قضيت خلال العام ونصف الماضيين وقتاً في السودان، وبالأخص العاصمة السودانية الخرطوم، أكثر من أي فترة منذ أن هاجرت إلى بريطانيا في مطلع الثمانينات. فقد زرت البلاد خلال تلك الفترة ثمان مرات، كان متوسط الإقامة في كل منها قرابة الأسبوعين. وقد تهيأ لي بهذا السبب ما يكفي من الوقت للاطلاع على كثير من أوضاع العاصمة عن قرب، وما حدث فيها من تحولات كبرى خلال الأعوام القليلة الماضية.

 

كنت في الخرطوم في نهاية الصيف الماضي حين هطلت أمطار غزيرة في أول أيام شهر رمضان، بدأت منذ مطلع الليل وتواصلت لساعات طويلة من نهار اليوم التالي، فتحولت كثير من شوارع العاصمة إلى أنهار وكثير من أحيائها إلى جزر. ولكن هذه كانت حالة عارضة، لأن هطول أمطار بهذه الكميات ليس من المعتاد، وإن كانت طرقات الخرطوم تعاني من مشاكل بدرجات متفاوتة في كل موسم أمطار. ويعود هذا أساساً إلى فشل السلطات المحلية في إنشاء نظام فعال لتصريف المياه.

 

وفي هذا المجال فإن حالة الطريق الرئيسي الواقع بجوار مسكني تلخص طبيعة التطورات التي شهدتها العاصمة. فقد تم رصف هذا الطريق قبل أكثر من عقد من الزمان، وكان هذا الأمر يعتبر وقتها إنجازاً لا يستهان به، لأنه طريق يربط وسط العاصمة بالطريق السريع المتجه إلى وسط البلاد ومن ثم الميناء. ولكن الطريق كان ضيقاً، مليئاً بالحفر، يشكل خطراً على السيارات والمارة معاً. وقبل عدة سنوات، تمت محاولة لتوسيعه إلى طريق ثنائي المسارات في الاتجاهين. ولكن الشركة المنفذة (وهي بلا شك ذات صلة بالحاكمين) لم تحسن عملها، فكنت ترى الطريق يعج بالحفر والنتوءات، وكان غير مستو، ولم يكن به نظام تصريف للمياه. وعندما هطلت أمطار الصيف الماضي تحول نصفه الشرقي إلى بحيرة كبيرة. وخلال العام الماضي جرت محاولة أخرى لإصلاحه، وهذه المرة كانت النتائج أفضل بكثير، حيث تم بناء طريق ثلاثي المسارات في الاتجاهين، مع نظام حديث لتصريف المياه. وخلال نفس الفترة، تم إنجاز جسر على نهر النيل يتصل بهذا الطريق، مما زاد الزحام في قطاع منه. وهذه الأيام أشاهد العمال وهم يقومون بطلاء الفاصل بين شقيه، كما تمت إنارة جزء منه. (هل لهذا علاقة بالانتخابات الجارية هذه الأيام؟)

 

في غياب كوارث مثل كارثة الأمطار، فإن أول ما يلفت انتباه الزائر للعاصمة السودانية بعد غياب نسبي هو التمدد المذهل للعمران. فقد كانت هناك مناطق كثيرة تحيط بمدن العاصمة الثلاث، أو تقع عند هوامشها أو في بعض جيوبها الفقيرة، إلا أن العمران الحضري ابتلع كل هذه المناطق وهضمها، وما زال يقول هل من مزيد. ويشمل هذا كثيراً من الأراضي الزراعية وبعض مرابع الرعاة. وقد أعطى هذا التمدد العاصمة السودانية ما يمكن وصفه بالطابع الهجين. ففي كثير من مناطقها، حتى قريباً من القلب، يتزاحم الطابع الريفي مع الطابع الحضري. فهناك مناطق في قلب مدن العاصمة، خاصة أم درمان والخرطوم بحري، تتجاور فيها الأحياء الفقيرة والمساكن الفخمة. وقد تجد أحياء بكاملها ذات طابع ريفي، شكلاً ونمط حياة، تحيط بمراكز هاتين المدينتين. وفي بعض الأحيان، تقوم عمارات ضخمة ومبان ذات طابع باذخ على الشوارع الرئيسية، بينما تتخفى المنازل المتواضعة خلفها.

