(2) 

مفهوم التنمية وحصاد التجربة السودانية
نواصل في قضايا المؤتمر الاقتصادي المنعقد في الخرطوم : 26/9 – 28 / 9 ، ونعيد نشر هذه الورقة حول مفهوم التنمية وحصاد التجربة السودانية.

أولا : مفهوم التنمية
رغم أن الهدف المباشر بعد ثورة ديسمبر تحقيق برنامج اسعافي عاجل للفترة الانتقالية لاصلاح ما خربه نظام الانقاذ ، واستعادة العافية للاقتصاد السوداني ، لينطلق وفق خطة تنموية مدروسة، يشمل البرنامج الاسعافي : وقف التدهور والخراب الاقتصادي، وتحقيق التوازن الداخلي والخارجي، وتحسين الأوضاع المعيشية، وتركيز الأسعار، وتصفية النشاط الطفيلي المدمر للاقتصاد، وتقليص الصرف علي القطاع السيادي والحكومي والأمن والدفاع، واستعادة أموال وممتلكات الشعب المنهوبة، وعودة شركات الذهب والبترول والمحاصيل النقدية ، والشركات التجارية للجيش والأمن والدعم السريع وشركات الاتصالات لولاية المالية وتقوية القطاع العام باعتباره ركيزة التنمية، مع القطاعات الأخري التعاوني والمختلط، والخاص ، ورفع ميزانية التعليم والصحة، وبقية الخدمات " كهرباء ، مياه، اصحاح بيئي.الخ"، وإعادة تاهيل قطاعات النقل " سكة حديد ، نقل بري و بحري ونهري وجوي "، والمشاريع الزراعية والصناعية والخدمية التي توقفت، وايجاد فرص عمل للشباب ، وتقوية الصادر مما يعزز موقف الجنية السوداني، وسيطرة بنك السودان علي العملة الأجنبية، وتغيير العملة وغير ذلك من توفير المقومات اللازمة للتنمية ، ولكن ما هو مفهوم التنمية؟
ينظر البعض للتنمية باعتبارها مظاهر للعمران التي تتمثل في: المصانع والحقول والطرق والكباري وشواهق المباني، لكن تلك النظرة تظل قاصرة ، اذا لم تستهدف التنمية الانسان باعتباره هدف التنمية ، واشباع حاجاته الأساسية المادية والروحية، وان يكون هدف التنمية تحقيق العدالة الاجتماعية حتي لا تكون الأموال دولة بين الأغنياء، وأن تكون التنمية شاملة ومتوازنة بين أقاليم البلاد المختلفة، ومرتكزة علي كل ماهو ايجابي في تراث وقيم شعبنا.

ثانيا: حصاد التجربة السودانية في التنمية
السمة الأساسية التي ميّزت التجارب التنموية في السودان هي عدم الاستقرار في أنظمة الحكم واضطراب احوال وأوضاع الدولة السودانية في مراحل تطورها المختلفة والانقطاع في التطور الطبيعي والباطني للمجتمع السوداني.
ترجع جذور التخلف في السودان الي فترة الحكم التركي (1821- 1885م)، عندما اصبح اقتصاد السودان موجها لخدمة أهداف دولة محمد علي باشا في مصر، والذي كان يهدف الي تحقيق النهضة الصناعية والزراعية للحاق بركب اوربا، ودارت كل عجلة التنمية خلال تلك الفترة لخدمة ذلك الهدف الخارجي، رغم مظاهر العمران والحداثة التي ادخلها الحكم التركي- المصري في السودان مثل: التعليم المدني، القضاء المدني، ادخال فنون الزراعة الحديثة ومحاصيل نقدية جديدة مثل: الصمغ والنيلة..الخ، وقيام مصانع الذخيرة والبارود والصابون.الخ، وادخال نمط الدولة المدنية، وضم المديريات الجنوبية واقليم التاكا(مديرية كسلا) ودارفور حتي ظهر السودان بحدوده الحالية، وارتبط السودان بالعالم الخارجي وتأثر به أخذا وعطاءا.
ولكن سياسات حكام العهد التركي التي استنزفت قدرات البلاد المادية والبشرية، وأرهقت كاهل المواطنين بالضرائب الباهظة، أدت الي هجرة المواطنين لأراضيهم وسواقيهم، ونزوح الرعاة الي تخوم البلاد خوفا من تلك الضرائب التي يتبع في تحصيلها قهر وتعذيب شديدين. كما حدثت تشوهات في المجتمع السوداني أدت الي تراكم الانتفاضات والسخط والغضب حتي تم تتويج ذلك في الثورة المهدية.
