كما هي العادة في كل انتخابات عامة، وبخاصة الانتخابات السودانية، فإن الخيارات المتاحة للناخب ليست هي بين الفاضل والأفضل، ولكنها بالأحرى بين أهون الشرين. فكل الأحزاب والشخصيات التي تعرض نفسها للناخب فيها من العيوب ما يجعل رفضها قراراً لا يحتاج إلى لحظة تفكير، حتى ينظر المرء إلى البدائل. وعليه فإن التحدي أمامنا هو استبعاد أسوأ الخيارات حتى لا تحيق بالبلاد كوارث جديدة هي آخر ما تحتاجه.

 

وهنا نجد أن هذه الانتخابات لا تواجهنا فقط بقيادات حزبية نود لو أن بيننا وبينها بعد المشرقين، وإنما كذلك بخيارات كلها كارثية. فالتصويت للحزب الحاكم يعني ترجيح (حتى لانقول تأكيد) احتمال انفصال الجنوب، إضافة إلى استمرار الممارسات التي قادتنا من كارثة إلى كارثة، وتحميل البلاد والعباد أوزار قوم لم ينتخبوهم من قبل، ولكنهم إذا انتخبوهم يكونون من المشاركين لهم في أوزارهم السابقة واللاحقة. أما إذا تم إسقاط حكومة المؤتمر الوطني كما يريد الكثيرون، فهذا يعني ببساطة دخول البلاد في حرب أهلية جديدة، لأن الإنقاذيين لن يسلموا ليسلموا كما نصحهم من قبل السيد محمد عثمان الميرغني، وإنما سيتمسكون بالسلطة حتى آخر رمق.

 

إذن فالناخب السوداني لا يجد نفسه فقط أمام الخيار بين السيء والأسوأ، وإنما كذلك عواقب التصويت لمن قد يكون أقل سوءاً. وهذا يضع على كاهل الناخب مسؤوليات جسام في التفكر في عواقب الإدلاء بصوته، مما يشكل نوعاً آخر من الظلم في حق المواطن والوطن. فعندما تتخندق أحزاب بعينها في قلب السلطة كما يفعل مختطفو الطائرات، ثم تقول للناس أنا أو الطوفان، فإنها تضع الناخب في موقف لا يحسد عليه. وهذا هو تحديداً ما يفعله المؤتمر الوطني والحركة الشعبية، كل في محيط نفوذه. ورغم أن قانون الانتخابات يحظر مشاركة الأحزاب التي تحتفظ بميليشيات، فإن الحزبين الحاكمين في السودان لا يحتفظان بميليشيات فقط، بل هما في الواقع ميليشيات بواجهة حزبية تكاد تكون شفافة.

 

فقبل أن تكون هناك الحركة الشعبية لتحرير السودان كان هناك الجيش الشعبي. ولا يمكن لأي شخص أن يكون قيادياً في الحركة الشعبية ما لم يكن قد أبلى من قبل بلاء حسناً في الميدان واكتسب رتبة عسكرية عالية. نفس الشيء يمكن أن يقال عن المؤتمر الوطني، حيث هو في حقيقة الأمر واجهة للجناح العسكري للحركة الإسلامية (سابقاً) والأجهزة الأمنية التي تهيمن من وراء ستار على الأمر. ولا يقف الأمر عند هذا الحد، بل إن الحركتان لم تتورعا عن استخدام ميليشياتهما في المنافسة الانتخابية، كما حدث في الجنوب من منع للمرشحين من الوصول إلى مناطق نفوذ الحركة، وكما يحدث في مواقع كثيرة في الشمال مما هو معلوم للجميع.

 

ولكن الأمر لا يقف عند شركاء الحكم المتشاكسين الذين كان يأمل البعض أن يكون اختلافهما رحمة، فاتضح أن للاختلاف حدود حينما يصل الأمر إلى المصالح المشتركة، وإنما لأحزاب المعارضة الكثيرة مشاكلها أيضاً. هناك أولاً مشكلة الحجم وما يتبعه من تأثير للصوت. فهناك خطر حقيقي بأن "يضيع" صوت الناخب إذا صوت لأحد الأحزاب الصغيرة. ويجب هنا أن نفرق بين أحزاب وأحزاب. فلا يمكن مقارنة حزب عريق له وزنه السياسي ودوره التاريخي، مثل الحزب الشيوعي السوداني، بطوفان الأحزاب الجديدة التي ملأت الساحة، في انشقاقات ذات طابع شخصي من أحزاب أخرى، أو ك "دكاكين" للتجارة السياسية.

