يروي أهل الطرف أن امرأة شكت إلى الشرطة سرقة نقودها من قبل رجل أعطت أوصافه كان يجلس بجوارها في الحافلة.

سألها الشرطي: وأين كانت النقود؟

أجابت بأنها كانت تخفيها في حمالة صدرها.

تساءل الشرطي مستغرباً: وكيف لم تنتبهي للأمر حتى أخذ السارق النقود؟

فردت المرأة: وما أدراني أن النذل كان يريد السرقة؟

 

تذكرت هذه الطرفة وأنا أستمع لشكوى الرئيس الإيراني محمود أحمدينجاد وهو يلقي خطابه في ذكرى الثورة الإيرانية من أمريكا تريد أن تعيد فرض البعثيين على العراق. فهل كان السيد أحمدينجاد (وحلفائه في العراق) يعتقدون أن بترايوس ومن كان قبله هم قادة "جيش المهدي" الذي جاء إلى العراق لتنصيب إمام الزمان؟ وهل رمت أمريكا بأفلاذ أكبادها إلى العراق وصرفت البلايين هناك حتى تسلم العراق لأنصار الثورة الإيرانية؟ بالطبع لا، وبالقطع فإن أمريكا تريد تنصيب حلفاءها ومن تثق بهم، خاصة وأنها تدخلت في العراق تحديداً لضمان مصالحها في المنطقة. وأمريكا هي آخر من يلام على ذلك، خاصة من قبل من هللوا للاحتلال على أنه الفتح المبين.

 

شكوى الرئيس الإيراني هنا تتجه كما هو واضح إلى الاعتراض الأمريكي على قرار هيئة المساءلة والعدالة ("اجتثاث البعث" سابقاً)، حرمان عدد كبير من المرشحين من إدراج أسمائهم في القوائم الانتخابية بحجة أنهم من أنصار حزب البعث. وكما هو معروف فإن الولايات المتحدة قد احتجت بشدة على هذه القرارات، وضغطت لإلغائها. وللمنطق الأمريكي في هذا المقام وجهان. فمن جهة فإن أمريكا تريد أن تخفض وجودها في العراق بأسرع ما يمكن. ولهذا السبب فإنها تريد أن تضمن استقرار الأوضاع في البلاد، وهو أمر يتأتي بتوسيع دائرة المشاركة في العملية السياسية، لا تضييقها. وكان الجيش الأمريكي قد اتخذ من قبل مبادرة من جانب واحد لتجنيد ما سمي بعناصر "الصحوة" من رجال العشائر الذين كانوا يؤيدون المقاومة ثم تخلوا عنها، كما أن أمريكا ابتدرت مفاوضات سرية عبر تركيا مع بعض القوى السنية المؤيدة للمقاومة. ولهذا فهي ترى في محاولة الإقصاء الجديدة إجهاضاً لجهودها في تهدئة الأوضاع.

 

من جهة أخرى فإن أمريكا ترى في الخطوة الأخيرة، كما جاء على لسان أحد أكبر قادتها العسكريين، محاولة لتعزيز نفوذ إيران وحلفائها في العراق على حساب المقربين من أمريكا. وقد بلغ القلق الأمريكي حداً دفع بنائب الرئيس جو بايدن للقيام بزيارة خاطفة لبغداد حتى يضغط على حكومة المالكي لكي تغير قرارها. أما  الجنرال ديفيد بترايوس، قائد الجيش الأمريكي في الشرق الأوسط وشرق أفريقيا، فقد ذهب أبعد من ذلك بكثير، حيث اتهم هيئةالمساءلة والعدالة بأنها أصبحت أداة بيد فيلق القدس التابع لإيران. وهذا اتهام خطير يذهب أبعد من أي مدى ذهب إليه مسؤولون أمريكيون في السابق، ويعبر عن نفاد صبر المسؤولين الأمريكيين من مناورات حلفائهم، والخشية من أن تنتهي مغامراتهم بتسليم العراق لإيران بعد أن ضحت أمريكا بالغالي لاستنقاذه من صدام.

 

وكانت الهيئة قد فجرت جدلاً ما يزال محتدماً حينما أعلنت منتصف الشهر الماضي استبعاد أكثر من خمسمائة مرشح في الانتخابات  بحجة الانتماء والدعاية لحزب البعث المحظور. وكان من أبرز المستبعدين رئيس كتلة مجلس الحوار الوطني صالح المطلك، ورئيس تجمع الوحدة الوطنية العراقي نهرو عبد الكريم، ورئيس قائمة الرافدين الوطنية يونادم كنا. ويلاحظ أن أهم المستبعدين كانوا من المنضوين تحت لواء قائمة "العراقية" التي أعلن عن تشكيلها منتصف ديسمبر الماضي رئيس الحكومة العراقية المؤقتة سابقاً اياد علاوي، وقد ضمت 240 مرشحا يمثلون احزابا وتجمعات عشائرية وشخصيات مستقلة من مختلف الطوائف. وقد أثار توقيت إعلان الحظر تساؤلات مهمة، خاصة وأنه يأتي بعد أقل من شهر من إعلان تشكيل قائمة العراقية، مع العلم بأن بعض المستبعدين،مثل المطلك والنائب ظافر العاني هم أعضاء في البرلمان أصلاً، فهل تم اكتشاف ولاءاتهم البعثية فجأة في منتصف يناير الماضي، أم أن هناك اكتشافات أخرى أقلقت أهل الحكم؟

