كنت قد وعدت القراء في مقال سابق بالإفصاح عن اختياري لمن أرى التصويت له بين المرشحين المتنافسين على الرئاسة السودانية هذا الشهر، ولكن مثل هذا الخيار أصبح غير ذي موضوع بسبب انسحاب غالبية مرشحي الرئاسة من الحلبة خلال الأيام القليلة الماضية، مما أفقد الانتخابات صفة التنافسية وجعل الطريق مفتوحاً لفوز مرشح أوحد للرئاسة. ومع ذلك فإن ما وقع خلال الأيام القليلة الماضية يكشف عمق الأزمة السياسية المخيمة على البلاد، ويؤكد أن استمرار المؤتمر الوطني في الحكم في السودان هو في نهاية الأمر نتاج هذه الأزمة السياسية، وليس سببها الأوحد. فقد أثبتت المعارضة فشلها المزدوج في حشد الدعم الشعبي لبرامجها أو على الأقل في بناء جبهة معارضة موحدة ضد النظام.

 

وقبل أن أمضي في توضيح هذه النقطة لا بد أن أتوقف هنا عند نقطة مهمة أثارها أحد القراء رداً على مقالتي المشار إليها أعلاه. فقد كنت أشرت في تلك المقالة إلى أن الخيارات المتاحة في السودان ليست هي بين المفضول والأفضل، بل بين أهون الشرين، لأن كل الأسماء والكيانات المطروحة على الساحة ليختار الناس بينها لا تعطي الناخب الخيار الأمثل، إذ فيها من العيوب ما يكفي لرفض الجميع. وقد نوه القارئ المذكور بأمر مهم، وهو أن حجة أن كل الخيارات سيئة كثيراً ما استخدمت وتستخدم لتبرير بقاء الأنظمة الدكتاتورية على أساس أن بدائل المعارضة ليست أفضل كثيراً. وهذا تحليل صحيح نوافق عليه، وكثيراً ما رفضنا هذه الحجة ومثل هذه التبريرات.

 

ولكن الأمر في حالنا اليوم كان (افتراضاً على الأقل) لا يتعلق بالمفاضلة بين الدكتاتورية والديمقراطية، بل بين مرشحين يتنافسون في معترك ديمقراطي، أو معترك يمهد لتحول ديمقراطي. وفي هذا المقام فإن ما أشرنا إليه يهدف، بالعكس، إلى دعم الديمقراطية، وذلك بتفنيد الحجة التي تتخذ من ضعف قوى المعارضة حجة لإسناد الدكتاتورية. وما كنا نرمي إليه هو أننا مضطرون للدعوة للتصويت لمرشح له عيوب لا تخفى، ولكنه يمثل أكثر من غيره الأمل في الانتقال الديمقراطي لعوامل موضوعية.

 

مهما يكن فإن التوصية المفترضة بالتصويت لمرشح وفاقي يكون جسراً بين القوى السياسية المتصارعة، أصبحت اليوم "مسألة أكاديمية" كما يقال، لأن غالبية مرشحي الرئاسة قد انسحبوا من المعترك، وتولوا يوم الزحف، وبذلك حرمونا والشعب السوداني من الفرصة لدعم التغيير. وفي اعتقادي أن قرارات الانسحاب كانت غير موفقة، وقد جسدت الكثير من الغباء السياسي، وصدقت أسوأ الظنون في قيادات المعارضة وحنكتها السياسية، ومثلت دعاية غير مباشرة (وقد يراها البعض مباشرة) للمؤتمر الوطني بإظهارها المعارضة في أسوأ صورة ممكنة.

 

ولنبدأ من شكل المقاطعة نفسه، وهو الشكل الذي ابتدرته الحركة الشعبية (دون مشاورة كافية مع شركائها في تحالف جوبا) بسحب مرشحها الرئاسي مع الاستمرار في خوض الانتخابات الولائية والتشريعية في كافة المناطق ما عدا دارفور. فمثل هذا القرار يمثل للمؤتمر الوطني "القرار الحلم"، لأنه يحقق له إبعاد ياسر عرمان، المرشح الوحيد الذي كان قادراً على حرمان الرئيس عمر البشير من الحصول على النسبة المطلوبة لحسم الانتخابات الرئاسية من الجولة الأولى بتجاوز نسبة 50 بالمائة من الأصوات. ولأن وجود مرشح للحركة الشعبية يعني عملياً أن أكثر من ربع الأصوات (وهي أصوات الجنوب) ستكون خارج الحساب، فهذا يعني أن البشير كان يحتاج إلى أكثر من 66% من أصوات الشمال حتى يجتاز الجولة الأولى، وهي مسألة تكاد تكون مستحيلة في ظل وجود أحد عشر مرشحاً آخرين. ولكن سحب مرشح الحركة، وما تبعه من سحب لغالبية المرشحين الآخرين، يعطي البشير الفرصة لاجتياز تلك العقبة بسهولة كبيرة.