ولكن هذا لن يمنع أن الحزب الشيوعي، رغم أنه أحد أكثر الأحزاب نفوذاً على الساحة السياسية، لن يحصل على مقاعد كثيرة في الانتخابات، إلا إذا عقد تحالفات مع أحزاب أخرى. وهذا يطرح سؤال: هل يصوت المرء لحزب معين لمجرد تسجيل موقف، أم من أجل تحقيق نتائج معينة؟ بمعنى آخر، هل التصويت موقف أخلاقي و"شهادة" يدلي بها الناخب، أم هو عمل استراتيجي يرمي عبره إلى تحقيق نتائج معينة؟ فإن كانت الأولى فإن واجب الناخب هو التصويت للحزب الذي يراه الأصلح، حتى لو كان عاقبة ذلك أن صوته سيضيع هباء، وأن الحزب الأسوأ سيصل إلى السلطة كنتيجة لذلك. أما إن كانت الثانية فلا بد إذن من استخدام حق التصويت بحكمة وذكاء.

 

أما إذا جئنا إلى الأحزاب الكبيرة فإننا نواجه مشكلة أخرى، تتعلق أولاً بمدى قدرة هذه الأحزاب على كسب دعم المواطنين، حتى في قواعدها التقليدية. فهذه الأحزاب تواجه انقسامات متزايدة، وما يشبه اليأس من قبل أنصارها، خاصة أمام عجز القيادات عن تجاوز خلافاتها وترتيب البيت الحزبي. وكثيرون أخذوا يتساءلون: إذا كانت هذه الأحزاب عاجزة حتى تنظيم نفسها وتجاوز خلافاتها (وفي حال الحزب الاتحادي الديمقراطي، حتى عقد مؤتمر واحد) فكيف يرجى منها أن تتصدى لمشاكل البلاد المعقدة وإيجاد الحلول لها؟

 

ولا يقل الحال سوءاً على الساحة الجنوبية، حيث تتشرذم المعارضة، وتعاني من انقسامات ذات طابع قبلي أو جهوي، أو (في كثير من الأحيان)، شخصي. وكما هو الحال في الشمال، فإن هذه العوامل تتداخل. ففي كثير من الأحيان قد يتطور خلاف سياسي داخل حزب معين إلى صراع شخصي بين القياديين. وتكون المرحلة التالية أن صراع القيادات سرعان ما يتحول إلى صراع قبلي حين يستنجد كل طرف بالقبيلة. وقد حدث هذا في حالة الجيش الشعبي لتحرير السودان، حين تفجر الصراع بين يدي انشقاق الناصر الشهير حول أسلوب القيادة، مما أدى إلى محاولة انقلاب للإطاحة بالعقيد قرنق الذي اتهم وقتها بالممارسات الدكتاتورية والإخفاقات الميدانية. ولكن بعد فشل الانقلاب وانشقاق الحركة، تخندق كل طرف وراء سنده القبلي. ونرى نفس الشيء يتكرر في دارفور اليوم.

 

في الشمال والجنوب معاً، هناك استقطاب حاد من علاماته التنابز بالألقاب، واللعن والتخوين، وعدم قبول الآخر. فحينما يطالع الأمر بعض ما تجود به المنابر الاسفيرية التي جعلها الله سواءً للناس العاكف والباد، لا يجد المرء اختلافاً كبيراً بين لغة متطرفي أنصار النظام وكثير من خصومهم. فالكل يرى في الآخر "محور شر" ولا يقبل منه صرفاً ولا عدلاً، والكل يتوعد الآخر بالويل والثبور وعظائم الأمور. ولعل الانطباع الذي يأخذه المتصفح لبعض مساهمات من يسميهم الصديق مصطفى البطل "مناضلي الكيبورد" هو أن القوم لو أتيح لهم قدر من السلطة مهما قل فإنهم سيجعلون نافع وصلاح قوش يخجلون من أنفسهم لما قصروا فيه من قمع وبطش بالخصوم.

