتشاء بانهيار الاتحاد السوفيتي وطرد العراق من الكويت، وكانوا يبحثون عن فرائس أخرى في افريقيا، بدءاً من الصومال. ولكن نفس الحقبة شهدت انهيار النظام الاثيوبي الداعم الأول للتمرد في الجنوب، ثم انشقاق الجيش الشعبي لتحرير السودان، مما أخرج النظام من ورطاته.

 

(4)

تكرر الأمر في عامي 1996/1997، حين انهارت مفاوضات الإيغاد، وتم فرض عقوبات دولية بعد حادثة أديس أبابا، وتدهورت العلاقات مع دول الجوار لدرجة الدعم المباشر للمعارضة المسلحة ومشاركة جيوش ثلاث دول مجاورة في غزو مباشر للبلاد عبر ثلاث محاور من الجنوب والشرق. ولكن لم تمض أشهر على هذه المواجهات حتى تورطت يوغندا في غزو زائير (الكونغو الديمقراطية لاحقاً) ثم دخلت في نزاع مع رواندا، بينما تفجرت الحرب بين اثيوبيا واريتريا.

 

(5)

شهد عام 1997 أيضاً إبرام اتفاقية الخرطوم للسلام، وهي اتفاقية كان من المفترض أن تمهد لإنهاء الحرب في الجنوب، وتضعف التمرد هناك. ولكن طريقة التعامل مع أطراف الاتفاقية دفعت بهم إلى العودة للتمرد من جديد. وفي العام التالي تدهورت العلاقات مع أمريكا لدرجة قيام الولايات المتحدة بقصف قلب العاصمة السودانية بعد تفجير سفارات أمريكا في نيروبي ودار السلام.

 

(6)

لم يمر عام على هذه الواقعة حتى كانت مفاوضات سرية قد بدأت بين البلدين، نتج عنها تعاون مخابراتي فعال. وقد ساهم الانشقاق الذي وقع بين أطراف الحكم، ودعم مصر وحلفاء أمريكا في المنطقة للرئيس البشير في تسريع التفاهم مع أمريكا، بحيث أصبح لأجهزة المخابرات الأمريكية مراكز نشطة في قلب العاصمة السودانية. وكنتيجة لذلك فإن تسونامي الغضب الأمريكي بعد أحداث سبتمبر 2001 اتجه بعيداً عن الخرطوم، لدرجة أن ذلك الشهر شهد، بالعكس، رفع العقوبات الأممية التي كانت فرضت على السودان عام 1996.

 

(7)

شهدت الفترة التالية، ورغم صعود إدارة بوش وأنصارها من المحافظين الجدد إلى الحكم، جهوداً حثيثة من الإدارة الأمريكية لدعم عملية السلام في الجنوب، توجت باتفاق مشاكوس ثم اتفاقيات نيفاشا. ولكن نفس الفترة شهدت تفجر الصراع في دارفور ثم وصوله إلى أبعاده المأساوية، بحيث كاد يبطل كل مكاسب نيفاشا.

 

(8)

في السنوات الأخيرة كانت كماشة الضغوط الناتجة عن استحقاقات اتفاقيات نيفاشا من جهة، وأحداث دارفور من جهة أخرى، تقود النظام عبر طريق وعر، أحلى نهاياته مر. فالانتخابات كانت ستشكل مأزقاً للحزب الحاكم لو خاضتها المعارضة بجدية وتنسيق، كما أن الضغوط الدولية حول دارفور كانت تتجه لإحكام حلقات الحصار.

 

(9

ولكن فجأة تتنزل البركات، فتوقع أكبر حركات التمرد في دارفور اتفاق تفاهم مع الحكومة، وتنسحب تشاد من حلبة الضراع، ويتبع ذلك انسحاب الأحزاب السياسية من ساحة المنازلة الانتخابية، فسيقت للمؤتمر الدنيا بحذافيرها.

 

(10)

ليس الحظ وحده هو الذي ظل يخدم المؤتمر، بل كان هناك شيء من التخطيط. ولكن في الغالب فإن تخطيط قيادات الإنقاذ غالباً ما يؤدي إلى خلاف المبتغى، كما شهدنا في الجنوب من حرب ضروس اشتعل أوارها لتكون عاقبتها الانفصال، وفي دارفور حيث تحول الأمر إلى كارثة أضعفت النظام وقوت أعداءه في الداخل والخارج. وقس على ذلك.

 

(11)

ليست العبرة في السياسة ولا في غيرها بما يجلبه الحظ. وكما قد يهدر صاحب المال ما ورثه أو كسبه من اليانصيب، فإن السياسي غير الحاذق قد يبعثر رأس ماله السياسي عبر سوء التصرف.

 

 

(12)

بعد عقدين من الحكم، لم تصل قيادة الحزب الحاكم بعد إلى نقطة العبور إلى شرعية شعبية مستقرة، أو حتى إلى ماحققته أحزاب حاكمة أخرى اعترفت المعارضة بعجزها عن تحديها. فما تزال أحزاب المعارضة في السودان تعامل الحزب الحاكم كما لو كان هو المعارضة. فهي التي تهدد وهي التي تفرض الشروط، بينما الحزب "الحاكم" يقف في مقام الدفاع.

 

(13)

مشكلة الفئة الحاكمة تلخصت حتى الآن في أنها ظلت تعمل لكسب معاركها باستخدام أدوات غير سياسية، مثل العنف والقمع والمناورة واستخدام المال. وقد تكون من الحكمة أن تبدأ تلك القيادة استخدام الأدوات السياسية، وأهمها الحوار الجاد مع الآخرين بغية التوصل إلى قواسم مشتركة تكون محصلتها التوافق وبالتالي استقرار البلاد. وقد يكون هذا من باب شكر النعم.

Abdelwahab El-Affendi [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]