أ - دولة المهدية:
جاءت دولة المهدية نتاج ثورة شعبية مسلحة، وكانت قياداتها من أصول قبلية وطبقية واجتماعية متباينة، ومن حيث الطبيعة: كانت دولة المهدية دينية، استمدت نموذجها من الدولة الإسلامية التي قامت في عهد النبي(ص)، من بيت مال، ودار قضاء وافتاء وجيش ..الخ، واصبح الامام المهدي علي رأس الدولة باعتباره خليفة رسول الله، ويليه خلفاؤه وأمناؤه الذين كان يستعين بهم في تصريف الشئون المدنية والادارية والعسكرية والقضائية.الخ.
كانت وظائف دولة المهدية متعددة ومتنوعة: فهي دولة عسكرية، أي انها كانت في حالة حروب داخلية وخارجية مستمرة، وكانت لها وظائفها الاقتصادية: كانت لها أراضيها (ملكية الدولة) التي كانت تؤجرها للمزارعين بنسب معينة من المحصول، وكانت مصادر دخلها من الزكاة والغنائم والضرائب والعشور اضافة لمؤسساتها الأخري مثل: مطبعة الحجر ومصنع الذخيرة والعصاصير والطواحين.الخ.
الغت دولة المهدية التعليم المدني ( المدارس الابتدائية والمدارس التبشيرية) ورجعت لنظام الخلاوي كشكل وحيد للتعليم، كما الغت القانون المدني الذي كان سائدا في العهد التركي وحلت محله التشريعات المستمدة من الامام المهدي والأعراف المحلية.
كما رفعت المهدية المذاهب الأربعة وحلت الطرق الصوفية واصبحت المهدية هي الوحيدة التي تمتلك الإسلام الصحيح. كما تم حرق الكتب (عدا القرآن وكتب الأحاديث)، كما اتخذت المهدية قرارات مثل: منع الغناء والرقص وضرب المزامير ومنع التنباك وحجر النساء.الخ.
لكن التنمية التي تمت في ظل دولة المهدية فشلت في تحقيق العدالة الاجتماعية والأهداف الأساسية التي قامت من اجلها الثورة، وهي رفع الظلم عن الناس. كما عرفت دولة المهدية التفاوت الطبقي، وعرفت المؤشرات العامة للتخلف مثل: انتشار الأوبئة والأمراض والمجاعات التي فتكت بالناس، اضافة للحروب التي قضت علي أعداد كبيرة من السكان (تقلص عدد السكان في بداية المهدية من 9 مليون نسمة الي 7 مليون نسمة في نهاية دولة المهدية حسب نعوم شقير).
عرفت دولة المهدية المعارضة من منطلقات مختلفة: الدينية، والقبلية، والطبقية ، كما عرفت الصراع علي السلطة، وكان من نتائج هذا الصراع أن فقدت المهدية أغلب قياداتها التاريخية نظرا لأن الصراع كان يدار بالقمع والنفي والاعدام، وكان من نتائج ذلك التفكك والضعف الداخلي الذي كان من عوامل زوال دولة المهدية.
ب - دولة الاحتلال الانجليزي:
جاء الاحتلال الانجليزي - المصري للسودان عام 1898م، واصبح السودان خاضعا لاحتياجات بريطانيا الخارجية. لا جدال أن دولة الحكم الثنائي احدثت نحولات اقتصادية واجتماعية وعمرانية، رغم ان أهداف المستعمر من ذلك كانت محدودة، أي كانت في حدود استقرار النظام والحكم وتمهيد الطريق لاستنزاف خيرات البلاد وفقا لعلاقات التبادل غير المتكافئة مع البلدان الرأسمالية، الا أن لكل تحولات نتائجها الايجابية علي التطور العام في المجتمع، ورغم ان التحولات تمت بدفع من من الحكم الثنائي، وما جاءت نتاج لتطور باطني طبيعي في المجتمع أو قادتها طبقة رأسمالية أو اقطاعية مستنيرة(كما حدث في اليابان مثلا)، رغم كل ذلك أدي انشاء السكك الحديدية والميناء ومشروع الجزيرة ومشاريع القطن الأخري، وكلية غردون والتعليم المدني الحديث وقيام الصحافة السودانية.الخ، كل ذلك أدي الي تحولات اجتماعية واقتصادية، كان لها الأثر الواضح في تطور الحركة الوطنية (الأحزاب، والنقابات، ومؤتمر الخريجين، والصحافة..الخ)، حيث ظهرت قوي اجتماعية جديدة مثل: العمال، والتجار، والمزارعين في المشاريع الحديثة، والخريجين(الأفندية)، والضباط،..الخ، وهذه القوي هي التي قادت النضال ضد المستعمر واسهمت في انجاز الاستقلال.
