(1)

هنالك مقولة مشهورة لأحد رواد الطب الحديث ملخصها أن أول واجبات المستشفيات هو ألا تسبب المرض لمن يدخلها. ويمكن نقل هذه المقولة إلى مجال الأمن، حيث أن أوجب واجبات الأجهزة المنوط بها حفظ الأمن ألا تصبح أحد عوامل زعزعة الأمن في الدولة.

(2)

لا أحتاج هنا إلى تكرار ما وجهته سابقاً من انتقادات لممارسات الأجهزة الأمنية في السودان منذ بداية عهد الإنقاذ، وهي ممارسات أصبحت أكبر عبء على الدولة، بحيث أن ما جل ما وجه للنظام من نقد لا يكاد يتجاوز ممارسات وتجاوزات الأجهزة الأمنية. وقد قلت حينها أن الدولة بأكملها تحولت في نهاية الأمر إلى جهاز علاقات عامة لجهاز الأمن، تنفق قسطاً كبيراً من جهد وسمعة مسؤوليها ورصيدها الأخلاقي لتبرير سقطاته.

 (3)

وما يزيد الطين بلة هو أن معظم التجاوزات لم تكن مبررة حتى من منطق أمني. فمعظم من اعتقلوا وأسيئت معاملتهم تم إطلاق سراحهم بعد وقت لم يطل، واتضح فيما بعد أن اعتقالهم لم يكن مبرراً في الأصل، ولم يعزز أمن النظام، بل بالعكس منح خصومه ذخيرة وافرة لقصفه، وحلو المعتقلين إلى أبطال. وعليه فقد تحولت الأجهزة الأمنية بدورها إلى أفضل جهاز علاقات عامة للمعارضة.

(4)

العقلاء من قادة أجهزة الأمنية (وهناك عقلاء في هذه الأجهزة رغم الدلائل المتواترة على العكس)، كانوا أول من اعترف بأن تنامي دور الاجهزة الأمنية هو في نهاية الأمر انعكاس لفشل أجهزة الدولة الأخرى في القيام بواجبها. فتكليف أجهزة الأمن ملاحقة المعارضين هو صدى لفشل الحزب الحاكم في توسيع شعبيته، وتكليفها ملاحقة أصحاب التجاوزات المالية والاقتصادية هو نتيحة لفشل السياسات الاقتصادية وعجز الأجهزة القانونية.

(5)

لا يخفى أن أكبر أزمة تواجه البلاد اليوم، ألا وهي قضية المحكمة الجنائية، هي بدورها انعكاس لفشل مزدوج للأجهزة والمؤسسات الأمنية التي فشلت في التصدي للتمرد المسلح في دارفور عسكرياً، فسعت إلى تغطية الفشل بما هو شر منه، وبالتالي حملت الدولة عقابيل الفشل المزدوج من سمعتها واستقرارها ومواردها.

(6)

الدافع إلى استذكار هذه الحقائق هو مأساة مقتل الطالب محمد عبد الله موسى بحر الدين بعد اختطافه من قبل مجهولين من مكان دراسته في كلية التربية بجامعة الخرطوم الأسبوع الماضي. ويقول زملاء الفقيد أن جهات يعتقد أنها تتبع للأجهزة الأمنية قد اقتادته من داخل الكلية الواقعة في شمال أم درمان إلى جهة مجهولة قبل أن تكتشف جثته في اليوم التالي ملقاة في مدرسة وعليها أثار تعذيب. وتنفي السلطات أي صلة لها بما حدث للطالب المعروف بانتمائه لحركة تحرير السودان جناح عبدالواحد محمد نور، وتتهم المعارضة بمحاولة استغلال الحادث لأغراض سياسية.

 (7)

ولعل رواية الجهات الأمنية تكون أقرب إلى التصديق لولا أنها تصرفت كما لو كانت مسؤولة عن الحادث، وذلك حين تدخلت لمنع أسرة الفقيد من الحصول على تقرير المشرحة عن حادث القتل، وأرسلت قوات أمنية كبيرة لتطويق موكب جنازة الفقيد وفرض دفنه في مكان حددته خلافاً لرغبة أسرته. وكما هو الحال في دارفور، فإن مثل هذا التصرف على طريقة يكاد المريب أن يقول خذوني يكون أدعى للمساءلة والانتقاد لو كانت هذه الأجهزة بريئة من التهم الموجهة إليها.

(8)

إن أوجب واجبات أجهزة الدولة من أمنية وقانونية حين تقع جريمة بشعة مثل جريمة خطف وقتل مواطن في قلب العاصمة السودانية هو أن تعلن عن حالة استنفار لملاحقة الجناة، وأن يكون انحيازها كاملاً للضحايا وأسرهم، لا أن تضع نفسها في مواجهة مع الأسرة كما يحدث الآن.

(9)

لا يختلف الأمر لو كان الجناة من منسوبي الأجهزة الأمنية، بل بالعكس يكون الأمر أعظم، لأن الجريمة في هذه الحالة لا تكون فقط جريمة في حق الفقيد وأسرته، بل في حق الدولة والأجهزة المعنية. فليس من مهام الأجهزة الأمنية خطف وقتل المواطنين الأبرياء، وإنما مهمتها حفظ أمن جميع المواطنين، حتى المتهمين منهم بأفظع الجرائم، حتى يسلموا للقضاء ليقول فيهم قوله.

(10)

وبالقطع ليس من مهام أجهزة الأمن زعزعة أمن النظام ونشر البلبلة في أوساط الناس. ولا يمكن أن يكون هناك توقيت أسوأ لارتكاب تجاوزات من هذا النوع –إن صح أن هناك دوراً لمنسوبي الأجهزة- حيث البلاد مقبلة على انتخابات تركز أنظار العالم على البلاد، ويريد المؤتمر الوطني الحاكم أن يدافع فيها عن سجله ويطمئن المواطنين على أن عودته إلى الحكم لا تعني العودة إلى ممارسات الماضي القبيحة.

(11)

كنا نتشكك دوماً بأن الأجهزة الأمنية السودانية مخترقة على أعلى المستويات من قبل جهات معادية للنظام، وإلا فكيف يمكن تفسير توقيت مثل هذه الأعمال التي تخلق البلبلة وتضر بمصلحة الحزب الحاكم في أحرج الأوقات، وهي أمور تكررت كثيراً كما فصلنا في غير هذا المكان. هذا إذا ضربنا صفحاً عن سجل طويل من الممارسات التي لا توفر للنظام أمناً، بل تزعزع استقراره كما حدث في دارفور وغير دارفور (أمري، كجبار، بورتسودان، .... إلخ، والقائمة تطول).

(12)

إن أضعف الإيمان في مأساة الطالب بحرالدين هي أن يقال أن البلاد أصبحت فوضى تفتقد أبسط مقومات الأمن، بحيث تختطف جهات مجهولة الناس في رابعة النهار، ومن حرم جامعي في قلب العاصمة السودانية، ثم تلقي جثثهم في العراء بعد تعذيبهم. وهنا أيضاً يرتفع سؤال: أين هي الأجهزة الأمنية، وما هي فائدتها، خاصة بعد القوانين المثيرة للجدل التي منحتها سلطات واسعة، وبعد ما أغدق عليها من موارد؟ ففي الحالين نريد أن نرى مساءلة وتحملاً للمسؤولية ممن حملوها أنفسهم، وصدق الله العظيم، فكم كان الإنسان ظلوماً جهولاً.

 

 

عن "القدس العربي" (لندن) و "التيار" (الخرطوم). الجمعة 19 فبراير 2010

 

 

Abdelwahab El-Affendi [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]