أقرب إلى القلب :

(1)

ما عنيتُ إلا السفير الوزير أستاذنا جمال محمد أحمد.
لا زلت أتذكر، وأنا دبلوماسي مهنيّ في وزارة الخارجية ، بكثيرٍ من الاعتزاز تلك الرسالة البديعة التي خطها يراع المفكر الدبلوماسي الضليع جمال محمد أحمد في عام 1985 ، عام الانتفاضة في السودان ، وقد بعث بها من على صفحات الصحف السيارة إلى الراحل جون قرنق . فحوى الرسالة، أن فرصة سنحت بعد انقضاء عهد نميري ، لفتح صفحة جديدة ، وأن على قائد التمرد في جنوب البلاد، أن يجلس إلى القادة السودانيين، بوجوههم الجديدة . كان الراحل جمال م. أحمد، ينطق عن فكر عميق، وعن تجريب طويل في التمعّن في مسيرة السياسات الأفريقية في القارة الفتية، وقد كبرت وقتذاك، ورسختْ أقدامها .


(2) جمالٌ -عندنا - هو حكيم من حكماء السودان ، بل ومن حكماء القارة الذين لن يتكرر مثيلٌ لهـم يسيرا. إن الأطروحة الأكاديمية التي نال عنها درجته العليا من جامعة "إكستر"، كانت عن جذور القومية العربية ، الفكر والممارسة، وخرجت كتاباً عن مطابع جامعة "أوكسفورد"، لعمقها وتميزها . ولقد تشعّبت دراسته فتناولت نتاج عدد من المفكرين والمبدعين في العالم العربي، وبتركيز على اسهام المفكرين في مصر، مثل العقاد وطه حسين و لطفي السيد، وأضرابهم .
وعلى الساحة الأفريقية، لم يكن جمال بعيداً عن ملفاتها وهي تخرج من عباءات الاستعمار، تضمد جراحاته واستغلاله لتبني إستقلالها، معتدة في ذلك بثراء ثقافاتها التي أنكرها المستعمر، وبررتها مدارسه الفكرية الاستعمارية، تلك التي زينت لساسة أوروبا في القرنين الماضيين، أن القارة أرض خلو من الثقافة والاجتماع والاقتصاد ، بل صوروها مرتعاً للتخلف، وأوهمونا أن على العالم الأول "المتقدم" أن يأخذ بيد القارة، لمراقي العصرنة والتنوير، وإدخالها إلى "رينيزانس" جديد. . حقبة نهضة جديدة. إن لم يغب عن نظر جمال الفاحص أن لتطور مجتمعاتنا العربية جذوراً بعيدة راسخة في أصولها الحضارية عبر تاريخ كان له في بعض فتراته، أفضال كبيرة على الحضارة الغربية التي نرى اليوم ، فإن بصره لم يغفل عما في التربة الافريقية من جذور تمثل ثقافة لها تميزها ولها مكوناتها ولها وجدان يعدل ما لحضارة الغرب من تأصل ورسوخ.


(3)
لم يستهن جمال بفكرة الولايات المتحدة الأفريقية، إذ كتب عنها، وهي بعد فكرة يتوجّس منها من يتوجّس ، وظنّ الزعماء الأفارقة، وفيهم زعيم مثل السردونا في نيجيريا ، أن كوامي نكروما – المروّج الأول لها - محض حالم يروّج لفكرة أقرب إلى الخرافة ، تجفو مقاربة الواقع ، بل كانت سببا أودى ببريق "النكرومائية" في سنوات الستينيات تلك ، فقضى الرجــل في منفاه .
كان بوسع جمال - الذي عركته الدبلوماسية كما السياسة ، وقد بلغ فيها درجة الوزير المسئول عن السياسة الخارجية للبلاد، لسنين عددا - أن يجلس وهو في عقده الثامن، ليخلو إلى نفسه وإلى مراتع كتبه ، يجتر ويفكر ويكتب ، لا يشغل نفسه بما حوله ومن حوله. لكنه كان مثقفاً ضليعاً، جرّب الكتابة والصحافة والفلسفة والتربية، وصال في حواري الأدب وتفقه وأبدع، فكان راعياً لاتحاد الكتاب السودانيين، في سنوات الثمانينيات من القرن الماضي. وما لاحظنا بدعاً من سحر الرجل، ولا كيف خلع قبعة ولبس أخرى . لكني أقول إن المثقف الذي يسكن روح جمال، لم يغادر مقامه في جميع أحوال وتحوّلات جمال الفكرية والدبلوماسية . ما غادرته الثقافة وهو سفير ، بل رسخت أكثر وهو يُستوزر من قبل نميري، وكان اختياراً حكيماً، على ما يُعاب أحيانا على هذا الرئيس من سؤ في اختياره بعض مساعديه ووزرائه. تعدّدت قبعات جمال التنفيذية ، لكن بقيت قبعة واحدة لم تبرح رأسه المفكر : هي قبعة المثقف الدبلوماسي العبقريّ .