وعن حصاد التنمية الاستعمارية التي باشرتها دولة الحكم الثنائي نشير الي الآتي:
- أصبح السودان خاضعا لاحتياجيات بريطانيا ومد مصانعها بالقطن الذي كان المحصول النقدي الرئيسي في تلك الفترة، وقامت مشاريع زراعة القطن لتلبية ذلك الاحتياج الخارجي.
- أحكمت بريطانيا سيطرتها علي تجارة السودان الخارجية من خلال سيطرتها علي البنوك الأجنبية التي كانت تتحكم في حركة رأس المال في اتساعها وانكماشها، كما كانت الشركات البريطانية تسيطر علي معظم تجارة الصادر والوارد، أما ماتبقي فقد سيطرت عليه الشركات الأجنبية الأخري (الأجانب المتسودنين) من يونانيين وشوام، والجزء الضئيل المتبقي للنشاط التجاري فقد عملت فيه الرأسمالية السودانية المحلية.
- ترتب علي نمط التنمية التي فرضها المستعمر علي السودان وهي التخصص في زراعة محصول نقدي واحد(القطن)، أن تخلفت الصناعة، وتم اجهاض أي محاولة من جانب الرأسمالية السودانية الناشئة لاقامة صناعة وطنية.
- ظل حوالي 90% من السكان مسجونا في القطاع التقليدي الذي يعتمد علي أساليب الزراعة التقليدية وتربية الماشية. أما ميزانية التعليم فقد كانت متواضعة لاتتعدي 2% من الميزانية العامة، وميزانية الصحة بلغت 4%، أما نفقات قوة دفاع السودان فقد كانت 8،9%( تقرير الحاكم العام 1938م).

- لم يعرف السودان برامج التنمية الا في الأعوام: 1946م – 1951م، 1953م – 1956م، بعد ضغط الحركة الجماهيرية وازدياد نمو الوعي الوطني الذي كان يطالب بزيادة ميزانية التعليم.
ج - بعد الاستقلال:
بعد الاستقلال لم يحدث تغيير يذكر في التركيبة الاقتصادية والاجتماعية التي خلقها المستعمر وازداد الوضع سوءا بسبب عدم الاستقرار السياسي والانقلابات العسكرية، وفشل الأنظمة الحاكمة (المدنية والعسكرية) في التنمية، اضافة لتعميق حرب الجنوب، وكان الحصاد بعد اكثر من64 عاما من الاستقلال علي النحو التالي:
- انهيار كل البنيات التي خلفها الاستعمار مثل مشروع الجزيرة، والسكك الحديدية، والنقل النهري، والخطوط الجويّة السودانية.
- ديون خارجية بلغت حوالي 60 مليار دولار.
- عجز غذائي ومجاعات.
- حروب وعدم استقرار داخلي.
- نماذج فاشلة للتصنيع حيث انهارت حتي الصناعات الخفيفة مثل: النسيج والزيوت. الخ.
- عدم تحقيق الأهداف المباشرة المنشودة من التنمية الرأسمالية التي قادتها الفئات المدنية والعسكرية في السودان، وكانت هناك آثار سلبية لتضخيم دور الاستثمار في التنمية.
- عدم الثقة بالنفس وتزايد الاعتماد علي الغير.
علي أن الوضع شهد تدهورا سريعا في فترة مايو (1969- 1985م)، ولاسيما بعد التخفيضات المتوالية في الجنية السوداني بعد عام 1978م وتصاعد النشاط الرأسمالي الطفيلي علي حساب النشاط الانتاجي في الصناعة والزراعة، وظهرت فئات الرأسمالية الطفيلية والبنوك الأجنبية التي أسهمت في تدمير الاقتصاد السوداني وتهريب الأموال اللازمة للتنمية الي الخارج ( الفائض الاقتصادي).
