فيما يترقب السودان والعالم إعلان المحكمة الجنائية الدولية غداً الأربعاء قرارها حول طلب المدعي العام فيها اعتقال رئيس جمهورية السودان الفريق عمر حسن أحمد البشير بتهمة ارتكاب جرائم حرب في دارفور، وهو قرار أصبح في حكم المؤكد أن يشتمل على الموافقة، تتكاثف في سماء المنطقة سحب قاتمة لا تهدد مستقبل السودان وحده، بل استقرار هذه المنطقة لعقود مضت. وهذا بدوره يطرح مسؤوليات ضخمة على كل من يهمه مصير السودان ومستقبله ومستقبل أجياله. ولا بد قبل الخوض في تفاصيل القرار من أن نؤكد نقطة مهمة، وهو أن صدور القرار وقبل ذلك قرار إحالة ملف دارفور إلى المحكمة الجنائية يمثل فشلاً ذريعاً للحكومة على المستوى السياسي والدبلوماسي في مستويات متعددة. وقد بدأ الفشل من السماح باندلاع أزمة دارفور أولاً، وهو أمر كان يمكن تجنبه. ثم برفض جهود الوساطة من قبل المخلصين من أبناء دارفور ومنهم كثيرون من أنصار الحكومة بل وكبار مسؤوليها المحليين مثل حاكم شمال دارفور السابق الفريق ابراهيم سليمان. ثم بإطلاق يد الميليشيات المشاركة في القتال وعدم لجمها بعد أن سار الركبان بتجاوزاتها التي لا يقرها عقل ولادين ولاخلق. ثم بعد ذلك بعد اتخاذ قرارات صائبة على المستوى التفاوضي والدبلوماسي، مثل عرقلة وصول القوات الافريقية والدولية، وأهم من ذلك إهمال بعض الاقتراحات البناءة، مثل الاقتراح الذي قدمته أنا شخصياً لنائب رئيس الجمهورية علي عثمان محمد طه بتضمين اتفاقية أبوجا نصوصاً حول كيفية التعامل مع التجاوزات سودانياً. وكنت قد طرحت ذلك الاقتراح قبل ذلك على بعض ممثلي الحركات فأبدوا تقبلاً له من ناحية المبدأ.
المدهش في كل هذا هو أن أي مسؤول لم يدفع ثمن أي من هذه الأخطاء، وأن من بين القلة الذين فقدوا مناصبهم كان الفريق إبراهيم سليمان، الذي لعله كان الصوت العاقل الوحيد في أروقة الحكم. وإذا كان هذا هو الوضع فلا عجب أن وصلت الأوضاع إلى الأزمة المستحكمة حالياً. فقد جاءت المحكمة كنتيجة حتمية لفشل المعالجات الداخلية. وأضعف الإيمان في هذه الحالة أن تنشأ لجنة مستقلة للتحقيق في العوامل والأسباب التي أدت إلى وصول الأوضاع إلى ما وصلت إليه، وتحميل كل صاحب مسؤوليته، مع العلم بأن المسؤولية النهائية تقع قبل ذلك وبعده على مؤسسة الرئاسة والقيادة العليا للمؤتمر الوطني. ونحن نتطلع إلى الحد الأدنى من الرجولة وتحمل المسؤولية أمام أزمة شوهت صورة السودان في العالم ووضعت البلاد أمام أزمة لا يبدو في الأفق مخرج مشرف منها.
اعتبار الإحالة إلى المحكمة انعكاساً لتقصير سوداني لا يعني بالضرورة القبول بها. فهناك من رحب ويرحب بهذه الخطوة، باعتبارها بحسبانهم تقصر من عمر النظام وتعجل العقوبة لمن يستحقها، وتثأر لضحايا كارثة دارفور. أما نحن فلا نتفق مع هذا الرأي، بل نرى بالعكس أن هذه الخطوة ستزيد من معاناة أهل دارفور خصوصاً وأهل السودان عموماً. ولا يعني هذا إطلاقاً أن التجاوزات في دارفور لم تحدث، وأن مرتكبيها لا يستحقون العقوبة. ولكن هناك أكثر من إشكالية في اتخاذ المحكمة الجنائية سبيلاً لتحقيق هذه الغاية: أخلاقية وقانونية وسياسية وعملية. وهذه مجتمعة تستوجب الابتعاد عن التعلق قصير النظر بالمحكمة وقراراتها كمخرج من المأزق السوداني، وملاذاً من عجز الحكومة والمعارضة معاً عن معالجة الأزمة.
