(1)

في تأمل ما سمي مجازاً بمسار التحول الديمقراطي في السودان، تم خلال الأعوام الماضية طرح أكثر من وجهة محتملة لهذا المسار. فقد أقرت اتفاقية نيفاشا للسلام مساراً انتخابياً يعقبه استفتاء يحدد مصير علاقة الشمال والجنوب، إما إلى وحدة وإما إلى انفصال. وبين الانتخابات والاستفتاء هناك مرحلة قصيرة تتشكل خلالها الهوية السياسية للبلاد بما سيحسم ما يلي من خيارات.

(2)

هناك سيناريو قد يحقق الوحدة على شروط الحركة الشعبية، عبر فوز تحالف قوى "السودان الجديد"، وبالتالي إحداث تغيير جذري في هوية البلاد. وهذا سيناريو مستبعد، ولكنه إن تأتى سيرجح كفة الوحدة. هناك احتمال أقرب، وهو تحالف الحركة الشعبية مع أحزاب وقوى أخرى من الشمال والجنوب للإطاحة بالمؤتمر الوطني. هذا السيناريو أيضاً يرجح كفة الوحدة، ولكنه سيؤدي إلى إعادة اشتعال الحرب الأهلية من جديد.

(3)

هناك احتمال ثالث، هو أن يستمر تحالف المصلحة بين الحركة الشعبية والمؤتمر الوطني، مع استمرار تقاسم النفوذ جغرافياً، وهو أمر قد يرجح الوحدة أيضاً، ولكنه سيؤدي إلى عدم استقرار بسبب استبعاد المعارضة. أما السيناريو الرابع فهو أن يستمر المؤتمر الوطني في الحكم، إما منفرداً أو في تحالف مع أحزاب شمالية أخرى (والناقمين على الحركة الشعبية في الجنوب)، وهو سيناريو قد يرجح الانفصال.

(5)

هناك سيناريو آخر لم نتحسب له في تكهناتنا السابقة، أخذ يتشكل في الأسابيع القليلة الماضية، وهو سيناريو الانهيار الكامل والانفصال (وربما التفكك)، حتى قبل قيام الانتخابات. ويأخذ هذا السيناريو بداية شكل السيناريو الثاني، أي التحالف بين الحركة الشعبية وأحزاب المعارضة. ولكنه بدلاً من أن يتحول إلى تحالف انتخابي، يتجه لمقاطعة الانتخابات في الشمال.

(6)

من شأن هذا السيناريو أن يؤدي إلى عدة نتائج، أبرزها الانفصال الفعلي للجنوب بدون استفتاء، حيث س "تفوز" الحركة الشعبية بانتخابات الجنوب، بينما "يكتسح" المؤتمر الوطني انتخابات الشمال لعدم وجود منافسين، وستعم الاضطرابات في شطري البلاد بسبب احتجاج المعارضة على النتائج، إضافة إلى عوامل عدم الاستقرار الذي ستبقى بلاحسم، كما هو حال نزاع دارفور. ولا شك أن هذا سيكون أسوأ سيناريو ممكن، لأنه يحمل مساوئ معظم الاحتمالات الأخرى بدون أي من محاسنها.

(7)

النزاع المحتدم حالياً على الساحة السياسية السودانية هو في حقيقته معركة في غير معترك، لأن المسألة لا تتعلق بالانتخابات ونتائجها، وإنما بالتوافق حول الأساسيات بما يجعل العملية الديمقراطية ممكنة أصلاً. فحتى لو استجاب المؤتمر الوطني لكل مطالب المعارضة المتعلقة بالعملية الانتخابية فإن هذا لن يغير شيئاً من واقع أن نتيجة الانتخابات ستكون إما استمراراً لدكتاتورية المؤتمر الوطني بغلالة من الشرعية الانتخابية، أو "إنقلاباً" ينسف كل شيء قائم. وكلا الاحتمالين لا يخدم قضية الاستقرار.

(8)

المطلوب إذن هو الدخول في حوار حقيقي للوصول إلى توافق حول أساسيات الحكم وثوابته، بدلاً من السجال العقيم الدائر حالياً حول تفاصيل عملية انتخابية لن تؤدي إلأ إلى كارثة من هذا النوع أو ذاك. فما دام التوافق حول الأساسيات غائباً، فإن أي انتخابات ستكون مغامرة وقفزة في المجهول. ولا يمكن أن تنشأ ديمقراطية في بلد ما إذا كان فوز أي من الأحزاب القائمة سيؤدي إلى "ثورة" لا تبقي ولا تذر. وما لم تعالج هذه المسألة فإن كل ما تبقى هو حرث في البحر.

Abdelwahab El-Affendi [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]