وبعد انقلاب 30 يونيو 1989م، ورغم الشعارت الدينية التي رفعها النظام لتحقيق العدالة، الا ان سياسات النظام التي اعتمدت الخصخصة وسحب الدعم عن السلع والخدمات الأساسية أدت الي افقار أغلبية الشعب السوداني حسب الاحصاءات الرسمية 94% يعيشون تحت خط الفقر(التقرير الاستراتيجي 1997م)، وتصاعد النشاط الطفيلي وتدهور الإنتاج الصناعي والزراعي، وتزايدت الهجرة من الأرياف الي المدن، واصبح تبديد الفائض الاقتصادي في الصرف البذخي وتهريبه للخارج والاستثمار في العقارات هو السائد. ولم ينعكس استخراج البترول علي حياة المواطنين العادية، وعلي تطور الزراعة والصناعة وتوفير ودعم خدمات التعليم والصحة، بل تدهورت تلك الخدمات الي درجة الانهيار التام، وأي تنمية يمكن تحقيقها بدون تعليم وصحة؟!!.
كما اختل توزيع الدخل القومي حيث أصبح العشرة الأغني لديه حوالي 60%، وال 40% الأفقر لديهم 8% فقط من الدخل القومي (بروفيسور محمد هاشم عوض: السوداني الدولية، السبت 19/3/ 1994م).
وخلاصة القول: ان التجارب التنموية في السودان فشلت في تجديد البلاد ووضعها علي أعتاب المجتمع الصناعي الزراعي المتطور، رغم عراقة شعب السودان وحضاراته القديمة التي كانت لا تقل تطورا عن الحضارات المعاصرة لها، كما تم الفشل في ترسيخ الديمقراطية والسلام ورفع مستويات المعيشة والارتقاء بخدمات التعليم والصحة والكهرباء والمياه وتوفير البنيات الأساسية اللازمة للتنمية، وأصبح السودان في ذيل قائمة الدول الأكثر تخلفا في العالم، ورغم امكانياته وموارده الزراعية والحيوانية والبترولية والمعدنية والسياحية، وما زالت مهام التنمية قائمة تنتظر الانجاز في ظروف عالمية(العولمة) وداخلية معقدة
تواصل نضال الحركة الجماهيرية حتى نضجت العوامل الموضوعية والذاتية، مما أدي لقيام ثورة ديسمبر، والتي من ضمن مهامها اصلاح الوضاع الاقتصادية والمعيشية ، كما هو مطروح في المؤتمر الاقتصادي القادم، في ظل صراع اجتماعي وطبقي يتجلي في هل نسير في التوجه الخارجي و تنفيذ شروط صندوق النقد الدولي التي كان حصادها هشيما أم نسلك سبيل التوجه الداخلي دون الانعزال عن الخارج، بانتهاج طريق التنمية المستقلة؟.
ثالثا: فما هي أهم عناصر التوجه الداخلي أو التنمية المستقلة؟
عندما نتحدث عن التنمية ننطلق من الواقع في تجلياته وتحولاته المختلفة، كما ان طرق التنمية متعددة ويتم فيها تفاعل بين الأصالة والمعاصرة، كما انه عندما نتحدث عن تنمية مستقلة، لايعني ذلك الانعزال عن العالم، كما ان طريق التنمية الرأسمالية الذي سارت عليه البلاد منذ الاستقلال كان فاشلا، وان هذا الطريق استند علي النظريات الغربية حول مفاهيم التخلف والتنمية، وعجزت تلك النظريات عن تفسير التخلف وأهملت الطبيعة الخاصة للبلاد المتخلفة وتراثها وتقاليدها وظروفها الخاصة، ومن خلال النقد للفكر الاقتصادي الغربي التقليدي وفشل مفاهيمه ومقولاته حول التخلف والنمو وعجزها عن تفسير التخلف، ظهرت دعوات بديلة للتنمية المستقلة علي النحو التالي:
*- الاعتماد علي النفس في مواجهة الاعتماد فقط علي المعونات والقروض والاستثمارات.
-: ظهرت فكرة
التوجه الداخلي للتنمية في مواجهة انقسام الاقتصاد الي قسم حديث مرتبط عضويا بالشركات متعددة الجنسيات، وقسم (تقليدي) وتسمي احيانا تنمية متمحورة حول الذات * .
*- الوفاء بالاحتياجات الأساسية في مواجهة اثراء الأقلية وفقر الأغلبية.
*- التنمية البيئية في مواجهة نهب الموارد الطبيعية حتي الاستنفاد.