 

ولا جدال في أن مثل هذه العقلية الإقصائية "التكفيرية" (وإن كان التكفير هنا علمانياً) لا تمهد لأي تحول ديمقراطي حقيقي. فالديمقراطية لا تحل بدار قوم إلا إذا كفوا ليس فقط عن تقتيل وسجن وتشريد بعضهم البعض، بل أيضاً عن التهديد والوعيد بذلك. فإذا كانت هناك معارضة تبشر بأن وصولها إلى الحكم يعني فتح السجون ونصب المشانق لمن هم في السلطة في اليوم، فإن الأمل في أن يسلم هؤلاء الحكام السلطة للمعارضة لن يكون كبيراً، اللهم إلا إذا كان هؤلاء الحكام من "الاستشهاديين". ونحن نشك كثيراً في أن حكام البلاد الحاليين من أنصار مدرسة الاحتكام إلى القدر أو الناخبين حين يتعلق الأمر بمكتسباتهم الشخصية والسلطوية، ناهيك عن أرواحهم وسلامتهم الشخصية.

 

وإذا كانت هذه التعقيدات التي تحير أفضل العقول لا تكفي، فهناك إشكالية دارفور المستمرة، ليس فقط لصعوبة عقد الانتخابات هناك في ظل عدم الاستقرار الأمني ومقاطعة حركات التمرد والقوى السياسية الأهم، بل أيضاً لأن المشكلة تلقي بظلالها على البلاد بكاملها وتهدد مستقبلها. فغياب دارفور الحاضرة في كل مكان عن الانتخابات سيخلق مشاكل كبيرة في مجالات أخرى، ليس أقلها نقصان شرعية الحكم والأثر السالب على مستقبل الوحدة. أما حضورها الجزئي عبر انتخابات غير مكتملة فإنه سيعوق جهود البحث عن حل مقبول للأزمة، لأنه قد يستخدم من قبل أطراف بعينها للحديث عن شرعية دارفورية جديدة.

 

هناك إذن معضلات كثيرة تواجه الناخب السوداني بين يدي الانتخابات المقبلة، ليس أقلها التفكير في أي المرشحين أقل سوءاً، وقبل ذلك وبعده عواقب التصويت لهذا الطرف أو ذاك، حتى لو اتضح أن المرشح المعين أو حزبه هما الأصلح. فقد يؤدي التصويت للأصلح إلى انتخاب الأسوأ، أو قد تؤدي نتيجة معينة إلى كارثة عظمى. بل إن كل الخيارات قد تؤدي إلى كوارث، بما في ذلك الامتناع عن التصويت.

 

ولكن من جهة أخرى فإن الانتخابات القادمة هي أهم انتخابات تشهدها البلاد، لأنها أول انتخابات سيتحدد مصير البلاد بموجبها مباشرة. فقد كانت هناك انتخابات مصيرية من قبل، خاصة انتخابات عام 1953 التي كان الخيار المطروح أمامها هو إما الوحدة مع مصر أو الاستقلال. ولكن تلك الانتخابات لم تحدد مصير البلاد مباشرة، وإنما عبر آليات آخرى. فرغم أن أنصار الوحدة مع مصر فازوا وشكلوا الحكومة، إلا أن القرار اتخذ عبر البرلمان بعد ذلك بعامين، وأيد الاستقلال وليس الوحدة. أما هذه المرة، فإن الانتخابات سيكون لها أثر حاسم مباشر على مستقبل البلاد بمجرد الإعلان عن نتائجها. فهي ستحدد هوية وأحجام القوى السياسية التي سيكون لها النفوذ الأكبر في رسم مستقبل البلاد، وستكشف عما إذا كان الجنوب سيتوجه بجدية نحو الانفصال أم سيبقي باب خيار الوحدة مفتوحاً. وقبل ذلك وبعده، فإنها ستحدد ما إذا كانت البلاد ستخطو خطوات خجلى باتجاه الاستقرار والتحول الديمقراطي، أم ستنتكس نحو حرب أهلية تكون عاقبتها الصوملة.

 

لهذا فلا مفر من أن يتحمل الناخبون مسؤوليتهم. وقد توصلت بعد طويل تأمل إلى توصية أود أن أتقدم بها للناخبين حول من أراه الأقل سوءاً من بين المتنافسين على معقد الرئاسة. ولكني لن أعلن عن هذه التوصية اليوم، وإنما آمل أن أقوم بذلك في الوقت المناسب.

Abdelwahab El-Affendi [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]