(4)
حين أمسك قلمه وسطر رسالته لجون قرنق ، كتبها والقبعة الأصيلة راسخة فوق رأسه. لم ينطق عن دبلوماسية امتهنها فحسب، أو عن استوزارٍ قديمٍ مارسه في السبعينات، ولا عن مطمع في استوزارٍ لاحق في ثمانينات القرن وهو في ثمانينات العمر . وقتها كانت انتفاضة أبريل عام 1985 ، في عجلة أمرها، تنظر في ملكات ومواهب من يقتدر ويمسك بالوزارات، فتكاد تتعثر في نظرها، بعد أن تلوّثتْ ضمائر عديدة إبان الحكم المايوي. لم تكن لجمال وقتها من مرجعية، إلا كونه ذلك الكاتب المفكّر المتعمّق في الفكر العربي ، كما في الشأن الأفريقي ، بأنفة مستعرب نوبي ينحدر كبرياؤه، ليس من رصيد رماة الحدق فحسب، بل ممّن حركوا جلاميد الصخر، حفروا وشيدوا من الجبال جبالا، ومن الحجر بنيانا، يكاد يطال السحاب ، يمتدّ معابد وتماثيل واهرامـات، من الجيزة وحتى أصقاع مروي وشندي إلى الجنوب.
كانت مسقط رأسه "سرة شرق"، حاضرة في الذي كتب جمال إلى قرنق ، مثلما حضرتْ "سالي فو حمر ". شهدت أيام جمال ولياليه في مدينة الزهرة الجديدة "أديس أبابا" ، كيف يستغرق السفير في انقطاعه الدبلوماسي ، ليكسب ما يعينه على استبصار محيطه الأشمل : وجه القارة الموزّع بين الصحارى والغابات ، قصعة الموارد الأفريقية، وقــد أنشبت أظفارها وأنيابها من حولها، ذئاب أوروبا ، تحرّكها أطماع، ويقودها جوع للسيطرة واستعباد الناس، وقد ولدوا من صلب أمهاتهم أحرارا. كان جوعاً كافر الوجه واليد واللسان. .


(5)
لمّا اطلع جمال على كتاب المؤرخ البريطاني "بازل دايفيدسن" ، "أفريقيا تحت أضواء جديدة "، وأكمل ترجمته إلى العربية في أديس أبابا ، فكأنه هو الذي كتبه ، أو لعله من فرط إعجابه، رآه السِفر الذي يكمل السفر الذي كتبه هو على أيامه في جامعة "إكستر" في بريطانيا، في سنوات الأربعينات من القرن العشرين: عن الجذور الفكرية للقومية العربية . كان في بطن كتاب دايفيدسن، ذلك النصف الذي يكمل نقصان كتاب جمال . بعد أن أكمل ترجمة كتاب دافيدسن ،" افريقيا تحت أضواء جديدة"، وخرج عن مطابع بيروت في بداية الستينيات من القرن العشرين ، انقطع جمال للنظر في الأرض الافريقية التي تقف عليها قدماه . وما كان بعدها بعيداً عن ذلك التوتر الذي ساد القارة وقد تنافرت إثره أجزاؤها لمجموعتين اوائل الستينيات ، واحدة للرباط وأخرى لمنروفيا . قدر القارة الأفريقية أن تمضي على ذات الأنفاق التي ولج عبرها الطامعون والمغتصبون ، تنهش ذئابهم جسد القارة البكر بلا رحمة . لكن سلطان العدل ، بعد جحيم الحرب العالمية الثانية والارتضاء لمواثيق أممية أهمها ميثاق الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الانسان، أقرّ حقوق الشعوب في الامساك بقياد أمورها . شهدت تلك الحقبة واقعاً جديداً ، نالت في حميّاه العديد من بلدان القارة استقلالها .