*- وفي مواجهة النظم العسكرية الديكتاتورية الشمولية، ظهرت فكرة الديمقراطية ومشاركة الجماهير باعتبارها الشرط لنجاح التنمية.
*- التكنولوجيا الملائمة في مواجهة الانبهار بأحدث تكنولوجيا العصر.
*- بناء قاعدة علمية وتكنولوجية وطنية في مواجهة التبعية الناشئة عن الاعتماد علي استيراد تقنيات الانتاج.
*- الأصالة والهوّية الثقافية والحضارية في مواجهة الذوبان في الثقافة أو الحضارة الغربية.
*- الانفلات الجزئي عن الدوران في مسار او فلك النظام العالمي.
*- الاستقلالية بمعني انتقال مركز صنع القرار من الخارج الي الداخل.
وعندما نتحدث عن التنمية في السودان نأخذ في الاعتبار الاتي:-
- السودان دولة متعددة الثقافات والأديان والمناخات والأعراف، ويتميز بمستويات تطور متباينة ومتعددة في أنماط المعيشة وقوي الانتاج وعلاقات الانتاج، وهذا الوضع له انعكاسه في بنية المجتمع الفكرية والثقافية والايديولوجية ويؤثر علي تطوره السياسي.
تأخذ التنمية في الاعتبار هذا الواقع باعتباره مصدر غني واخصاب، وبالتالي يكون النظام السياسي والاجتماعي والثقافي متوافقا مع هذا التعدد، وأن وحدة وتكامل السودان تتم من خلال التنوع واحترام حق كل شعب في تطوير ثقافاته وممارسة شعائره الدينية ومعتقداته، وان يتم التعبير عن ذلك في دستور ديمقراطي يجسد هذا الواقع.
- لايمكن الحديث عن التنمية دون أخذ خصائص وموروثات شعب السودان وتقاليده ودمجها في البناء الثقافي العام، ومساهمتة المتميزة في مجري الحضارة العالمية، تلك الخصائص التي تنطلق من واقع السودان العربي- الافريقي وتعدد دياناته، دون ان يعني ذلك الانغلاق باسم الخصوصية المحلية، ولكن بهدف التطلع الي الأمام والمستقبل.
- اعادة بناء الاقتصاد السوداني علي أساس اعطاء الأسبقية للانتاج الصناعي والزراعي والحيواني، وتشجيع الرأسمالية المنتجة، سواء كان ذلك في قطاع الدولة أو الخاص او التعاوني، والقضاء علي النشاط الطفيلي الضار بالحياة والمجتمع والفكر والثقافة.
- بناء الدولة المدنية الديمقراطية التي تكفل الحقوق والحريات الأساسية واحترام المواثيق الدولية المتعلقة بحقوق وحريات الانسان، وذلك شرط هام للتنمية والسلام وتوحيد الوطن علي أسس طوعية وديمقراطية.
- لا يمكن الحديث عن التنمية بدون الديمقراطية واشراك أوسع قطاعات الجماهير في عملية التنمية نفسها التي تهدف الي توفير احتياجات الانسان الأساسية، واحداث التنمية المتوازنة بين أقاليم السودان المختلفة.


قضايا المؤتمر الاقتصادي (3/3)

تجربة صندوق النقد الدولي في السودان
نواصل في هذا الجزء الأخير في قضايا المؤتمر الاقتصادي ، بإعادة نشر هذه الدراسة عن " تجربة صندوق النقد الدولي في السودان" .
يُعتبر صندوق النقد الدولي كارثة علي الاقتصاد السوداني ، منذ تنفيذ شروطه في العام 1978 ، كما هو معلوم تبلورت فكرة صندوق النقد الدولي في يوليو 1944 أثناء مؤتمرللأمم المتحدة في يريتون وودز ، وتأسس فعليا عام 1945، بعد أن وقعت عليه 29 دولة تحت شعار " العمل علي تعزيز سلامة الاقتصاد الدولي"، بعد تجربة الأزمة الاقتصادية والكساد في الثلاثينيات.
الصندوق مع البنك الدولي أداتان من أدوات الدول الرأسمالية الكبري للسيطرة الاقتصادية ، ونشر الرأسمالية والدفاع عن قواعدها في العالم ، وخدمة مصالحها باسترجاع ديون الأغنياء، مما يزيدهم غني، والفقراء فقرا، ودمج البلدان المتخلفة بالنظام الرأسمالي العالمي بفرض شروط التبعية علي البلد المقترض مثل:
- إلغاء الدعم علي السلع الضرورية، ورفع أسعار المحروقات ووحدات الطاقة الكهربائية ووقف دعم القطاع العام للأسعار" توازن التكاليف والأسعار".