 

لعل أقرب تفسير هو أن لائحة العراقية تعتبر أخطر منافس حقيقي للتكتلين الشيعيين الرئيسين، وهما الائتلاف الوطني العراقي بزعامة الحكيم، وقائمة "ائتلاف دولة القانون" التي يتزعمها رئيس الوزراء نوري المالكي. ولعل أخشى ما يخشاه هؤلاء هو ظهور تحالف وسطي غير طائفي (ذي توجهات علمانية-ليبرالية) يضم عناصر سنية وشيعية، مما يقوض الأساس الطائفي الذي تستند إليه قوى الحكم، ويمنح الأمريكيين البديل الذي كانوا يتطلعون إليه لتوريثه الحكم بعد رحيلهم.

 

وتكتمل الدائرة بالتذكير بأن أحمد الجلبي، الرجل الأهم في هيئة المساءلة والعدالة، هو أيضاً أحد أبرز مرشحي قائمة الائتلاف الوطني العراقي، مما قد يعطي الانطباع بأن دعوى المتضررين بأن وراء الأمر محاولة لتصفيات حسابات سياسية لها ما يسندها. فلا يعقل أن يمثل البعض دور الخصم والحكم في العملية السياسية، فيقوم باستبعاد منافسيه السياسيين من قائمة المرشحين عندما يخشى أن يجدوا من السند الشعبي ما لا يجد. ويؤيد هذا أن الأحزاب التي تتبنى اجتثاث البعث يوجد من بين قادتها ووزرائها أشخاص كانوا أعضاء بارزين في حزب البعث. فالقضية لا تتعلق، كما يبدو، بالانتماء إلى حزب البعث، بل حسابات سياسية أخرى.

 

ويؤكد الطبيعة السياسية لهذا الصراع هو أن قادة الائتلاف الوطني العراقي وائتلاف دولة القانون تخلوا عن زعمهم بأن القضية قانونية بحتة حينما قررت  الهيئة التمييزية المختصة قبول طعن المبعدين من الترشيح والسماح لهم بخوض الانتخابات، على أن يفصل في أحقيتهم بعد ذلك، فثارت ثائرتهم، ودعا رئيس الوزراء نوري المالكي إلى عقد جلسة برلمانية لنقض قرار الهيئة التمييزية، كما تمت محاولة لعقد لقاء "رئاسات" لمناقشة الأمر. فلو كان الأمر قانونياً بحتاً لما كان هناك داعٍ لمثل هذه التدخلات التي تنم عن فزع ورعب من منافسة المستبعدين انتخابياً.

 

ويشير هذا التخوف من حزب البعث وعودة نفوذه  إلى إشكالية كبرى على الساحة السياسية العراقية. ذلك أن حزب البعث كما هو معروف لم يكن يوماً من أحزاب العراق الكبرى، ولم يأت إلى السلطة إلا بانقلاب، كما لم يبق فيها إلا بكثير من القهر وسفك الدماء. فإذا كان البعض يتخوف اليوم من شعبية حزب البعث، ويرى استخدام وسائل غير انتخابية لإقصائه، فإن الأمر يشير إلى تدهور أوضاع وشعبية أحزاب الحكم أكثر من كونه دلالة على شعبية حزب البعث. فمن كان يخشى أن يطيح حزب البعث بنفوذه حتى بين شيعة العراق فإنه لا بد أن يكون في وضع سياسي لا يحسد عليه.

 

كثير من المعارضين يتهمون أحزاب الحكم في العراق بأنها تفوقت على نظام صدام البغيض في ممارساته الإقصائية، وما تم ارتكابه من قتل وتعذيب وحرق وطرد جعل البعض يحن إلى عهد صدام. ولا يعني هذا الإشادة بعهد صدام، ولكنه يمثل إدانة غير مسبوقة لما جاء بعده. وليس أدل على عمق هذه الأزمة من إصدار بعض السياسيين في كربلاء إنذاراً لكل المتهمين بالانتماء إلى البعث بمغادرة المنطقة، وإلا فالويل والثبور. فمثل هذا الطرد الجماعي لم يكن يحدث حتى في عهد صدام. وفي أي نظام سياسي معقول، ديمقراطي أو غير ديمقراطي، فإن مجاهرة قيادي عن مثل هذه النية لتصفية مواطنين لا ذنب لهم سوى انتماء حزبي تكون قطعاً مما يوجب "المساءلة والعدالة"، إن كان لهذه المفاهيم معنى. ولكن كون مثل هذه الأمور تمر في عراق اليوم بدون مجرد الالتفات لها تكشف كم هو بعيد العراق عن أبسط قواعد الحكم الدكتاتوري، ناهيك عن الديمقراطية. فالبلاد فوضى يتصرف فيها قادة الميليشيات كما يفعلون في الصومال. الفرق هنا هو أن بعضهم له ميليشيا وجيش حكومي وقوات احتلال تسانده.