 

وبالنسبة للمعارضة فإن المقابل هو إفراغ الانتخابات من شرعيتها بسبب المقاطعة. ولكن –وهنا يتجلى الغباء السياسي- المقاطعة التي قررتها الحركة وغالبية الأحزاب الأخرى ليست كاملة، بل هي جزئية. بل إن المقاطعة شملت منصباً واحداً بين آلاف المناصب الأخرى، بما في ذلك مناصب حكام الولايات. وهذه المشاركة تلغي عملياً الأثر النفسي والسياسي للمقاطعة. فإما أن الانتخابات مزورة وغير حقيقية، فيجب مقاطعتها كلها، وإما أنها مقبولة فيجب خوضها كلها. وفي أنظار المواطنين السودانيين والعالم، فإن هذه المشاركة الجزئية تعزز شرعية العملية الانتخابية. وقد كان الأولى، لو كانت هناك حكمة وكان لا بد من ذلك، مقاطعة الانتخابات التشريعية وخوض الرئاسية بمرشح واحد مجمع عليه ضد البشير، لأن هذا كانت سيتيح تركيز الجهود وتوجيهها نحو المنصب الأهم.

 

نقول هذا ونحن لم نتطرق بعد إلى التخبط والتضارب والتناقض الذي صاحب مواقف القوى المعارضة، وأظهر هذه القوى أمام الناخب السوداني على أنها لا تدري ما تفعل. فلنتخيل لو كان هذا التحالف في الحكم، كيف كان الأمر سيكون لقوى سياسية تصدر قراراً اليوم، وتلغيه غداً، وتعيده بعد غد، ثم تتحدث من جديد عن إلغائه؟ هذا فوق ما يحدث من تضارب بين هذه الأحزاب وفي داخلها. فالحركة الشعبية تصدر قرارات دون مشاورة حلفائها رغم اتفاق مسبق على عدم الانفراد، والمؤتمر الشعبي الذي كان أعلى الأصوات الداعية للمقاطعة يشذ عن إجماع حلفائه ويقرر خوض الانتخابات، وقطاع الشمال في الحركة الشعبية يبدو في حالة حرب مفتوحة مع بقية مؤسسات الحركة. لقد تحول الأمر برمته إلى مسرحية هزلية مضحكة مبكية.

 

يضاف إلى ذلك أن الحركة الشعبية، واسطة العقد في تحالف جوبا، تمارس في منطقة نفوذها قمعاً وتحايلاً على الاستحقاقات الانتخابية، كما نرى من استخدام قوات الأمن لمعاكسة وقمع واعتقال وتعذيب منافسيها في الانتخابات هناك. ولو أن حكومة البشير مارست في حق ياسر عرمان والصادق المهدي والترابي ربع ما يتعرض له لام أكول وأنصاره في الجنوب، لطالبت المعارضة بتدخل عسكري أجنبي عاجل، ولربما وجدت دعوتها التجاوب.

 

وهناك نقطة أهم تتعلق بالتوقيت. ففي بيان الحزب الشيوعي (وهو على الأقل أكثر الأحزاب تماسكاً في موقفه) المبرر للمقاطعة، نجد الحزب ساق كمبررات: الإحصاء السكاني المختلف عليه، استمرار القوانين القمعية، استمرار أزمة دارفور، عيوب التسجيل، وهيمنة المؤتمر الوطني على جهاز الدولة والإعلام. وكثير من هذه المبررات معقولة، ولكنها لم تظهر للحزب ولا غيره الأسبوع الماضي. فالإحصاء السكاني أعلنت نتائجه قبل عام، والتسجيل اكتمل قبل أكثر خمسة أشهر، كما أن القوانين الأمنية وغيرها أجيزت العام الماضي. أما هيمنة المؤتمر الوطني على الدولة فهي معلومة منذ أكثر من عقدين من الزمان. وربما لو أن الأحزاب اتخذت موقفاً قوياً منذ أيام الإحصاء، لكانت الحكومة أجبرت على تقديم تنازلات.

