لم يعد سراً أن مفاوضات الدوحة قد وصلت إلى طريق مسدود، وأنه لم يعد هناك أمل في إحيائها ناهيك عن الوصول إلى حل يتم التراضي عليه الأزمة قبل انتخابات أبريل التي ستغير المعادلة تماماً في كل ما يتعلق بدارفور ومستقبل السودان بأكمله. فمن جهة جعل اقتراب موعد الانتخابات الحكومة غير متحمسة لابرام صفقة مع الحركات المسلحة يكون تقاسم السلطة جزءاً منها. ويعود هذا أولاً لاعتبارات عملية. ذلك أن أي صفقة لتقاسم السلطة لا يمكن أن تسري إلا في الفترة الانتقالية، لأن الانتخابات تجب ما قبلها. وينطبق هذا على صفقة تقاسم السلطة بين المؤتمر الوطني والحركة الشعبية التي تنتهي صلاحيتها بقيام الانتخابات في أبريل القادم، حيث سيكون رأي الشعب هو الحكم حول من يتولى هذا المنصب أو ذاك. وبهذا المنطق فإنه حتى لو توفرت الإرادة لابرام اتفاقية سلام حول دارفور، وسلمت فيها الحكومة بمطالب أهل دارفور حول موقع نائب الرئيس أو غيره، فإنه لن يمكن من ناحية عملية الاتفاق على تفاصيل الصفقة قبل نهاية الفترة الانتقالية، بحيث أنها ستصبح غير ذات موضوع وغير قابلة للتطبيق.

 

وقد يستدعي الأمر عندها الاتفاق على فترة انتقالية يكون محورها دارفور، ولكن هذا الأمر يتعارض حالياً مع اتفاقية السلام الشامل مع الجنوب، ولا بد أن تتولى أمرها الحكومة الجديدة التي ستنتخب في أبريل القادم. وتلك حكومة ستكون تركيبتها، وبالتالي أجندتها، مختلفة. ولأن الحكومة الجديدة ستكون منتخبة ديمقراطياً، فإنه سيصبح من الصعب الضغط عليها بنفس القدر المتاح حالياً تجاه حكومة غير منتخبة ومتهمة دولياً بالمسؤولية عن التجاوزات في دارفور. وعليه ستكون فرصة ثمينة لتحقيق مكاسب دارفورية قد فاتت.

 

سياسياً فإن النظام لا يأمل فقط بأن تحقق الانتخابات مكسباً من ناحية دعم شرعية المؤتمر الوطني سياسياً ودولياً، بل فوق ذلك أن تقلب الانتخابات الجزئية في دارفور المعادلة بإفراز منافسين أقوياء للحركات المسلحة على صعيد ادعاء تمثيل أهل دارفور. وهذا بدوره يقود إلى الإشكالية الأصعب التي عوقت تقدم المفاوضات منذ اتفاقية أبوجا عام 2006، ألا وهي وجود أصوات متعددة ومتنافرة كل منها تدعي تمثيل دارفور والحديث باسمها. وكما هو الشأن في حال قيام حركات مقاومة مسلحة، فإن شرعية هذه الأصوات تستند إلى ركيزتين: الأولى هي التعبير بصدق عن أماني وتطلعات ومظالم القطاعات التي تدعي تمثيلها، والثانية تحقيق انجازات على المستويات السياسية والعسكرية لجهة إسماع صوت من تمثل، والحصول على اعتراف دولي وتحقيق الوجود العسكري الفاعل على الأرض.

 

وهناك تلازم بين السند العسكري والسند السياسي لمن يدعي التمثيل، ولكن الأهمية الأبرز تأتي من الوزن العسكري، لأن هذه طبيعة الأمور في حركات التمرد المسلح. ذلك أن التمرد المسلح يتفجر أساساً بسبب انسداد أفق التغيير السياسي، وبالتالي فإنه يستمد شرعية وجوده من تحقيق حضور عسكري فاعل يفرض بدوره الدور السياسي. وبالطبع فإن الحضور العسكري وحده لا يكفي، بل لا بد من بعد سياسي، وإلا وقع للحركة ما يقع لجيش الرب في يوغندا وميليشيات الهوتو في رواندا والكونغو. ولكن الحضور العسكري يبقى الأساس.