 

وهذا يحيلنا إلى واحد من أهم خصائص في العاصمة السودانية، والبلاد عموماً: التجاور بين الحداثة والوجود التقليدي من جهة، وبي الغنى الفاحش والفقر المدقع من جهة أخرى. فمنذ اتباع سياسة الانفتاح الاقتصادي من قبل النظام الحالي في مطلع التسعينات، وما صاحبها من صعوبات اقتصادية بسبب الحرب والمقاطعة الدولية، أصبحت الغالبية العظمى من السودانيين، وخاصة موظفي الحكومة، تعيش تحت خط الفقر، بينما وجد كثير من رجال الأعمال المجال لتحقيق أرباح خرافية نتيجة لارتفاع الأسعار. وكنتيجة لذلك وقع تفاوت كبير بين الدخول والأسعار. فعلى سبيل المثال فإن مرتب الأستاذ الجامعي يكفي بالكاد لإيجار شقة متواضعة، ويقل كثيراً عن رسوم الدراسة لتلميذ في مدرسة خاصة متوسطة المستوى. وخلال الشهر الماضي دخل صغار الأطباء في إضراب مفتوح بسبب تدني أجورهم، ولم يتم إنهاء الإضراب إلا بعد أن استجابت الحكومة لمعظم مطالبهم، وإن كان هذا لا يغير كثيراً في حقيقة أن المرتب الأساسي لطبيب مبتدئ قد يساوى مرتب خادمة منزلية.

 

ولكن مظاهر التطور العمراني في العاصمة السودانية، خاصة بعد تدفق النفط ابتداء من عام 1999، قد لا تكشف لأول وهلة عن هذا التفاوت. فشوارع الأحياء المعروفة تعج بالمتاجر التي تعرض كل أصناف البضائع، بينما الطرقات تزدحم بالسيارات المستوردة من كل فج عميق. وتزدحم الشوارع بأفخر المطاعم ومتاجر الأطعمة المستوردة وكل ما يحتاجه المترفون. وقد امتدت الطرقات المسفلتة إلى أبعد أطراف العاصمة، وامتد العمران، ومعه المحلات التجارية إلى كل أنحائها. وقد أصبح من الممكن الوصول بسهولة إلى أحياء ومناطق كانت في السابق مجرد أسماء يسمع بها أهل المدينة. ولا شك أن كثرة الطرق المعبدة خلقت وضعاً متوتراً، لأنها قربت بين أحزمة الفقر ومراتع الغنى، مما خلق أكثر من نقطة قابلة الالتهاب.

 

وتربتط بهذا التقارب ظاهرتان مزعجتان، هما كثرة المتسولين في الطرقات والمساجد، وانهيار أحد أهم مكونات ومقومات الهوية السودانية، وهي تعفف غالبية السودانيين عن سؤال الناس، وأنفتهم المعروفة والاعتزاز بالنفس. وليس ببعيد عن هذا تفجر الحروب والنزاعات المسلحة، لأن رؤية هذا التقارب المؤلم بين الغنى والفقر جعل البعض يرى أن العدالة لن تتحقق إلا بحمل السلاح.

 

يمكن بالطبع اعتبار الاتساع العمراني انعكاساً لنهضة اقتصادية يعود الفضل فيها إلى حد كبير لتدفق أموال النفط. ويعتبر ما شق من طرق وما تم بناؤه من مدارس ومبان حكومية ومرافق صحية جهداً محموداً، وتطوراً إيجابياً انتفع به مواطنون كثر. ولكن من جهة أخرى فإن التنمية غير المتوازنة، وتعرض غالبية المواطنين، خاصة في المدن، للإفقار والمذلة أفرغ هذا التقدم النسبي من محتواه. هذا حتى بدون الإشارة إلى عدم التوازن بينما أنفق على تنمية العاصمة السودانية، مقابل القليل الذي صرف على الأقاليم البعيدة. وحتى في تلك الأقاليم، فإن الحواضر تمثل واحة نهضة عمرانية وسط صحراء واسعة من الفقر والتخلف. وأبلغ مثال على ذلك مدينة نيالا، عاصمة ولاية جنوب دارفور، وثاني أكبر مدن السودان من حيث عدد السكان. فهناك أيضاً نجد المقابلة المذهلة بين وسط المدينة الذي يذكر بمدينة أم درمان، ومعسكرات النازحين التي تحيط بالمدينة حيث تزدحم عشرات الآلاف من الأسر في أكواخ لا تتعدى مساحة الواحد منها بضع أمتار مربعة.

 