- التوسع في اقتصاد السوق والقطاع الخاص.
- تخفيض قيمة العملة.
- برامج التكيف الهيكلي بالخصخصة وتشريد العاملين ، وسحب الدولة يدها من تعيين الخريجين بحجة تخفيض النفقات الحكومية.
- فتح السوق المحلي أمام الواردات الأجنبية تحت شعار تحرير التجارة، مما يضعف القدرة التنافسية للمنتجات المحلية ، وربما يؤدي لتوقفها.
حصيلة هذه السياسات التي يفرضها البنك والصندوق الدوليين كانت وبالا علي الدول التي طبقتها ،وادت لتعميق الفقر وزيادة تكاليف المعيشة ، وتدهور القوى الشرائية ، والمزيد من التصخم والعجز في الميزان التجاري وميزان المدفوعات، والفشل في تحقيق الاصلاحات المطلوبة ، واستفحال المديونية ، مما أدي للثورات مثل : ثورات الشعوب في المنطقة العربية " الربيع العربي"، ودول أمريكا الجنوبية، وبعض البلدان الأوربية والآسيوية.
ويمكن أن نشير الي تجربة وآثار سياسات الصندوق الاقتصادية والاجتماعية في السودان في الآتي:
بعد انقلاب يوليو 1971 الدموي اتجه نظام مايو نحو مؤسسات الرأسمالية العالمية ، وفُتحت الأبواب للشركات متعددة الجنسيات والبنوك الأجنبية ( التي عادت منذ بداية النصف الثاني من السبعينيات من القرن الماضي بعد قرارات التأميم عام 1970 ) لدخول السوق السوداني ( لورنرو – شيفرون – ترياد .. الخ ) ، التي أنهكت الاقتصاد السوداني بارتفاع تكلفة إنشاء المشروعات ( كنانة ارتفع من 120 مليون دولار إلى حوالي مليار دولار ) ، إضافة للفوائد العالية للقروض التي وصلت أحيانا إلى 16 % وما تبعها من فساد وعمولات ، كما ساعدت على نمو طبقة رأسمالية طفيلية استفادت من الارتباط الكثيف بالسوق الرأسمالي العالمي ، كما نالت الشركات والبنوك الأجنبية امتيازات عديدة متمثلة في قوانين تشجيع الاستثمار الصناعي والزراعي والخدمي .

* في العام 1977 ، فشلت الخطة الخمسية المعدلة ( 1970 /1971 – 1976/ 1977)، وتعمقت الأزمة الاقتصادية جراء الفساد والصرف الضخم علي جهاز الدولة والأمن والدفاع ، وفشل ما يسمي بمشاريع التنمية ، وأصيح النظام لقمةً سائغة لشروط صندوق النقد الدولي التي اعترض عليها وزير المالية الشريف الخاتم يومئذ ، واقترح معالجة الأزمة باجراءات تخفيض مصروفات الدولة ، وتمّ اعفاؤه من منصبه ، وجاء بدر الدين سلمان الذي نفذ شروط الصندوق التي تتلخص في ( تخفيض الجنية ، وايقاف مشروعات التنمية،وسياسات التقشف. الخ).
منذ ذلك الوقت تدهور الاقتصاد السوداني علي النحو التالي:
- تدهور في الميزان التجاري والعجز المتزايد والمستمر فيه، تفاقم العجز في ميزان المدفوعات ولجأ النظام إلى الاستدانة لتلبية حاجات الاستهلاك والتنمية ، وفي نهاية هذه الفترة بلغت ديون السودان 9 مليار دولار .

- تم إجراء خمسة تخفيضات في قيمة الجنية السوداني ، ورغم ذلك تدهور الميزان التجاري ، كما زادت حدة التضخم (بلغ المتوسط 37 % في الفترة: ( 78 / 1979 – 84 / 1985) ، بينما كان المتوسط 22 % في الفترة : (70 / 71 – 77 / 1978 ) . ( د . عبد المحسن مصطفي صالح : صندوق النقد الدولي في السودان ، الكويت فبراير 1988 ) .