 

من هنا فإن الإشكال الأكبر فيما يتعلق بدارفور هو فشل أي من الحركات المسلحة في فرض نفسها كقوة عسكرية مهيمنة على ساحة القتال، أو تحقيق التفاف سياسي حولها باعتبارها الصوت المعبر عن مطالب أهل الإقليم. وخلال مفاوضات أبوجا كان الاعتقاد الشائع هو أن فصيل مني مناوي من حركة تحرير السودان هو الأقوى عسكرياً، ولكن بعد توقيع رئيسه على اتفاق عام 2006 تراجع الفصيل سياسياً وعسكرياً إلى حد كبير. وخلال العامين الماضيين بدا أن حركة العدل والمساواة هي الأقوى عسكرياً، ولكن وضعها تراجع كثيراً على خلفية محاولات دولية وإقليمية متعددة لبناء تحالفات موازية.

 

حالياً يقدر عدد الفصائل الدارفورية المسلحة بالعشرات، وهناك ما يشبه الاتفاق بأن معظمها يفتقد الوزن السياسي أو العسكري. ولكن هذا بدوره يطرح تساؤلات مهمة حول سبب التشرذم المبالغ فيه للحركات المسلحة، وتعثر كل المحاولات لتوحيدها. وبداية هناك إشكالية التنوع العرقي والقبلي في دارفور، وهو العامل الذي أدى العجز عن التعامل معه بإيجابية إلى تفجر الصراعات في الإقليم. وقد تسارع تسييس العرق والقبيلة في دارفور (وهو أمر تعاني منه بقية أنحاء السودان) على خلفية انتشار السلاح وتأثير حروب تشاد والصراع حول الموارد، بحيث ظهرت الميليشيات القبلية وأصبحت لاعباً مهماً على الساحة السياسية منذ منتصف الثمانينات. إضافة إلى ذلك فإن الانشقاقات السياسية بين حركات التمرد منذ عام 2003 أدت إلى أن يصبح لعب الورقة القبلية والعرقية من أهم أسلحة الصراع السياسي. فكل قائد ينشق عن حركته على خلفية خلاف سياسي حول الأولويات والاستراتيجيات أو المناصب والمواقع يعمد إلى الحل السهل، وهو تجميع أفراد قبيلته وعشيرته حوله والادعاء بأن الطرف الآخر يعادي القبيلة ويحابي غيرها.

 

لم تكن الحكومة السودانية والقوى الإقليمية بمنأى عن تشجيع هذه الانقسامات، ولكن هذه القوى تستثمر الانشقاقات وتضمن استمراريتها بتقديم الدعم للفصائل المنشقة لضمان النفوذ، ولكنها لا تخلقها. وغني عن القول أن معرفة من يعتزم الانشقاق أنه سيجد الدعم من جهة ما يشجع هذا التوجه. يضاف إلى هذا أن السند الدولي الذي لقيته قضية دارفور أدى إلى خلق "رأسمال سياسي" يمكن لأي جهة تدعي الحديث باسم دارفور أن تستثمره. وهذا بدوره يسهل مهمة الانشقاق أو تشكيل حركات صغيرة، لأن هذه الحركات تجد من يستمع لها بسبب التيار الدولي المؤيد لقضية دارفور.