(6)
شهد أستاذنا السفير جمال، كلّ هذا الحراك وهو في أديس ، وكان ممن بسطوا الملفات وأداروا الحجج لبناء منظمة الوحدة الأفريقية، وصاغوا ميثاقها . تعلق بالذاكرة ما جاء في كتابه "عرب وأفارقة" ( الخرطوم، ط.2 1999) ، عن أجواء قاعات المؤتمر في العاصمة الاثيوبية، تضم قيادات القارة الأفريقية، وأسد يهوذا يزأر في كبرياء يعجب . هنا ، في ساعة العمل الجاد والحازم ، حسم جمال أمره، مثقفاً ومفكراً قبل أن يكون موظفاً دبلوماسياً . ولم ير أنسب من القلم والفكر، يحركان ملفات السياسة وتقلباتها بين زعماء القارة ، وقد توقد وجدانهم بزخم الاستقلال ، وآمال الوحدة ، إذ صارت حلماً قريب الوقوع ، وبريقاً يتخطف الأبصار خطفا .
هكذا لم يكن ذهن جمال عروبياً محضاً ، ولا كان افريقياً صريح التطرف . لمس إذّاك، أن للسودان تفرّده بين العرب ، مثلما تبيّن له تميّزه عن بقية الأفارقة . كان السودان قد التحق بالجامعة العربية في نهاية عام استقلاله : 1956، وكان مُرحباً به من كل عضويتها على غير ما شاع ، ثم هو في عام 1963 ، يكون من بين أكثر البلدان حماساً لتأسيس منظمة لوحدة القارة الأفريقية . عرفتْ الدبلوماسية السودانية رجالاً كثيرين على شاكلة جمال ، تشرّبوا من ذات النبع الذي استسقى منه ، فكانوا كباراً بفكرهم، كباراً بممارساتهم ، كباراً بحكمتهم في الدبلوماسية. .


(7)
حريّ بالجيل الحالي من الدبلوماسيين السودانيين ، أن يتعرّف على دبلوماسية الرعيل الأول ، وهي تتحرّك في أروقة الأمم المتحدة، دفاعاً عن حق مصر وحق العرب بعد حرب 1956، أو ما عرف بالعدوان الثلاثي على مصر. عرف الناس هناك وزيراً سودانياً يلسن بصوت جهور، وبرأيٍ راجح، إسمه محمد أحمد محجوب . عرفته الوجوه الدبلوماسية الغربية في دهاليز الأمم المتحدة ، وما كان غريبا أن يسجل بعد ذلك بسنوات، تجربته في كتاب بعنوان : "الديمقراطية في الميزان" ، ويقدم له اللورد كارادون ، مندوب بريطانيا الأشهر في الأمم المتحدة، تلكم السنوات ، تقديم رجل يعرف قدر الرجال الحكماء ويجلّهم .
على الأجيال الحالية أن تتعرّف على دور السودان في درء الانشقاق ينخر في جسم الجامعة العربية ، شآمها وعراقها ومصرها ، حين دفعت إدارة آيزنهاور الأمريكية، بقطع أسطولها قبالة سواحل لبنان ، على أيام كميل شمعون عام 1958 ، وكيف لعب محمد أحمد محجوب وزير خارجية السودان، إبان وقوع تلك الأحداث الجسام ، دوراً بارزا ، فكان الاطفائي العربي لهذه الأزمة ، بحكمته وعبقرية انتمائه لبلد متفرّد متميز بمكوناته الجغرافية، وعناصره التاريخية . ثم في عام 1967 ، وجرح حرب الأيام الستة يدمي الجسد العربي ، فتحت الخرطوم صدرها للآءات الرفض الثلاث. ومن نزع فتيل فتنة حرب اليمن ؟ أليس هو المحجوب نفسه وزير خارجية السودان، الذي ابتدر صلحاً بين السعودية ومصر ؟