- شهدت الفترة:( 78 / 1979 – 84 /1985) أكبر عملية تهريب لروؤس الأموال السودانية إلى الخارج (تصدير الفائض الاقتصادي للخارج). وتم تقدير رأس المال الهارب بحسابات مختلفة 19 مليار دولار ، 16 مليار دولار ، 11 مليار دولار ، ومهما يكن من أمر إذا أخذنا المتوسط 15 مليار دولار ، نلاحظ أن رأس المال الهارب للخارج كان ضخما . وحسب د . على عبد القادر ً إن القطاع المصرفي السوداني يقف متهما بتمويل عملية تهريب رأس المال من خلال تمويله لعمليات السوق السوداء للنقد الأجنبي ، ونلاحظ سريعا ، أن القطاع المصرفي مملوك للدولة بنسبة 60 % !!! . ( د . على عبد القادر على: حول سياسات التصحيح وهروب رأس المال، الكويت فبراير 1988 ).
وخلاصة الأمر ، في نهاية هذه الفترة استفحلت الأزمة الاقتصادية وفقد السودان استقلاله الاقتصادي وسيادته الوطنية ، فنجده يشترك في مناورات قوات النجم الساطع ، ويشترك رموز النظام في جريمة ترحيل الفلاشا ، ودفن النفايات النووية وغير ذلك من الهوان الذي ألحقه حكم الفرد بالسودان .
وكانت انتفاضة مارس – أبريل 1985 ، بعد الزيادات في أسعار المحروقات والسلع التي أدت لاقتلاع نظام الديكتاتور نميري. وجاءت فترة الديمقراطية الثالثة.
ترك هذا الارث أثره علي فترة الديمقراطية الثالثة " 1985- 1989" ، فقد كان الوضع كالآتي:

1 – انعقاد المؤتمر الاقتصادي في عام 1986 والذي خرج بتوصيات تتلخص في الآتي: -
أ – إعادة تعمير وتأهيل المؤسسات والمشاريع الإنتاجية والخدمية في القطاعين العام والخاص ، واعادة تعمير المناطق التي تأثرت بالجفاف والمجاعة .
ب – إصلاح النظام المصرفي وتصفية النشاط الطفيلي.
ج – إشاعة الديمقراطية واشراك العاملين في المؤسسات الإنتاجية .
د – تحسين أجور ومرتبات العاملين والمنتجين على أن يرتبط ذلك بزيادة الإنتاجية وتوفير مدخلات الإنتاج بالنسبة لمؤسسات القطاع العام والخاص الإنتاجية .
ه – إصلاح وتحسين خدمات التعليم والصحة.
و – لجم وسائل التضخم وتخفيض أسعار السلع الرئيسية واصلاح قنوات التوزيع .
ز – وضع خطة اقتصادية لتنفيذ برنامج الإصلاح الاقتصادي تخضع جميع السياسات الاقتصادية والمالية بهدف الاستغلال الكامل للطاقات الإنتاجية المتاحة واصلاح مسار الاقتصاد السوداني .
2 – رغم قرارات وتوصيات المؤتمر الاقتصادي ، إلا أن السياسات التي سارت عليها حكومات تلك الفترة أدت إلى استمرار مظاهر الأزمة الاقتصادية التي تتلخص في الآتي : -
أ – ركود الإنتاج السلعي ( زراعة – صناعة ) وتضخم قطاع خدمات المال والتجارة ، أي أن وزن الطبقات الطفيلية الإسلامية والمايوية كان مؤثرا في النشاط الاقتصادي ، الشيء الذي عرقل محاولة أي إصلاح ، وبالتالي انعكس ذلك على النشاط السياسي وإجهاض الانتفاضة وتقويض الديمقراطية .
ب – استفحال المديونية الخارجية التي بلغت 14 مليار دولار .
ج – عجز مقيم في الموازنة الداخلية وميزان المدفوعات.
د – تزايد معدلات التضخم إذ بلغ اكثر من 45 % .
ه – تدهور متواصل في سعر صرف الجنية السوداني .
و – تزايد معدلات استهلاك الفئات الطفيلية، وارتفاع معدلات الاستيراد وانكماش الصادرات وتزايد المنصرفات.
كما استمرت حكومات ما بعد الانتفاضة في السياسة التقليدية التي تسببت في الأزمة الاقتصادية مثل: تقليص دور الدولة، إلغاء الضوابط على حركة المبلغ والسلع والتخلص غير المدروس والتدريجي من القطاع العام خاصة في مجال البنوك والتأمين والتجارة.