 

ولكن الآن، وبعد أن وصلت العملية الانتخابية إلى هذه المرحلة المتقدمة، وبمشاركة كاملة من الأحزاب ودعم حماسي من المجتمع الدولي، فإن المقاطعة وعدمها لن تؤثر في الأمر تأثيراً يذكر. ويتأكد هذا بتضارب وتذبذب مواقف الأحزاب، إضافة إلى فقدان قيادات الأحزاب السلطة الكاملة على قواعدها. فتركيبة الأحزاب، خاصة الأحزاب الكبرى، بما فيها المؤتمر الوطني، تقوم على تحالفات معقدة، تعتمد على زعماء القبائل وأصحاب النفوذ والجاه المحلي. وفي مثل هذه التحالفات، فإن القيادات المحلية تكون هي الطرف الأقوى. وعليه من المتوقع ألا تنصاع هذه القيادات المحلية لقرارات قيادات المركز بالمقاطعة، وذلك بسبب تضارب المصالح. وهناك فوق ذلك أكثر من ألفي مرشح مستقل لن تؤثر فيهم مقاطعة الأحزاب، بل قد تحفزهم أكثر لمواصلة حملاتهم لأن انسحاب الأحزاب يحسن فرص فوزهم وتحقيق المصالح المرجوة.

 

المصالح هي أيضاً في الغالب ما دفع المؤتمر الشعبي لخوض الانتخابات. فبالنسبة لأحزاب المعارضة التي تشكو من ضعف الموارد، يمثل النجاح في كسب مقاعد في البرلمانات الولائية والمركزية إنجازاً كبيراً على صعيد تأمين تمويل غير مباشر من الدولة لكوادره المتفرغين، وهو أمر غاية في الأهمية لأي حزب سياسي يريد الاستمرار والتأثير. ولكن المبرر الأهم لخوض الانتخابات هو تعزيز العملية الديمقراطية عبر كسر أحادية هيمنة المؤتمر الوطني (وفي الجنوب الحركة الشعبية) على مقاليد السلطة، وضمان التعددية في البرلمانات الولائية والبرلمان المركزي. وهذه خطوة مهمة باتجاه التحول الديمقراطي. ولم يكن متوقعاً أن تؤدي هذه الانتخابات إلى تحول ديمقراطي حقيقي، لأن الاتفاقيات التي عقدت لهذا الغرض كانت كلها ناقصة ومعيبة، لأنها لم تتناول قضية تحول السلطة وعواقب ذلك.

 

البديل للانتخابات كوسيلة للتغيير الديمقراطي هو إما المقاومة المسلحة أو الثورة الشعبية. وقد جربت المعارضة المقاومة المسلحة وانتهت بإجماعها إلى أنها فشلت في تحقيق هدف تغيير النظام، مما جعلها تتوصل إلى اتفاقات مع الحكومة كانت نيتجتها العملية الانتخابية الحالية كحل وسط. أما الثورة الشعبية فقد عجزت المعارضة حتى الآن عن إشعالها، ولو أشعلتها فإنها ستتحول بدورها إلى حرب أهلية، لأن النظام الحالي، مهما تكن انتقاداتنا لممارساته، ليس معزولاً تماماً كما كان نظاما عبود والنميري عشية سقوطهما. فللنظام أنصار كثر، وميليشيات مسلحة لن تستسلم بمجرد خروج مظاهرات للشارع.

 

وعليه فإننا نعتقد أن المقاطعة الجزئية والمضطربة للانتخابات قد ضيعت الفرصة الوحيدة المتاحة حالياً لتحقيق التقدم (مهما كان محدوداً) نحو التحول الديمقراطي. وهي تعتبر أكبر خذلان الشعب الذي علق آماله في التغيير على نضال المعارضة، وهو نضال بخسته قيادات المعارضة نفسها حقه حين ظنت (خطأ في اعتقادي) أنها لن تحقق نتائج جيدة في الانتخابات. أما رهن المشاركة بإنجازات حكومية تعجيزية فهو أيضاً من قبيل التمجيد غير المبرر للحكومة. فلو كانت الحكومة قادرة على الاستجابة لمطالب المعارضة بتقديم حل سحري لأزمة دارفور خلال أسبوع، وتغيير طبيعتها القمعية بين عشية وضحاها، لما كانت هناك حاجة لانتخابات أساساً، ولوجب علينا مبايعة البشير رئيساً مدى الحياة!

 

Abdelwahab El-Affendi [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]