(1)

قرار غرفة الاستئناف في المحكمة الجنائية الذي صدر الأربعاء الماضي بنقض قرار الغرفة الابتدائية رد طلب المدعي العام في المحكمة لتوجيه تهمة الإبادة الجماعية للرئيس السوداني عمر حسن أحمد البشير أعاد إلى الواجهة المعضلة التي تواجهها المحكمة وهي تواجه أخطر تحد لوجودها واستمرارها. فالقضية تجاوزت إشكالية توجيه التهمة لرئيس دولة وهو في منصبه إلى قضية هل تبقى المحكمة أم تلحق بعصبة الأمم وبقية التجارب الدولية الفاشلة.

(2)

هذا الوضع بدوره جعل المحكمة عموماً، والمدعي العام خصوصاً، في وضع لا يجعلها تتعامل بحيادية مع القضية المطروحة أمامها إلا كما يتعامل المؤتمر الوطني مع الانتخابات القادمة باعتباره مجرد حكم بين المتنافسين على سدة السلطة. ففي الحالين فإن الفشل أمر يصعب التفكير فيه، ناهيك عن تقبله.

(3)

من هنا فإن تثبيت تهمة الإبادة الجماعية، أو على الأقل طرحها للتداول، يصبح على قدر كبير من الأهمية لتبرير الاستمرار في الإجراءات ضد الرئيس السوداني أو في تناول ملف دارفور أصلاً. إذ لو لم تكن قضية الإبادة الجماعية مطروحة، فكيف يمكن تبرير انتقاء هذا الملف دون غيره من الكبائر التي ما يزال بعضها يرتكب، كما هو الحال في غزة أو العراق أو أفغانستان أو الشيشان أو تركستان الشرقية والتيبت في الصين؟

(4)

للتذكير نقول إن فكرة المحكمة الجنائية الدولية ولدت من رحم الحقبة الليبرالية وأحلام "نهاية التاريخ" التي أعقبت سقوط الاتحاد السوفيتي وسبقت صعود بوش وبن لادن. ففي تلك الأيام ساد اعتقاد بأن خلافات العالم الكبرى قد انتهت، وأن الإنسانية في طريقها للتوحد تحت راية نظام عالمي ليبرالي تتنازل فيه الدول الكبرى عن سلطانها لمؤسسات دولية مرتضاة تحكم بين الناس بالعدل والسوية، وتقدم حقوق الضعفاء على مصالح الأقوياء ونزوات الجبابرة.

(5)

في هذه الأجواء ولدت أفكار مثل "التدخل الإنساني"، و"مسؤولية الحماية" و "السيادة كمسؤولية"، وغيرها من المقترحات التي تفرض وجود مجتمع دولي خير، بعيد عن أنانية الكبار ومنطق القهر والقوة، له حق الوصاية على العالم لردع الدول والجماعات "المارقة"، وتبني وإصلاح الدول "الفاشلة". وكانت التدخلات في يوغسلافيا السابقة وسيراليون وليبريا والصومال (والتحسر على التقاعس في رواندا) هو عنوان تلك المرحلة. وكانت المحكمة أبرز إنجازات تلك الحقبة، وتتويجاً لها.

(6)

نفس الفترة شهدت التدخل في الخليج، وهو تدخل مهد لما لحقه لأنه كان حمال أوجه. فمن جهة زعمت الدول التي تولت كبره إنه جاء لرد العدوان عن دولة صغيرة بغي عليها، ولحماية المظلومين من أكراد وشيعة. ومن جهة أخرى حمل التدخل ملامح التوجهات الاستعمارية القديمة، ومنطق حماية المصالح من إمدادات نفطية وأمن لإسرائيل والدول الموالية. وقد وضع هذا على القوى الكبرى ضغوطاً لتتدخل في مناطق ليس لها فيها نفس المصالح (مثل الصومال والبوسنة) حتى تدفع عن نفسها تلك الشبهة.

(7)

لم تطل تلك الحقبة، حيث أطل عهد بوش ومحافظيه الجدد ممن وجدوا في أحداث سبتمبر الذريعة المطلوبة لنزع كل قفازات "الليبرالية"، فمزقوا ورقة التصديق على قانون المحكمة، وأعلنوا أنهم لن يأبهوا لأمم متحدة أو متفرقة، وأن حدود سلطانهم ستقف حيث تبلغ سنابك خليهم وجنازير دباباتهم.