المحكمة الدولية أنشئت في عام 1998 على خلفية الفظائع التي ارتكبت في يوغسلافيا ورواندا، ووقف حيالها المجتمع الدولي حائراً وعاجزاً. وقد تم إنشاء محكمتين خاصتين دوليتين لكل من تلك القضايا، ولكن الرأي اتجه بعد ذلك لإنشاء محكمة دائمة تكون الملجأ الأخير لضحايا الفظائع والجرائم الكبرى ممن لا يجدون الإنصاف في بلدانهم. وبهذا المنطق فإن هذه المحكمة لا بد أن تكون مكملة للعدالة المحلية وقائمة على قدر من التعاون بين البلد المعني وأي سلطات أخرى ذات صلة. وما لم تتعرض السلطة في ذلك البلاد لانهيار كامل أو تتعاون مع المحكمة، فإن الخيارات أمامها تضيق، حيث لا بد أن تستعين بدول أخرى تشن الحرب على الدولة المعنية أو تمارس الحصار والضغط عليها حتى تستستلم. وكما لا يخفى فإن الحصار وشن الحرب يؤديان إلى معاناة كبيرة للمواطنين ممن لا ذنب لهم في هذه المواجهة، وبعضهم عين الضحايا الذين باسمهم كانت المقاضاة.
هناك افتراض أساس تقوم عليه فكرة المحكمة الجنائية الدولية، وهو أن عالم ما بعد الحرب الباردة أصبح ساحة انسجام وتوافق دولي وإجماع على القيم والإجراءات التي تحكم علاقات الدول. والمحكمة بحسب هذا الفهم تعكس هذه الإرادة الدولية المنسجمة مع نفسها والقيم المتوافق عليها. فإذا لم يصدق هذا الافتراض فإن هذه المحكمة إما أن تصبح سبب تنازع وشقاق على المستوى الدولي، أو أن تصبح أداة في يد القوى العظمى تستخدمها لمعاقبة من لا ترضى عنه. وقد تحقق الأمران معاً، حيث أن الولايات المتحدة رفضت المحكمة وعارضتها، واتخذت احتياطات كثيرة ضد أي ثغرة يمكن أن تنفد منها صلاحيتها لأمر يخص مواطنيها. وقد وقعت الحكومة الأمريكية (مستخدمة الضغط والإكراه) معاهدات مع معظم دول العالم تمنع تلك الدول من تسليم أي مواطن أمريكي للمحكمة. وبدورهما رفضت كل من الصين وروسيا المحكمة وامتنعتا عن دعم إجراءاتها. كل هذا جعل المحكمة محل تنازع وشقاق دولي إضافة إلى كونها، بحكم وقوعها تحت سلطة مجلس الأمن (مع كونها مرفوضة من غالبية أعضائه الدائمين) أداة في يد دول المجلس، بحيث لن تحال إليها أبداً قضايا لا ترضى عنها هذه الدول.
وعليه فإن المحكمة بصورتها الحالية تفقد أهم مقوماتها وسلطتها الأخلاقية. فهي ليست محكمة دولية حقيقة، وإنما هي محكمة ذات شرعية منقوصة إذا أجرم الضعيف سيق إليها، أما إذا أجرم القوي فإنه يبقى آمناً من سلطانها. وحتى إذا أحيل إليها من يحال، فإن المحكمة ليس لديها جهاز شرطة أو حتى سجون تحت سلطانها المباشر، وإنما هي تستعين بمن يشاء أن يتصدق عليها من الدول لتقوم نيابة عنها باعتقال المطلوبين. ولعل أبلغ دليل على ذلك هو أن عين القرار الذي أحال قضية دارفور على المحكمة استثنى رعايا وموظفي الدول التي أحالت من القرار، حتى لو ثبت بالدليل القاطع ضلوعهم في الجرم. وبهذا المنطق فإن أقصر طريق لمن يتهم من دارفور أن يحصل على الجنسية الأمريكية أو يجد نفسه وظيفة في إحدى مؤسسات إحدى دول المجلس.
وهذا يحيل إلى سؤال أساسي آخر: ما الذي يحدث حين يحال إليها مواطن أو مسؤول في دولة ذات سيادة بغير رضا تلك الدولة؟ لقد سربت منذ مدة تقارير عن دراسات ومناقشات داخلية في أوساط الإدارة الأمريكية عن خطوات يمكن أن تتخذ، بما في ذلك العمل العسكري، لو أن جندياً أو مواطناً أمريكياً اعتقل وسلم إلى محكمة دولية. ولكن الأرجح أن الولايات المتحدة لن تحتاج إلى ذلك، لأن أي من الدول لن تجرؤ على تحديها بهذه الطريقة. ونفس الشيء يمكن أن يقال عن روسيا والصين. ولكن حتى الدول الضعيفة التي ترفض المحكمة فإن الطريقة الوحيدة لاعتقال مطلوبيها تكون بشن الحرب عليها، أو اختطاف المطلوبين (وهي طريقة أخرى لشن الحرب)، أو محاصرتها والضغط عليها حتى تسلم المطلوبين.
