في صيف عام 1989، وقبل حوالي أسبوعين من انقلاب الثلاثين من يونيو الذي أطاح بالديمقراطية الثالثة في السودان، زار الزعيم السوداني الراحل العقيد جون قرنق لندن وقدم واحدة من محاضراته العامة النادرة في مركز افريقيا في شرق المدينة. ذهبت مع جمع غفير من السودانيين وغيرهم للاستماع للرجل الذي شغل الناس حينها، ولم يخرج حديثه عن أطروحاته المعروفة حول السودان الجديد وضرورة التغيير السياسي الجذري في البلاد. ولكن كانت هناك إجابة واحدة على سؤال طرح عليه قدمت إضاءة في غاية الأهمية حول تفكير قرنق في تلك الحقبة.

 

كان ذلك اللقاء قد انعقد في فترة سادها تفاؤل كبير بقرب نهاية الحرب، خاصة بعد أن قبلت الحكومة السودانية وقتها الاتفاقية التي تم التوقيع عليها بين قرنق وزعيم الحزب الاتحادي الديمقراطي السيد محمد عثمان الميرغني في أديس أبابا في نوفمبر 1988، ونصت على أن يتم تجميد تطبيق الحدود الإسلامية وإلغاء الاتفاقيات العسكرية مع مصر وليبيا ريثما يتم عقد مؤتمر دستوري يبت في هذه المسائل وغيرها من الأمور الخلافية في مسار السياسة السودانية. وكان حزب الامة ومعه الجبهة القومية الإسلامية عارضا تلك الاتفاقية، ولكن ضغوطاً من الجيش والقوى الإقليمية أدت إلى إسقاط حكومتهما الائتلافية في فبراير 1989 وتشكيل حكومة جديدة قاطعتها الجبهة وقبلت شروط الاتفاقية.

 

الإشارة المهمة جاءت في إجابة لسؤال وجه إلى العقيد قرنق حول خطته للمشاركة في العملية السياسية في المرحلة القادمة، حيث قال إنه يعتزم أن يقود الحركة الشعبية في الانتخابات ، مضيفاً أنه في هذه الحالة يتوقع أن تربح الحركة كل مقاعد الجنوب (عددها كان في ذلك الوقت 68 مقعداً) كما أنه يتوقع أن تحصد الحركة ثلاثين مقعداً أخرى من مناطق السودان الأخرى. وختم قائلاً: إن الصادق المهدي يتولى رئاسة الوزارة اليوم وحزبه لا يمتلك سوى مائة مقعد في البرلمان. وهذا ما سنفعله أيضاً.

 

هذه كانت أول مرة يتحدث فيها العقيد قرنق بهذا الوضوح والشفافية عن الخطوات العملية التي كان يريد عبرها تطبيق شعارات حركته حول السودان الجديد. فبعيداً عن الشعارات والخطاب الأيديولوجي، فإن الهدف هو أن تكون الحركة على رأس الحكم في السودان. وهذا أيضاً يؤيد المحتوى "الوحدوي" لأفكار وخطط قرنق، لأنه يعتقد أنه لا حاجة للحركة بأن تطالب بانفصال الجنوب إذا كانت ستحكم السودان بأكمله. فقد كان العقيد قرنق طموحاً لا يرى أن زعامة الجنوب وحدها تسعه.

 

من هذا المنطلق فيمكن أن نستنتج بدون تعسف أن العقيد قرنق لو كان حياً اليوم لما تردد في أن يكون على رأس قائمة المرشحين لرئاسة الجمهورية، لأنه ما كان يرى أن أي منصب دون ذلك يليق به. وبنفس المنطق فإنه يمكن الاستنتاج بأن إمساك الحركة الشعبية عن ترشيح رئيسها الحالي سلفا كير ميارديت لرئاسة الجمهورية يعطي إشارة واضحة بأن الحركة لا تريد أن تخوض معركة الرئاسة بنفس منطق العقيد قرنق. ويمكن أن يكون الاستنتاج المبدئي من هذه الخطوة هو أن الحركة قررت أن تقف خارج سباق الرئاسة.