ز – التشجيع المفرط للقطاع الخاص المحلي والمختلط والأجنبي دون اعتبار للأولويات والسيادة الوطنية ، وذلك بالإعفاءات والتغاضي عن التهرب الضريبي .
ح – إطلاق العنان لقوى السوق بافتراض أن ذلك يساوى بين الأسعار وتكلفة الإنتاج ويقربها من مستويات الأسعار العالمية مما أدخل البلاد في حلقة تعديلات سعر الصرف دون تحقيق الأهداف المطلوبة.
ط – التوجه الخارجي للاقتصاد السوداني والاعتماد شبه الكامل على العون الخارجي ، فعلى سبيل المثال في الفترة : ( 1986 – 1989 ) ، تم تحقيق تمويل تنموي ( عن طريق العون الخارجي ) بلغ مجموعه 7 مليار دولار لتمويل التنمية والبترول والسلع التموينية والاستهلاكية ومعدات عسكرية كان تفاصيلها كالآتي : 3 مليار دولار للتمويل التنموي ، مليار دولار لسد العجز في كل سنة بعضه بترول وبعضه دعم سلعي ، 3 مليار دولار للمعدات العسكرية ، ( الصادق المهدى : تحديات التسعينيات ، 1990). .
3 – تفاقم حرب الجنوب التي كانت تكلف 3 ملايين من الجنيهات يوميا ، إضافة للخسائر في الأرواح والمعدات، والمجاعات ،وتوقف التنمية في الجنوب ، وبذلت محاولات كثيرة من قيادات الأحزاب والتجمع والنقابات والشخصيات الوطنية للسلام ووقف الحرب في شكل مبادرات وندوات، حتى كللت هذه المحاولات بتوقيع اتفاقية (الميرغني _ قر نق) ، التي أجهضها انقلاب 30 يونيو 1989 .
جاءت فترة انقلاب الإسلامويين بقيادة د. الترابي التي تمّ فيها تنفيذ توصيات صندوق النقد الدولي بأكثر
الأساليب وحشية ،حيث تمّ تحرير الاقتصاد والأسعار ، اقتصاد السوق ، الخصخصة أو تصفية مؤسسات القطاع العام ، التخفيضات المتوالية للجنية السوداني. الخ، مما أدي لتدهور القطاعين الزراعي والصناعي وقطاع الخدمات وتفاقم العجز في الميزان التجاري ، وزيادة عبء الديون التي بلغت بنهاية هذه الفترة 60 مليار دولار، وتزايد الفقر حتى وصل الي 95% ، والتدهور المستمر في قيمة الجنية السوداني حيث تجاوز سعر الدولار أكثر من 80 جنية عشية سقوط رأس النظام باختصار كانت الحصيلة:.:
أ – عجز في الميزان التجاري رغم تصدير البترول و الذهب ، وعجز في ميزان المدفوعات .
ب – تدهور قيمة الجنية السوداني وتفاقم التضخم والغلاء .
ج - تدهور الإنتاج الزراعي والصناعي وتفاقم النشاط الطفيلي والفساد .
ه – تبديد الفائض الاقتصادي في الصرف البذخي والاستهلاكي والاستفزازي وتهريب الأموال للخارج ، وتفاقم المضاربة في العقارات والأراضي والثراء الفاحش من قطاع الدولة والعمولات .
أدي ذلك الي تفاقم أزمة النظام وسقوطه بعد إعلان رفع الدعم عن الوقود والزيادات في الأسعار في ديسمبر 2018 ، مما اشعل نيران الثورة أو القشة التي قصمت ظهر البعير، وكان سقوط رأس النظام في 11 أبريل 2019.
أخيرا ، بعد كل هذه التجربة المريرة والكارثية مع صندوق النقد الدولي منذ العام 1978 ،تواصل الحكومة في "تجريب المجرب" الذي لن يقود الا للمزيد من الخراب، مما يتطلب أوسع مقاومة لسياسة الصندوق وشروطه في رفع الدعم ، والتوجه الداخلي للاقتصاد السوداني، والسيطرة علي كل موارد البلاد وشركات الذهب والبترول واستعادة ممتلكات الشعب المنهوبة، وتحسين أوضاع الناس المعيشية، والتوجه للانتاج وتقوية الصادر، وتخفيض منصرفات الأمن والدفاع وجهاز الدولة، وعودة كل شركات الجيش والأمن والدعم السريع والاتصالات للمالية.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.