Abdelwahab El-Affendi [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]

لو أجرينا تصنيفاً للدول العربية من منظور وضع الحريات العامة فيها فإن أياً من اليمن والسودان لن يحتل ذيل القائمة. ولا يعود الأمر فقط إلى الحالة شبه الديمقراطية التي يعيشها البلدان حالياً، وما تسمح به من تعددية حزبية مقننة وفاعلة إلى حد كبير، ولكن حتى في أسوأ عهود البلدين الدكتاتورية لم تبلغ قدرة الدولة على القمع والكبت ما بلغته في الدول العربية الأخرى، وذلك بسبب وجود مؤسسات وبنى اجتماعية قوية خارج نفوذ الدولة المباشر، وهي مؤسسات توفر الحماية لأفرادها من قهر الدولة، وكثيراً ما تعوض ضعفها أو غيابها. وإذا قارنا الدولتين  ببقية دول الجزيرة العربية ودول مثل سوريا وليبيا والجزائر وتونس، أو حتى بمصر والمغرب والأردن، فإن قوة الدولة وقدرتها على قمع وإسكات أصوات المعارضين تظل محدودة، كما أن الدولة تبقى في موضع الدفاع، ولا تتمتع بالسيطرة التي تتمتع بها في تلك البلدان.

ويعود هذا إلى حد كبير إلى التعددية الطبيعية في البلدين، وبقاء البنى الاجتماعية التقليدية من قبلية وغيرها على قوتها، إضافة إلى وجود تعددية جهوية نتجت عن تشكل الدولة من أكثر من إقليم لها هويتها المميزة. وفي البلدين فإن الدولة هي مجرد لاعب بين لاعبين كثر، قد تكون أهمهم وأقواهم، ولكنها لا تنفرد بالأمر، بما في ذلك حيازة السلاح واستخدامه. وإن كان لحكومات البلدين توجهات استبدادية وهمة كبيرة في سبيل تحقيق غرض الانفراد بالأمر، فإن نجاحهما في ذلك ظل محدوداً.

يطرح هذا الوضع سؤالاً مهماً: لماذا تبدو الدولتان في البلدين على شفا الانهيار والتفكك، في حين أن الدول التي تمارس قدراً أكبر من القهر ما زالت تتمتع بما يشبه الاستقرار النسبي؟ وهل يعتبر هذا دعماً لحجج أنصار التوجه الاستبدادي القائلة بأن إطلاق الحريات النسبية هو الطريق الأقصر إلى الفوضى؟ وقد كانت هذه قديماً حجة توماس هوبز في ضرورة إطلاق يد الدولة وعدم تقييدها بأي مسؤولية تجاه مواطنيها، لأن استقلال الدولة الكامل عن كل قطاعات المواطنين هو الضمانة الوحيدة لحفظ الأمن والسلام بين المواطنين الذين تؤدي أنانيتهم لامحالة إلى حرب شاملة بين الجميع. ولكن كما نعرف فإن التفكير السياسي والممارسة معاً قد أثبتا خطأ ما دفع به هوبز، حيث اتضح أن الدولة الديمقراطية المحدودة بسلطة القانون وإرادة الشعب هي الضمانة الأكثر فاعلية لوحدة واستقرار البلدان.

كلاً من اليمن والسودان متهمان بأنهما على الطريق ليصبحا دولاً فاشلة (وفي حالة السودان تم وصف الدولة سلفاً بأنها فاشلة، بل أنها تحتل القاع بين كل الدولة الفاشلة في العالم، وهو خطأ كبير في التنظير والتطبيق معاً)، وكلاهما تواجه معارضة مسلحة وخطر التفكك. وفي الحالين يبدو أن السياسات الرسمية في العهود غير الديمقراطية مسؤولة إلى حد كبير عن التدهور الذي شهدته أوضاع البلاد. ففي السودان أدت سياسة نظام النميري إلى إعادة إشعال الحرب الأهلية في الجنوب، وفشلت الحكومات المتعاقبة منذ ذلك الحين في إيقافها، بل زادتها اشتعالاً. وقبل ذلك فإن أزمة الجنوب تفاقمت في فترة الحكم العسكري الأول تحت قيادة الفريق ابراهيم عبود، مخلفة تركة ثقيلة لمن جاء بعده. وبالمثل ساهمت سياسات الحكومة الحالية في زيادة حدة الصراع في الجنوب، وأيضاً في تفجر أزمة دارفور ووصولها إلى ما وصلت إليه.