 

وليس سراً هنا أن مفهوم "السودان الجديد" كما بشر به قرنق، وكما عبر عنه في صيغة عملية بأن تتولى الحركة الشعبية الحكم في السودان في إطار تحالفات مساندة لها، لم يكن موضع إجماع بين قادة الحركة الشعبية، كما أنه كان موضع تشكك عند غالبية أعضاء الحركة ومسانديها ممن كانوا يريدون حلاً مبسطاً يتمثل في الحصول على حق تقرير المصير للجنوب. وليس سراً كذلك أن سلفا كير لم يكن متحمساً بدوره لمشروع قرنق، حيث كان يرى ومعه آخرون أن كلفة هذا المشروع المفترض أن يستفيد منه غالبية أهل السودان ظل يدفع ثمنه الجنوبيون وحدهم. وعليه فمن الأفضل الاكتفاء بحق تقرير المصير حتى يظهر إجماع أوسع حول المشروع الأكبر.

 

وفي هذا الصدد فإن الجدل الذي أثاره ترشيح الحركة لنائب أمينها العام ياسر عرمان للرئاسة يكتسب أهمية خاصة. فمن جهة رأى البعض أن ترشيح عرمان للرئاسة بدلاً من رئيسها سلفا كير، أوأمينها العام باقان أموم، وثلة القياديين ممن هم أرفع درجة من عرمان يشير إلى زهد في منصب الرئاسة، وإدراك مسبق بأن الحركة لن تطال هذا المنصب. من جهة أخرى رأى آخرون في اختيار عرمان خطوة ذكية قصد منها مضاهاة قرار المؤتمر الشعبي اختيار عبدالله دينق نيال، وهو جنوبي مسلم، مرشحاً رئاسياً. ففي الحالين هناك مسعىً واضح لإرسال رسالة وحدوية. فعندما تختار حركة قاعدتها في الشمال مرشحاً رئاسياً من الجنوب لأول مرة في تاريخ السودان، فإن الرسالة المقصودة هي أنه لا تمييز بين شمالي وجنوبي عند هذه الحركة، وهي رسالة قد تجد صدىً في الجنوب. وبنفس القدر فحين تختار حركة قاعدتها في الجنوب مرشحاً من الشمال فإنها أيضاً تجتهد في أن تنفي عن نفسها تهمة الانكفاء الإقليمي.

 

ولكن هذه الرسائل لها حواشٍ إضافية. ذلك أن انتماء نيال الجنوبي، مثل انتماء عرمان الشمالي، هو موضع شك وتساؤل في حقبة أصحبت فيها الانتماءات، كما أشرنا في مرة سابقة، هي في نهاية الأمر سياسية ومسيسة. فهناك سياسيون جنوبيون كثر لا تنظر إليهم الغالبية على أنهم يمثلون تطلعات أهل الجنوب، وبنفس القدر فهناك ساسة شماليون ليس لهم عند أهل الشمال كبير رصيد. فعند كثير من الجنوبيين فإن ياسر عرمان ينطق باسمهم وهو أقرب إليهم من نيال أو قياديي المؤتمر الوطني من الجنوب.

 

وفي هذا المقام قد يكون ياسر عرمان أفضل حظاً من عبدالله دينق، لأن الحركة الشعبية لها رصيد لا بأس به بين مواطني شمال السودان، خاصة الجهات الكثيرة الناقمة على الإنقاذ أو التي تشكو التهميش. ولعل عرمان يطمع كذلك في دعم بعض الاتجاهات اليسارية بحكم تاريخه النضالي، ولكن الأرجح أن قوى اليسار ستكون أميل إلى تأييد مرشح الحزب الشيوعي محمد ابراهيم نقد. وبالمقابل فإن نيال اشتهر بانتمائه للحركة الإسلامية أكثر من اشتهاره بالمنافحة عن قضايا الجنوب، ولكن كثيراً من مواطني الجنوب قد يتأثرون بحقيقة أنه المرشح الجنوبي الوحيد على اللائحة فيدعمونه لهذا السبب وحده كما حدث حينما حصل المرشح لأمانة المؤتمر الوطني الشفيع محمد أحمد على دعم من أهل منتسبي الحزب في دارفور لمجرد أنه من ذلك الإقليم، وعلى الرغم من أنه لم يطلب هذا الدعم أو يسعى له. ولكن مهما يكن فإن الصدى الإعلامي الذي سيلقاه ترشيح كلا الرجلين سيدفع بكثيرين للنظر والتفكير في مواقف الحركات التي رشحتهما، وقد يأتي سياسياً بعائد إيجابي للحزبين.