(8)

أصبحت المحكمة عندها أخر قلاع المتمسكين بالمفاهيم الليبرالية في العلاقات الدولية، وواطأهم في ذلك "الواقعيون" مؤقتاً لأسباب انتهازية، فالسودان ليس الصين أو روسيا أو إسرائيل، فهو يفتقد الحلفاء من ذوي البأس، وهناك رأي عام قوي أدان حكومته سلفاً. من هنا تمثل القضية السودانية فرصة أمام المحكمة لإثبات وجودها، لأن المحكمة التي تكلف العالم مائة مليون يورو سنوياً لا يمكن أن يقتصر عملها على محاكمة شذاذ الآفاق من رؤساء الميليشيات السابقين أو الحكام المخلوعين ممن تستطيع أي محكمة في أصغر بلد محاكمتهم بدون كلفة تذكر.

(9)

ولكن ها هنا لب القضية. فمن جهة لا يمكن للمحكمة أن تدعي إنجازاً ما لم تقدم للمحاكمة أشخاصاً من ذوي الشوكة. ومن جهة أخرى فإنها لا تستطيع أن تطال ذوي الشوكة الحقيقيين من مازن وقريش، ولا بد أن تكتفي بالغنم القاصية، مما يعيد الاتهام بأنها ليست فتحاً جديداً في مجال العدالة الدولية، وإنما هي استمرار للنهج القديم في معاقبة الضعفاء والتغاضي عن جرائم الأقوياء.

(10)

مهما يكن فإن المحكمة –أو بالتحديد مدعيها العام- قد فتحت هذه المعركة التي أصبحت معركة وجود. فما لم تستطع جلب البشير ومحاكمته، وتحديداً بتهمة الإبادة الجماعية (لأن بقية التهم ليس لها نفس الوقع الإعلامي أو الوزن الأخلاقي) فإنها ستفقد مبرر وجودها، أو على أقل تقدير لا بد أن يطاح بعدد كبير من مسؤوليها، على رأسهم المدعي العام الذي قاد المحكمة إلى هذه المغامرة. فهذه إذن معركة كسر عظم يصعب التراجع فيها.

(11)

غني عن القول أن الحديث عن المناخ السياسي الذي تعمل المحكمة في إطاره لا ينفي أو يثبت وقوع جرائم كبرى في دارفور، ولكنه يطرح تساؤلات حول هذا المنهج المعين في التعامل مع هذه القضايا، وهو منهج لقي الرفض من غالبية دول العالم، بما في ذلك الدول الافريقية، وهي الأحق بالدفاع عن ضحايا زعم أنهم استهدفوا تحديداً بسبب هويتهم الافريقية. ذلك أن القبض على رؤساء الدول ومحاكمتهم يتطلب إما شن الحرب على الدولة المعنية، أو فرض حصار متطاول على أهلها حتى يخضعوا ويسلموا رئيسهم، وكلا الأمرين آخر ما تحتاجه دولة تعاني من نزاعات داخلية وتكابد الفقر، فضلاً عن أنه ليست هناك فرصة واقعية لاتخاذ هذه الإجراءات أساساً، مما يعني أن المسألة هي بلاقيمة للضحايا الذين تستمر معاناتهم.

(12)

هناك جانب آخر لهذه المسألة، وهي أنه بغض النظر عن ارتكاب التجاوزات الكثيرة أو السكوت عليها من قبل الحكومة، فإن معالجاتها لهذه القضية هي المسؤولة عن وصول الأمور إلى ماوصلت إليه. فالوصول إلى عتبة المحكمة الجنائية الدولية كان من الممكن تجنبه لو تم التعامل السليم مع القضايا داخلياً ودولياً. فما كان من الممكن أن تصل القضية إلى ما صلت إليه لو لا العزلة الدولية المستحقة والتعثر في اتخاذ معالجات مقنعة، فضلاً عن الإنكار المستمر. ولا ينبغي هنا الاغترار بما يلقاه السودان من مساندة حالياً من افريقيا وغيرها، لأن هذا ليس دعماً للسودان بقدر ما هو انتفاضة ضد ما يراه البعض هيمنة غربية. وما زلنا أن ننتظر أن تعترف جهة ما بمسؤوليتها عما حدث وتدفع ثمن ذلك. فكما أن هناك جرائم ارتكبت في حق مواطني دارفور، هنالك جرائم ارتكبت أيضاً في حق الوطن.

Abdelwahab El-Affendi [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]