وليس هناك جدال في أن طبيعة الأنظمة الاستبدادية في شطري اليمن قبل الوحدة قد أدت إلى تفاقم أحداث العنف في كليهما وبينهما أيضاً، حيث شهدت البلاد انقلابات دموية وحروباً أهلية متتالية، إضافة إلى استمرار الصراع العنيف بين نظامي البلدين حتى جاءت الوحدة كحبل إنقاذ لكليهما. وقد شهدت فترة ما بعد الوحدة أول حقبة ديمقراطية حقيقية في اليمن في تاريخه، ولكن نزعة نظام الرئيس علي عبدالله صالح الاستبدادية أجهضت الديمقراطية والوحدة معاً.

كثير من المعلقين يرتكب خطأ نسبة تفكك الدول إلى زوال الأنظمة الاستبدادية، مستشهدين في ذلك بما شهدته دول مثل العراق ويوغسلافيا والصومال والاتحاد السوفيتي تعرضت للانهيار والتفكك بعد زوال الأنظمة الاستبدادية. والاستنتاج هو أن الأنظمة الاستبدادية هي التي حفظت الوحدة، والديمقراطية هي التي أدت إلى التفكك. والحقيقة هي بالعكس تماماً، ففي كل هذه الدول نجد الأنظمة الاستبدادية هي التي أساءت إدارة التنوع الطبيعي في كل مجتمع، وحاولت تجاهله والإيهام بعدم وجوده أحياناً، أو استغلاله لضرب الأطراف بعضها ببعض. ولعل حالة الصومال فريدة من نوعها، كونها أكثر بلاد العالم انسجاماً، حيث تكاد تكون البلد الوحيد في العالم الذي يشترك سكانه في العرق والدين واللغة والمذهب. ولكن نظام سياد بري اختلق من هذا الانسجام تقسيمات ما أنزل الله بها من سلطان لضرب المواطنين بعضهم ببعض، فلم ينقذ ذلك نظامه من الانهيار، ولكنه أدى إلى انهيار الدولة على رؤوس مواطنيها.

اليمن أيضاً يفخر بهوية موحدة منذ آلاف السنين، وقد ارتكبت قيادة الحزب الاشتراكي خطأً كبيراً حين قررت معالجة إشكالية الديمقراطية بالانفصال، وهو نفس الخطأ الذي ترتكبه الحركة الشعبية في السودان، لأنه يمثل فراراً من معركة الديمقراطية. وبنفس القدر فإن القوى الإسلامية والقومية في اليمن قد ارتكبت بدورها خطأً كبيراً حين انحازت لدكتاتورية صالح تحت شعار الوحدة. وقد أدرك الطرفان خطأهما بعد فوات الأوان، حيث عادت كل الأحزاب إلى الفهم القائل بأن الدفاع عن الديمقراطية والوحدة هو في نهاية المطاف قضية واحدة، وأصبحت المعارضة المنضوية في إطار "اللقاء المشترك" تدير نضالها المشترك وفق هذا الفهم، رغم وجود قوى فاعلة يئست من الوحدة وأصبحت تنفخ في نار الانفصال مستخدمة شعارات تعبوية تجد بلا شك صداها في الشارع.

أي دعوة انفصالية هي بطبيعتها معادية للديمقراطية، لأن مثل هذه الدعوات لا بد أن تنطلق من إدانة جماعية لقطاع كامل من شعب الدولة (يتم تحديده عرقياً وثقافياً وجهوياً) ودمغه بأنه غير صالح للعيش معه تحت سقف واحد. وربما تكون هناك عوامل موضوعية تبرر استحالة التعايش بين قطاعات شعب بلد معين، ولكن خطوط التقسيم تكون مصطنعة في الغالب. وليس هناك تعبيراً عن اصطناع الحواجز والحدود من أن الدفاع عن موقف الحركة الشعبية المؤيد لحرمان بعض المواطنين الجنوبيين من حق المشاركة في الاستفتاء حول حق تقرير المصير تولاه مواطن شمالي أماً وأباً وأجداداً، وهو عينه الآن مرشح الحركة الشعبية للرئاسة.