 

هذا بدوره يعني أن الجنوب سيلعب دوراً أهم من أي وقت مضى في تحديد الشخص الذي يتولى منصب الرئاسة. فبحسب قانون الانتخابات فإن المرشح الذي يحوز أكثر من خمسين بالمائة من الأصوات في الجولة الأولى يفوز بالرئاسة، وإلا فإن الانتخابات تعاد خلال ستين يوماً بين المرشحين الحائزين على أكبر نسبة من الأصوات. ولأن أكثر من ربع الناخبين هم من الجنوب، فإن الصوت الجنوبي سيكون حاسماً لو توحد. وهناك الآن عشرة مرشحين للرئاسة، بينهم مرشح جنوبي واحد، هو نيال. ولكن المرشح الجنوبي ليس "مرشح الجنوب"، فهذه الصفة يمكن أن تطلق على عرمان. وفي حال ما إذا صوتت غالبية في الجنوب لعرمان كما هو متوقع، فإن هذا يجعل من الصعب على الرئيس  البشير أن يحقق الفوز من الجولة الأولى. وإذا ما احتاج الأمر إلى جولة ثانية، فإن هذا قد يعطي المعارضة الفرصة لتوحيد مرشحها وبالتالي تحسين فرصتها في الفوز.

 

ولكن هنا تبرز إشكالية ثانية فيما لو كان عرمان أصبح هو المنافس المحتمل للبشير. فبحسب الدستور الانتقالي فإنه لو كان الفائز بالرئاسة من الشمال، فإن نائبه الأول لا بد أن يأتي من الجنوب، والعكس بالعكس. وبحسب هذه الصيغة فإن انتخاب عرمان رئيساً (إن تم) سيعني أن يكون نائبه من الجنوب، وفي الغالب من الحركة الشعبية.  وهذا بدوره سيخالف روح الدستور وإن وافق نصه. ونفس الإشكال سيثار لو انتخب نيال، حيث أن نائبه عندها لا بد أن يكون شمالياً. وعليه فإن الناخبين لا بد أن يأخذوا هذا في الاعتبار وهم يدلون بأصواتهم. وهذا بدوره سيضيق الخيارات المتاحة أمام هؤلاء الناخبين.

 

فإذا أرادت الأحزاب المعارضة أن تنسق مواقفها فإنها لا بد أن تفعل ذلك قبل الجولة الانتخابية الأولى، وإلا فإنها عندها ستكون رهينة لنتائج العملية الانتخابية نفسها. فالقانون يقول إن إعادة التصويت لا بد أن تكون بين المرشحين الحائزين على أعلى الأصوات، وسيكون هناك إشكال كبير لو انحصرت المنافسة بين نيال وعرمان مثلاً، أو لو كان أي منهما على القائمة النهائية، لأن هذا الوضع قد يخلق أزمة دستورية لا توجد آليات للتعامل معها. وعليه فلا بد للمعارضة، إن أرادت أن تكون لها فرصة في الفوز، أن تتوافق على مرشح له حظوظ معقولة ولا يؤدي فوزه –إن فاز- إلى إشكالات دستورية تعقد أمور البلاد أكثر مما هي أصلاً. ولعل هذا يضيق الخيار كثيراً، لأن فرصة معظم مرشحي المعارضة في الفوز سوى من ذكرنا (ما عدا رئيس الوزراء الأسبق الصادق المهدي) تكاد تكون معدومة.

 

شخصياً أعتقد أن النظام لن يسمح بجولة ثانية في الانتخابات الرئاسية أصلاً. وإذا كان الأمر في الانتخابات السابقة التي عقدت لم يصل إلى ما شهدته الانتخابات العربية من حصول الرئيس على أكثر من 99% من الأصوات، بل كان هناك تواضع ملحوظ في الاكتفاء بنسبة 75% أو نحو ذلك، فلا أعتقد أن تحقيق نسبة 51% في الجولة الأولى سيعجز القوم.

Abdelwahab El-Affendi [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]