 

من جهة أخرى فإن تكاثر الحركات بدوره يوجه ضربة قوية للدعم الدولي للقضية. ذلك أن هذا الدعم استند على فكرة وجود مظلمة محددة لأهل دارفور، مع افتراض وجود جهة محددة تمثل الضحايا حتى يتم التعامل معها لرفع الظلم وإحقاق الحق. وهذا بدوره يتطلب تحديداً دقيقاً وواضحاً ومتفقاً عليه لمظالم أهل الإقليم وطريقة رفعها. أما في حالة وجود عشرات الأصوات المتنافرة والمعادية لبعضها البعض فإن المجتمع الدولي، وحتى المجتمع السوداني، يصبح في حيرة من أمره. فمقابل كل صوت دارفوري يرتفع لتحديد مطالب أهل الإقليم هناك عشرات الأصوات ترتفع لتقول إن هذا الصوت يدعي كذباً وزوراً تمثيل أهل دارفور بلا أهلية ولا مشروعية. وقد يستنتج المراقب من هذا أن أي اتفاق مع أي فصيل أو مجموعة فصائل سيكون مصيره مصير اتفاقية أبوجا، لأن بقية الفصائل لن تعترف بها، مما يجعلها جهداً ضائعاً.

 

وبحسب هذا الفهم فإن الاستجابة لكل مطالب أهل دارفور، بما في ذلك وحدة الإقليم والتعويضات وإعطاء منصب نائب رئيس الجمهوية (أو حتى رئيس الجمهورية) لإقليم دارفور سيفتح الباب لمشاكل أخرى، لأن اختيار أي مرشح لهذه المناصب لن يجد الإجماع من الفصائل. ونحن هنا نتحدث فقط عن خلافات نصف سكان دارفور، لأن العناصر العربية غير ممثلة أساساً في هذه المساجلات، بحيث أن اتفاق جميع هذه العناصر، حتى لو تم، لن يحل الإشكال بغير إعطاء العرب حقهم من التمثيل. المعروف أن أحد عوامل تفجر الصراع في دارفور في منتصف الثمانينات كان شكوى العرب وبعض العناصر الأخرى في الإقليم من هيمنة اثنية الفور على مقاليد الأمور في الإقليم بعد تنفيذ الحكم الإقليمي هناك بداية من عام 1981.

 

وهذا يعيد طرح قضية توحيد حركات دارفور وأثر ذلك على القضية التي تفرق دمها بين القبائل (حقيقة ومجازاً)، وما إذا كان التوحيد ينبغي أن يتم عسكرياً أو سياسياً. وكانت حركة العدل والمساواة قد مالت إلى اتخاذ خط التوحيد العسكري، وذلك بالضغط عسكرياً وسياسياً على بقية الحركات للانضمام تحت رايتها. ولا بد من القول بأن هذا هو الخط الطبيعي في حالة أي حركة تمرد، حيث كان هذا هو التكتيك الذي اتبعه جوزيف لاغو لتوحيد الأنيانيا في جنوب السودان في نهاية السيتنات مما مهد الطريق لمفاوضات واتفاق أديس أبابا عام 1972. وقد حقق لاغو هذا النصر بعد أن تسلم شحنات أسلحة إسرائيلية عبر يوغندا ضمنت له التفوق العسكري على بقية الفصائل. وبنفس القدر فإن العقيد جون قرنق فرض الوحدة على فصائل الجنوب بقوة السلاح، وتحقق ذلك أيضاً بسبب الدعم الإقليمي والدولي، رغم بقاء فصائل كانت تتلقى الدعم من الحكومة. ولكن الحركة الشعبية فرضت هيمنتها العسكرية والسياسية بحيث أصبحت المفاوض المقبول دولياً وسودانياً، والطرف المرجح أن يؤدي الاتفاق معه إلى سلام حقيقي.

 

فرض الوحدة عسكرياً في الميدان في حالة دارفور واجه صعوبات جمة، أهمها الاستقطاب القبلي والعرقي الذي جعل من الصعب لأي حركة، حتى ولو ضمنت الهيمنة العسكرية، أن تجد القبول السياسي، مما يجعلها في وضع يشبه وضع الحكومة التي يقاتل الناس هناك ضدها. إضافة إلى هذا فإن ما ذكرناه من استمرار التدخلات الإقليمية والحكومية لن تسمح لأي طرف بأن يحقق هيمنة عسكرية على بقية الفصائل.