من هنا فإن الخرطوم يمكن أن تلخص أوضاع البلاد وحال النظام. فهناك جهد مقدر بذل في تنمية البلاد، نتج عنه استخراج النفط وبناء السدود والجسور وشق الطرقات، والتوسع في بناء المدارس والجامعات والمستشفيات. وفي مقابل ذلك هناك سوء توزيع منهجي في الثروة وسوء استخدام متعمد للموارد التي تدفقت على البلاد. والأمران مرتبطان ببعضهما البعض، وبالفشل في التوصل إلى تحرير الاقتصاد من هيمنة السياسة. فما يزال هناك ربط وثيق بين أهداف السياسة وطريقة توزيع الموارد، مما خلق إشكالين مترابطين: الأول هو توجيه الموارد لتحقيق أهداف سياسية (كسب بعض الفئات، تحييد أخرى، شن الحروب، تعزيز موقع الأنصار أو الحلفاء السياسيين، وإضعاف الخصوم)، مما يشكل إهداراً للموارد وصرفها في غير موقعها الأمثل. أما الثاني فهو إضعاف استقلال المجال الاقتصادي وآلياته الحاكمة، مما يجعل المؤسسات الاقتصادية والأسواق لا تعمل بفعالية بسبب التشوهات الناتجة عن التوجيه السياسي. فأكثر المؤسسات نجاحاً، وأكثر الأفراد والأعمال أرباحاً، ليس تكل التي أديرت بأكبر قدر من الفعالية، وحسن الإدارة والتفكير المبدع، بل هي التي حصلت على معاملات تفضيلية.

 

ويرتبط بهذا أن ما تحقق من إنجازات لم يتحول إلى رأس مال سياسي للنظام وحزبه الحاكم، لأن التوجه العام هو ربط الناس بالنظام عبر الاستفادة المباشرة، وليس عبر التواصل السياسي والاقتناع بأن النظام يتجه لخدمة الشعب بدون تمييز، وتحقيق نهضة للبلد وليس لفئة بعينها، وإطلاق طاقات الشعب، وليس تقييدها وتوجيهها لخدمة أغراض سياسية ضيقة. ولعل هذا التوجيه السياسي للموارد هو أحد أهم العوامل التي شجعت حمل السلاح، ثم كافأته فيما بعد، حيث أصبح حمل السلاح هو أقصر الطرق للقفز بالعمود والوصول مباشرة إلى خزائن الدولة المضنون بها على غير أهلها. وقد أصبح هذا المنحى بدوره عامل تشويه آخر، لأنه يشجع ويكافئ من يتعجلون التخريب، ويترك العاكفين على البناء في حاجة ومسغبة، ويكرس تقديم أهل الشوكة والحظوة على أهل الكفاءة والمقدرة.

 

الخرطوم إذن بصورتها الحالية ترمز لحالة البلد السياسية. فهي تشهد نهضة وتوسعاً عمرانياً بوتيرة مذهلة بكل المقاييس، ولكن هذا التوسع والتمدد لا يخلو من توحش، لأنه يمتص الموارد كما يلتهم الأرض. والفائدة من هذا التوسع النهم ليست عامة، إذ هناك التباين الكبير بين مساكن فاخرة، معظمها لا يسكنها أحد أو تسكنها أسر صغيرة، ومساكن متواضعة في الأطراف تتكدس فيها الأسر الكبيرة. وتكاد أسعار العقارات هنا تضاهي أغلى مدن العالم، رغم أننا هنا في أرض المليون ميل مربع.

 

ولعل الدرس الأول والأهم من هذه التطورات هو أن الاجتهاد في البناء والعمران لا يكفي وحده لبناء رأس المال السياسي. فقد بنى الاستعمار البريطاني أول مدرسة حديثة وأول كلية حربية، ولكن كلاهما خرج من شنوا الحرب عليه. وقد كان شعار حكم الفريق عبود رحمه الله هو: "احكموا علينا بأعمالنا". وقد كانت أعمال عبود وصحبه في المجال التنموي مذهلة بكل المقاييس، في وقت لم يتوفر فيه نفط وكانت موارد الحكومة محدودة مالياً وبشرياً. ففي ذلك العهد الذي لم يزد على ست سنوات، تم بناء سدين (وليس سداً واحداً يتعامل معه البعض كما لو كان أول سد بني في العالم) وتوصيل السكة الحديد إلى غرب السودان وجنوبه ومضاعفة مساحة مشروع الجزيرة، وإقامة مشروع زراعي جديد، وبناء الطرق وتوسيع التعليم. كما شهد العهد رخاء لم تشهد البلاد مثله من قبل ولا من بعد. ولكن عين الفئات التي استفادت من هذا العمران والرخاء كانت في مقدمة من تحركوا للإطاحة بذلك النظام.

 

والعبرة هي أن من يتعامل مع مواطنيه كما لو كان مستعمراً أجنبياً، لا يشرك الناس في الأمر ولا يخاطبهم كخادم لا كسيد، فإنه لو جلب للناس المن والسلوى، فإنهم لن يرضوا عنه. وما يحتاج إلى ترميم اليوم ليس فقط الطرق والجسور، وإنما الجسور التي تربط الحكومة بشعبها، وهي جسور خربة أو لا وجود لها في كثير من الأحيان. وعليه فما نتوقعه هو أن الانتخابات الجارية حالياً، رغم ما شابها من خلل وتجاوزات، وبرغم انسحاب الأحزاب الكبرى، لن تأتي بنتيجة تسر أهل الحكم.

Abdelwahab El-Affendi [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]