(1)

بحسب علمي فإن لديوان الزكاة السوداني الذي يصف نفسه في موقعه الالكتروني بأنه "هيئة حكومية مستقلة" ( دون توضيح لكيفية أن تكون هناك جهة حكومية ومستقلة في نفس الوقت)، لهذا الديوان جهاز للعلاقات العامة والتعامل مع الإعلام ضمن إدارة البحوث والتوعية فيه. وإذا صحت هذه "التهمة" فإن هذا الجهاز لا بد أن يستحق لقب ثاني أنجح جهاز إعلام بعد وزارة الإعلام في كوريا الشمالية.

 

(2)

دليل هذا النجاح هو أن كل ما يصدر عن الديوان من أخبار وتقارير يخدم تشويه صورته والمسؤولين عنه، ويقدح في استقلاليته المزعومة ويخالف مخالفة صريحة التعاليم التي وردت في الآيات المحكمة عن كيفية التعامل مع الصدقات وأدائها.

 

(3)

 

الديوان يخالف في كل نشراته أمر الله الواضح بالبعد عن المن والأذى وإذلال متلقي الزكاة عبر التشهير، وهي كلها مما يبطل الصدقات ويوقع مرتكبها تحت طائلة عقوبات إلهية مخيفة. ولكن الديوان الهمام والقائمين عليه (ونحن نضرب صفحاً هنا عن الاتهامات للديوان بتبديد أموال الزكاة في الصرف على قتوات فضائية خاصة وغير ذلك من الكبائر) يصرون على امتهان المن والأذي، وإجبار مستلمي الزكاة من الفقراء والمساكين على الظهور أمام كاميرات التلفزة وهم يتلقون العطايا، وهو لعمري عند الله عظيم.

 

(4)

وإذا لم يكن هذا كافياً، فإن الديوان "المستقل"، والذي ترأس مجلس إدارته الأستاذة سامية أحمد وزيرة الشؤون الاجتماعية، يصر كذلك على أن يعمل كجهاز علاقات للحكومة والمؤتمر الوطني، فيرتب حضور مسؤول حكومي أو أكثر لاحتفالات توزيع أو إرسال قوافل العطايا، فيما يشكل دعاية انتخابية رخيصة وبغيضة في نفس الوقت. وإذا تفهمنا (دون أن نعذر) ظهور الوزيرة في مثل هذه المهرجانات الخطابية، فما هو المبرر لظهور د. نافع علي نافع، نائب رئيس المؤتمر الوطني والمسؤول الأول عن حملة الحزب الحاكم الانتخابية في تلك المهرجانات إن لم يكن المن والأذى بعطايا لم تخرج من جيبه، ولا من جيب الوزيرة أو رئيس الديوان عبدالقادر الفادني، هدانا الله وإياهم؟

 

(5)

في منتصف الشهر الماضي، وفي واحد من مهرجانات المن والأذى إياها، خرج الفادني ورئيسته لتحية قافلة قيل أنها متجهة لولاية نهر النيل لإغاثة المتضررين من إقامة سد مروي. وعدد القوم ما حملت القافلة من جوالات قمح وسكر وغيرها، لعلها تكفي المحتاجين هناك يوماً أو يومين.

 

(6)

المسألة هي أن القوم الذين أرسلت إليهم "الإغاثة" لم يكونوا في الأصل من المحتاجين، بل كانوا بفضل الله ورحمته يملكون الحقول والبساتين، ويخرجون زكاة أموالهم. ولكن الحكومة التي يتبع لها الديوان "المستقل جداً" انتزعت أراضيهم وأغرقت حقولهم وبساتينهم، وتركتهم يقيمون في العراء، ومازالت تماطل في تعويضهم عما فقدوا رغم أنها تفتخر كل صباح بأن السد الذي قام على خرائب أموالهم ينتج من الطاقة الكهربائية ما يكفي نصف حاجة البلاد. ولو أن الحكومة أعطت القوم ما يستحقون لكان من الممكن تحويل هذه الزكاة إلى مستحقين آخرينً.

 

(7)

لم تكتف الحكومة بانتزاع حقوق الناس هناك بقوة السلاح، بل ضربت عليهم طوقاً من الحصار، مانعة منظمات الإغاثة من الوصول إليهم، كما حرمت على كل وسائل الإعلام المحلية والعالمية غشيان المنطقة حتى لا ينقلوا معاناة الخلق هناك. وكنا قد زرنا المنطقة العام الماضي ورأينا الأهوال من معاناة أهلها، ممن بلغ من فقر بعضهم أنه حين وصلتهم معونات قليلة من الذرة لم يكن لدى بعضهم من المال ما يطحنها به فأطعموا أطفالهم حب الذرة مغلياً (بليلة). وقد قمت شخصياً بإبلاغ ما شاهدته لبعض كبار المسؤولين، مناشداً إياهم (وليس للمرة الأولى) التحرك لرفع الظلم عن المحرومين.

 

(8)

مر الآن أكثر من عام على تلك الزيارة والإبلاغ، ومازال الحال يتدهور، وما زالت المماطلة هي ديدن من يمثلون الدولة، وأصبح بعضهم يتصرف كما لو كان في حالة حرب مع المواطنين، وليس راعياً مسؤولاً عن رعيته ممن أحصروا بفعله شأن القطة التي دخلت صاحبتها النار جزاءً وفاقاً لأنها حرمتها الطعام وحرية البحث عنه معاً، نعوذ بالله من عذابه وبئس المصير.

 

(9)

يكاد المرء يموت حسداً وهو يرى هذه القدرة على اجتراح المعجزات. فكيف يتهيأ للبعض أن يجعلوا جمع الزكاة كعمل حاطب ليل، وتوزيعها باباً لإثم مبين؟ وكيف يمكن أن تتحول الإنجازات التنموية ذات الشأن إلى عذاب للمواطنين ونهباً مسلحاً لحقوقهم، ويعقب ذلك التكرم عليهم (والأصح أن يقال المن عليهم) بما هو أقل من حقهم المسلوب؟ وكيف يتم تبذير أموال السد المزعوم (وهي مقترضة بربا محرم ستنوء بعبئه أجيال قادمة) على دعاية للأشخاص نفعها في الدنيا قليل (فهي دعاية فاشلة مضحكة في غبائها)، وخزيها وندامتها في الآخرة كبيران؟

Abdelwahab El-Affendi [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]