 

وهذا بدوره يطرح السؤال المهم: ما هي جدوى مفاوضات السلام أساساً في هذه الحالة، مع عدم وجود أي فصيل (أو مجموعة فصائل) قادر على فرض هيمنته عسكرياً بحيث يكون عقد اتفاق صلح معه ضمانة لانتهاء النزاع المسلح؟ وهل تكون الوسيلة الأفضل هي اختيار ممثلين لأهل دارفور عبر آلية أخرى، مثل الانتخاب أو الاختيار عبر منظمات المجتمع المدني أو الآليات القبلية؟

 

من جهة أخرى –على طريقة صاحب الاتجاه المعاكس- ألا يعيدنا هذا إلى نقطة الصفر، لأن الإشكال منذ البداية هو صعوبة اتفاق أهل دارفور عبر تلك الآليات كلها على من يمثلهم وينطق باسمهم؟ وإذا كانت "ديمقراطية السلاح" فشلت في فرض جهة تتحدث باسم أهل دارفور، أو تحديد "أهل الحل والعقد" منهم ممن لديهم القدرة على إبرام الاتفاق باسم الجميع وإنفاذه، هل تكون العودة إلى "سلاح الديمقراطية" هي الحل، علماً بأن نزاع دارفور تفجر أصلاً في العهد الديمقراطي الذي لم يكن أكثر قدرة على حسم الصراع؟

 

كل هذه أسئلة محيرة تنظر الإجابة، وفي غضون ذلك فإن حيرة المجتمع الدولي قد تترجم انصرافاً عن دارفور وقضيتها إلى شجون وشؤون أخرى، وما أكثر مشاكل العالم ومآسيه. ولعل أحد مشاكل المتحدثين باسم دارفور هي أنهم عولوا أكثر من اللازم على على السند الدولي للقضية وعلقوا على ذلك آمالاً أقعدت الكثيرين منهم عن القيام بواجبهم تجاه القضية. والاعتماد على المجتمع الدولي قد يكون أشبه بالركون إلى سراب يحسبه الظمآن ماء. فالجهات الدولية (كما قال أحد المنتقدين لدورها في تنفيذ اتفاقية السلام الشامل) هي أميل إلى المحافظة، ويهمها في المقام الأول "السلام السلبي" أي اختفاء أو تقليل العنف. وإذا كانت بعض الجهات قد اتخذت موقفاً "ثورياً" غير معهود فيما يتعلق بقضية دارفور، فإن هذه لم تكن جهات حكومية، بل حركات مدنية مثل "تحالف إنقاذ دارفور".

 

وقد حققت بعض هذه الجهات  نجاحاً في التأثير على الساحة السياسية، ولكن هذا التأثير ظل محدوداً، واقتصر على اتخاذ خطوات غير خلافية مثل نشر قوات حفظ سلام أو إحالة الملف على المحاكم الدولية. وإذا كان بعض السياسيين المعارضين مثل أوباما وكلينتون قد أطلقوا تصريحات نارية في انتقاد سياسات حكوماتهم، فإنهم عندما جاءوا إلى الحكم واصلوا نفس السياسات المحافظة، بل كانوا أقل طموحاً، حيث اقتصرت جهودهم على رعاية جهود الوساطة وحفظ السلام وإيصال الإغاثة، وهي جهود لو نجحت فإنها تبعد القضية عن عناوين الأخبار وبالتالي عن الأجندة السياسية، وبالتالي تتيح للسياسيين التفرغ إلى ما يرونه أهم.

 

وعليه فإن الكرة الآن هي في ملعب حركات دارفور المسلحة والمدنية والسياسية. فعليها وحدها يقع عبء إعادة القضية إلى الواجهة عبر توحيد المواقف وإطلاق عملية سياسية دارفورية لا تقصي أحداً حتى يتم التوصل إلى موقف يكون مقنعاً لكل أطياف دارفور أولاً، ثم لغالب مواطني السودان، وأخيراً للمجتمع الدولي. وليس الطريق الأسلم هو البداية من الخارج.

Abdelwahab El-Affendi [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]

\\\\\\\\\\\\\