(8)
ينبغي على دبلوماسيينا كما على أبناء الوطن ، أن يتعرفوا على دور السودان في القارة الأفريقية ، حين كان السودان ملاذاً وحيداً آمناً، لقيادات القارة وهي تنازع حقها في الوجود المستقل . حلّ الامبراطــــور هيلا سيلاسي بالقصر القرمزي في بُـرّي الشريف في العاصمة السودانية ، أيام الحرب العالمية الثانية، حين غزا موسوليني أراضيه بما فيها اريتريا ، ووصلت قواته حتى مشارف الحدود السودانية عند كرن ، التي غنت لها المغنية الراحلة عائشة الفلاتية ، بما ألهب حماس المقاومين للغزاة الطليان .
حين زار الخرطوم نلسون مانديلا في أوائل الستينيات، قبيل سجنه الطويل ، حظي بجواز دبلوماسي سوداني معتبر، يعينه في التحرّك بحرية ، وقت أن زاد تربّص الدولة العنصرية القائمة في جنوب افريقيا، به . وإنه من المحزن إذ رأيناه في حياته، يزور عواصم القارة عدة في السنوات الأخيرة ، ولا يأبه بالخرطوم ، لكأنّ السياسات المتغيرة، لا تتجاوزها مقتضيات الوفاء. .
ثم الكونغو، وقصة لوممبا هناك . . وبعدها قصة يوغندا ولجوء ميلتون أوبوتي إلى السودان، بعد انقلاب الجنرال عيدي أمين عليه عام 1971 . . قصص عن أدوار للسودان، تنبي عن شموخ وعزة ، يريد الطامعون أن يطمروها في غبار النزاعات، ونساعدهم نحن على ذلك، بارتباك سياساتنا وتردّدهـــا . .


(9)
وإني إذ أحدثك هنا، عزيزي القاريء عن جمال ، فإني أحدّث عن أحد بناة حكمة الدبلوماسية السودانية ، هذه التي هيأت لنا مكاناً ينبغي أن نحافظ عليه ، على الصعيد العربي، وعلى الصعيد الافريقي.
لكن جمالاً لم يكن دبلوماسياً يراهن على حذق الكلام والتفاوض والمناورة، ويقف عندها ، بل كان مثقفاً أصيلاً، استوعب مكونات انتمائه ، وقرأ عناصرها بعمقٍ وتفكر. وحتى بعد أن غادر الدبلوماسية ، فقد بقي وفياً لفكره ، معتمراً قبعته الفكرية المستديمة . في عام 1985 - ووقتها كان جمال رئيساً لاتحاد الكتاب السودانيين في نشأته الأولى - فطن لمكوناته الثقافية ولانتمائه الراسخ للوطن ، ورأى مستحقات الانتماء بينة جلية ، فجاءت رسالته الحكيمة البليغة للراحل قرنــق، قبل أن تستفحل المواجهات القتالية في جنوب السودان . كتب المفكر جمال رسالته، وعلى رأسه قبعة المفكر، لا الوزير ولا السفير . ولعلي لا أبالغ إن زعمت، أنه لو بلغ مغزاها أذن قيادات الحركة الشعبية ، واستوعبت حكمتها ذلك الوقت المبكر، لكنا بلغنا "نيفاشا" وقتها في مركب واحد ، ولاختصرنا هذه الدماء التي أريقت ، ولوفرنا هؤلاء الشهداء ممن أهدر شبابهم جزافا ، ولأبقينا على نساءٍ ترملن في شرخ شبابهن .. ولكان الوطن السوداني وطناً واحدا متماسكاً.

(10)
رأيت في رسالة الراحل جمال، شجاعة المثقف الدبلوماسي المفكر، يقترح ويبادر ولا ينتظر حاكماً يأمر ، أو ينحني لضغوطاٍ تثقل قلمه ، فتملي عليه الانهزام أوالتراجع. كان مثقفاً لا يهاب السلطة ، تغريه أو ترهبه، ساءت نواياها أم حسنت . لم يكن مهادناً منكسراً ، ولا كان مغطرساً طاغياً ، ولا إقصائياً لا يقبل الآخر. كان هو الحكمة الدبلوماسية في أبهى صورها.
في النازية البغيضة ، قال جوبلز وزير الدعاية عند هتلر : "كلما سمعت كلمة ثقافة، تحســست مسدسي !" لكن ليس مُهمّـاً قول جوبلز، بل المهم هو ما يقوله المثقف الشجاع، رداً عليه وعلى مسدسه المُشهر . حين أجيل البصر حولي، أذهل إذ أرى بعض من يسمع كلمة "دبلوماسية" عندنا، يكاد يشهر مسدسه ، بمثلما فعل "وزير الدعاية النازي، لا يسمع لناصحٌ ولا ينصت لمستشار. . .

الخرطوم – يونيو 2018

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.