ومن المستبعد في حالة السودان أن تشن حرب لاعتقال الرئيس، لأن الكل يعلم عواقب ذلك. ولكن من الممكن أن تتعرض البلاد لأنواع مختلفة من المقاطعة والحصار، مع كل ما سيلحقه ذلك من ضرر ومعاناة لملايين الأبرياء. وهذا وجه اعتراض أخلاقي آخر على حكم يعاقب الأبرياء ولا ينال من يزعم أنهم المذنبون بشيء. ويذكرنا هذا بما أصاب العراق من حصار وعقوبات والكثير من القصف بدعوى معاقبة نظام صدام حسين، وهو نظام كان ظالماً عدوانياً يستحق كل عقاب. ولكن الذي عوقب لم يكن النظام، بل ضحاياه من الأبرياء ممن جمع عليه القوم ظلم النظام ووطأة الحصار. وفي هذه الحالة فإن المجرمين الحقيقيين كانوا أولئك الذين لم يبالوا بما ينال الأبرياء من حيف وظلم، شأنهم في ذلك شأن الإرهابي الذي لا يبالي بما يصيب رهائنه في سبيل تحقيق مآربه.
من جهة أخرى فإن إصدار القرار سيدخل تعقيدات كبرى على أزمة دارفور، بداية بالحرج الذي ستجد فيه قوات الأمم المتحدة ومنظماتها العاملة في السودان نفسها فيه، وكذلك الجسم الدبلوماسي الأجنبي في الخرطوم. ذلك أن تعليمات ستصدر لقيادات الأمم المتحدة ورؤساء البعثات الدبلوماسية بعدم لقاء الرئيس أو التعامل معه. وهذا سيعقد مهمة هذه الجهات، وقد يؤدي إلى توتر يعوق مهامها أو يؤدي إلى إنهائها. وبنفس المنطق فإن الحكومات الغربية لن يمكنها بعد ذلك الضغط على حركات التمرد في دارفور لإقناعها بالتفاوض مع حكومة متهمة بالإبادة الجماعية. وهذا سيعني انهيار الجهود الدولية لإحلال السلام في دارفور، وما يتبع ذلك من تصاعد وتيرة القتال وتعرض حياة الملايين لمخاطر القتل أو التشرد. وقد ينتهي الأمر بصوملة دارفور، بل والسودان كله، والانهيار الكامل للأوضاع في البلاد.
وفيما يتعلق باتفاقية السلام الشامل وما يترتب عليها من انتخابات حدد لها هذا العام، واستفتاء حول تقرير مصير الجنوب في عام 2011، فإن هذا القرار وما سيتولد عنه من اضطراب في الأوضاع قد ينسف هذا الاتفاق ويهدد الانتقال السلمي للسلطة ويرجح أن يتحول انفصال الجنوب الذي أصبح واقعاً إلى انفصال نهائي قانوني. وقد تترتب على هذا الأمر مصائب أخرى، مثل اندلاع الحرب في منطقة أبيي المتنازع عليها، وفي مناطق النفط في الجنوب، إضافة إلى اشتعال حروب أهلية في الشمال والجنوب معاً. وقد يترتب على ذلك أيضاً فرض النزوح القسري على ملايين الجنوبيين الذين استقروا في الشمال.
ولا شك أن أي قرار يؤدي إلى هذه النتائج أو بعضها قرار غير صائب مهما كانت مبرراته، وهو يشبه إلقاء قنبلة على رأس المريض بزعم إزالة قمل الرأس. والأولى في هذه الحالة ترك المريض على حاله، لأن مثل هذا العلاج مما يفضل المرض عليه. ما يحتاجه السودان وأهل دارفور في هذه المرحلة هو التحرك الإيجابي لإحلال السلام في دارفور ثم الانتقال الديمقراطي الذي نصت عليه اتفاقية السلام الشامل حتى تنتهي حالة الاستثناء ويحل الاستقرار. وليترك أمر معاقبة ومساءلة مرتكبي الفظائع ومعالجة ذيول كارثة دارفور للحكومة المنتخبة التي ستأتي إلى الحكم لو تركت الأمور تسير سيرها الطبيعي.
ولا يعني هذا أن يقف الناس مكتوفي الأيدي، أو أن ينهمكوا في الهتافات وأفعال التشنج. فهناك مهام متعددة أمام الجميع بدءاً من الحكومة والمؤتمر الوطني، حيث عليهما الانهماك في عملية مراجعة متعمقة تضع كل شخص أمام مسؤوليته وتطهر الصفوف ممن تسبب تقصيرهم أو أفعالهم في الأزمة، وما تزال مواقفهم تعوق الحل. أما البقية فلا يجب كذلك أن يقفوا مكتوفي الأيدي ويسمحوا لمصير البلاد أن يتقرر في غيابهم سواءً أكان من الخارج أو من قلة معزولة في الداخل. ونحيل هنا إلى الحديث المعروف عن أصحاب السفينة وواجبهم ألا يسمحوا لمن أراد أن يخرق السفينة ويغرق أهلها بدعوى أنه إنما يتصرف في نصيبه منها. وإلا فلا يلوموا أنفسهم إذا غرقوا مع الغارقين.