 

من جهة أخرى فإن هذه المواجهة برمتها وجه آخر من وجوه الاستقطاب الحاد، طائفياً وسياسياً. ولا يمكن أن يتحقق انتقال إلى ديمقراطية حقيقية ما لم يتم تجاوز هذا الاستقطاب إلى مصالحة وطنية حقيقية. وفي هذا الاستقطاب يستخدم أحد المعسكرين تهمة التواطؤ مع الاحتلال في وجه الخصوم، ويرد هؤلاء بتهمة الانتماء إلى البعث أو التعاطف معه. وهناك صحة في كل من التهمتين. فهناك أطراف تعاطفت مع البعث أوسكتت عن جرائمة وتجاوزاته، وهناك أطراف رضيت الاحتلال ورضي عنها. وكما استخدم أولئك أمن صدام وميليشياته ضد خصومهم، استخدم هؤلاء قوات الاحتلال لتثبيت أركان حكمهم وتصفية أو إخضاع الخصوم. وكما فشلت الاستراتيجية الصدامية في استئصال الخصوم، كذلك لم تغن استراتيجية التخفي وراء الاحتلال وميليشيات التصفية ودعم إيران في تصفية الخصوم، بدليل الحاجة اليوم إلى منع هؤلاء الخصوم من الترشح.

 

ويمكن من كل هذا استنتاج أن استراتيجيات الإقصاء المتبادل والاستئصال لن تجدي نفعاً، ولن تحقق الاستقرار للعراق. وليس هناك بديل عن مصالحة وطنية حقيقية يتم فيها تصفية الخلافات والاعتراف بظلامات الآخرين وإعطاء كل ذي حق حقه. وهناك واحدة من وسيلتين للوصول إلى هذا الأمر: إما أن يعترف كل طرف بما ارتكبه من ظلم في حق الآخرين، ويتوب البعض عن موالاتهم للاحتلال كما يتوب غيرهم عن موالاة البعث والإشادة به، ويعتذر كل طرف عما ارتكب من جرائم في حق إخوانه. وهذا هو الوسيلة الأفضل لتصفية الأجواء، لأنها تعيد الثقة الكاملة بين أبناء الوطن. أما إذا كان من الصعب الاعتراف بالجرم (وهو أمر شبه مستحيل للسياسيين) فلا أقل من أن يتفق على عفو متبادل، يسامح فيه كل طرف الآخر عما ارتكب في حقه مع تفاهم على ألا يتكرر ما حدث في السابق.

 

هناك بالطبع المنهج الثالث الذي يسعى إلى تطبيقه إياد علاوي عبر تشكيل كتلة سياسية جديدة تتجاوز صراعات الماضي وتجسد الوحدة على أسس جديدة تخفف من غلواء الاستقطاب الطائفي. ولكن كما كشفت أحداث الأشهر القليلة الماضية فإن هذه المحاولة لن تنجز على المدى القصير سىوى تغيير خطوط الاستقطاب، ووسوف تحول الصراع باتجاه محاور جديدة. فالقوى الطائفية المتمكنة لن تسمح لهذه الخطوة بأن تمر مرور الكرام، تحديداً لأنها ترى فيها (بحق) أكبر تهديد لسندها.

 

وعليه فإن أضعف الإيمان على المدى القصير هو أن يقبل الجميع التعايش رغم مآخذ كل طرف على الآخر. فليس هناك احتمال في نجاح سياسة الاستئصال، وحتى لو كان هناك احتمال فإن العراق قد سالت فيه من الدماء ما يكفي منذ انقلاب 1958 الدموي (حتى لا نقول منذ أيام الحجاج بين يوسف) إلى اليوم، وليس هناك حاجة للمزيد. وللأسف لا يحتاج العراقيون إلى اتهام غيرهم من الأجانب والمحتلين بالتسبب فيما وقع من سفك دماء، لأنهم لم يقصروا في ذلك يوماً. وليست بين الجماعات المتنافسة والمتناحرة في العراق يد غير ملطخة بالدماء، وليس هناك حزب بغير خطيئة. فليكف كل طرف عن رجم إخوانه بالحجارة، والتراشق بالتهم، فهناك ما يكفي من التهم تسع الجميع.

 

ما يحتاجه العراقيون هو قيادات حكيمة (بالفعل لا مجرد الأسماء)، تتسامى على نظرتها الطائفية الضيقة، وتبتعد عن المناورات قصيرة النظر التي قد تكسب لها الانتخابات القادمة ولكنها تخسر الوطن.

 

عن "القدس العربي" (لندن) و "التيار" (الخرطوم). الثلاثاء 16 فبراير 2010

Abdelwahab El-Affendi [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]