ولسنا هنا بمعرض انتقاد أو دعم موقف الحركة الشعبية من هذه المسألة، ولكننا نريد فقط أن نشير إلى الطبيعة السياسية لمحددات الهوية في هذه الحالة وغيرها. ففي الخطاب الأيديولوجي للانفصاليين الجنوبيين فإن التعايش بين أهل الجنوب وعرب الشمال مستحيل بسبب التباين العرقي والثقافي بين شطري البلاد. ولكننا في نفس هذا الإطار نرى الحركة تحتضن مواطنين شماليين ينحدرون من قبائل امتهنت تجارة الرقيق بينما تشكك في هوية وولاء ضحايا تجارة الرقيق من الجنوبيين، بل أيضاً تصنف قطاعاً كبيراً من أبرز مناضلي الحركة الشعبية نفسها في خانة الأعداء بسبب اختلاف الرؤى السياسية. مرة أخرى لا يجب أن يفهم من هذا أننا ننتقد أو نؤيد مواقف الحركة في هذا الصدد، فقد تكون قيادة الحركة محقة تماماً في مواقفها. ولكن موضع التساؤل هنا هو الأسس التي تتخذ على أساسها هذه المواقف، وهي أسس سياسية تتغير بتغير الأوضاع والقيادات والمصالح. وعليه ليس هناك ما يحتم أن تكون الحركة النضالية الجنوبية انفصالية.

وبنفس القدر فإن تبني بعض القيادات في اليمن الجنوبي للتوجه الانفصالي هو خيار سياسي لا يفرضه واقع غلاب كما يصوره الخطاب الأيديولوجي الانفصالي، لأن عين من ينادون بالانفصال اليوم كانوا بالأمس من أنصار الوحدة اليمنية، بل والوحدة العربية ووحدة البروليتاريا حول العالم. وقد كانت تدخلات هؤلاء في شأن اليمن الشمالي (بل وأيضاً الشأن السوداني والاثيوبي والفلسطيني) من أبرز سمات سياستهم الداخلية. وحينما كانت الوحدة تخدم اجندتهم كانوا يقاتلون ويقتلون من أجلها. أما اليوم فإن الأجندة السياسية أصبحت في نظرهم تخدم بالخطاب الانفصالي.

إن الحل الأمثل في السودان كما في اليمن هو في الوحدة في إطار ديمقراطي، وأي حل آخر هو هروب إلى الأمام من مواجهة تحديات الواقع واستحقاقاته. ذلك أن الانفصال لا يعني نهاية الخلاف والصراع، كما نرى في الجنوب حالياً من صراع دموي ومن خلافات بين رفاق الأمس في الحركة الشعبية. وفي داخل الحركة الشعبية كما في اليمن الجنوبي الماركسي، اكتسبت الصراعات السياسية في كثير من الأحيان طابعاً دموياً، واستخدمت القبلية سلاحاً برغم الشعارات اليسارية التقدمية. وفي شمال السودان نرى الصراع بين الإسلاميين بلغ درجة أن كلا جناحي الحركة الإسلامية يجد من الأسهل لها التعامل مع الحركة الشعبية والحزب الشيوعي من التعامل مع الفصيل الإسلامي الآخر. وبالمثل نجد الحركة الشعبية تفضل التعامل مع الترابي على التعامل مع لام أكول وبونا ملوال، والعكس بالعكس للمؤتمر الوطني.

إن مهددات الوحدة والاستقرار في اليمن والسودان معاً تتمثل في العجز عن إدارة التنوع، والتمسك بأجندة ضيقة تعمق الخلافات القائمة، وتضيف خلافات وتصدعات جديدة في أوساط الشعب وبنية الدولة. وهناك خيارات أخرى كان أن يمكن أن تقوي أسس وتوجهات الوحدة والسلام والاستقرار. وفي نهاية الأمر فإن الخيارات السياسية هي التي تحدد مسار الدول ومستقبل الشعوب. فقد فضلت الهند الخيار الديمقراطي التعددي غير الإقصائي، فحافظت على وحدتها واستقرارها رغم تنوعها المذهل، بينما تصدعت باكستان واستمرت تواجه عدم الاستقرار رغم ما يوحد بين شعوبها من لحمة الدين والتاريخ لأن النخب فيها قدمت مصالحها قصيرة الأمد على مصلحة الأمة والوطن. وهذه هي أيضاً المعضلة في كل من السودان واليمن. ما نتمنى أن نراه هو شيئاً من التضحية بالمصالح الزائلة (أين هو سياد بري اليوم وأين ميلوسوفيتش وتشارلز تيلور؟) لاستبقاء الأوطان ولو على حساب بعض الأنظمة التي ستزول حتماً لو زالت الأوطان.