لم تقع في أيدينا، رغم البحث في الأرشيف الذي غطي سنوات ماركس الأخيرة 1881- 1883 أي ما بين اندلاع الثورة المهدية ووفاة ماركس في 14 مارس 1883 ، رسالة لماركس عن الثورة المهدية كما أورد السيد الصادق المهدي بدون توثيق دقيق لها في مقاله عن : "الماركسية ..قراءة جديدة "، سودانايل ، 7- 5- 2018 ، وثروت قاسم في مقاله عن " ماركس والمهدي الكبير"، صحيفة الميدان ، الخميس 10 – 5- 2018.

لكن فردريك انجلز رفيق درب ماركس هو الذي تطرق للثورة المهدية في مقال له بعنوان : (إسهام في تاريخ المسيحية الأولية) الذي جاء فيه :

( إن انتفاضات العالم المحمدي - الإسلامي - بخاصة في أفريقيا تشكل حالة مناقضة فريدة مع هذا ، فالإسلام هو دين صيغ على قدر الشرقيين وعلى العرب بشكل أخص ، أي من جهة سكان مدن يمارسون التجارة والصناعة ، ومن جهة أخرى بدو رحل ، وهنا توجد بذور تصادم دوري : سكان المدن الذين أصبحوا موسرين وباذخين أهملوا مراعاة الشريعة ، والبدو الفقراء وبسبب ذوو العادات الصارمة نظروا بحسد وطمع إلى هذه الثروات وهذه المتع ، اتحدوا تحت قيادة نبي مهدى لمعاقبة الكفار وإقامة حكم الشريعة والإيمان الصحيح ، وللاستيلاء كثواب على كنوز الكفار.

وبعد مضي مائة عام وجدوا أنفسهم بالطبع في نفس الوضع الذي كان فيه هؤلاء حركة تطهير جديد تصبح أمرا ضروريا ، مهدى جديد يظهر ، وهكذا دواليك ..

جرت الأمور على هذا النحو منذ حروب الفتح التي خاضها المرابطون والموحدون ( المرابطون عائلة مالكة مغربية في أفريقيا الشمالية وجنوب اسبانيا : 1056 – 1146 ه ، والموحدون : عائلة مالكة مغربية أطاحت بالمرابطين عام 1146 ومارست السلطة حتى العام 1269 ه ) الإفريقيون في اسبانيا حتى المهدي الأخير في الخرطوم ظافرا .. كان الأمر كذلك تقريبا بالنسبة لثورات في فارس وغيرها من المقاطعات الإسلامية .

هذه حركات ولدت من أسباب اقتصادية ، رغم أنها ارتدت قناعا دينيا لكنها عند نجاحها تترك الشروط الاقتصادية كما هي لا تغيير البتة إذن والصدام يغدوا دوريا .. وبالمقابل في الانتفاضات الشعبية في الغرب المسيحي ، القناع الديني لا يخدم إلا كراية وقناع ضد نظام اقتصادي أصبح فائتا في النهاية يطاح بهذا النظام ، ينهض نظام جديد ، ثمة تقدم ، العالم يسير .. ).

( انجلز : إسهام في تاريخ المسيحية الأولية ، مجلة العصور الحديثة ، السنة 13 ، 1894 – 1895 ، المجلد 1 ، العدد 22 ) .

معلوم أن انجلز أسهم مع كارل ماركس في صياغة النظرية الماركسية التي هي منهج لدراسة الواقع والعمل علي تغييرة ، وتأخذ المتغيرات الجديدة في الاعتبار وخصائص وواقع كل بلد ، وليس صحيحا ما ذكر السيد الصادق المهدي في مقاله المذكور بأنها "قميص حديد أيديولوجي يوجه الإنسانية في كل زمان ومكان"، بل منهج ماركس أنه كان يعيد التحليل من جديد اذا حدثت متغيرات جديدة. كما أن ماركس كان يتجاوز نفسه باستمرار ، ونظر للدين بمنهجه الديالكتيكي الشامل: من جانبه السلبي الذي تستغله الطبقات المالكة لتكريس سلطتها، ومن الجانب الإيجابي الذي يمكن أن يكون أداة في يد الطبقات الكادحة لتحررها الاجتماعي، علما أنه قبل الثورة المهدية كان قد أشاد برجل الدين ( مانزر ) في حرب الفلاحين في المانيا وثنائه على دوره الخلاق والواعي كرجل دين مصلح، وأن القضية الأساسية بالنسبة لماركس ، كانت ضد استغلال الدين لتبرير الاضطهاد الطبقي والظلم الاجتماعي القائم، وأن هدفه ليس تفسير العالم ، بل تغييره وإلغاء استغلال الإنسان للإنسان، وأن الجوهري في أفكار ماركس أن حرية العقيدة لا تنمو ولا تزدهر الا بتوفير العدالة الاجتماعية والاقتصادية بين الناس ، ولا يمكن للإنسان أن يكون حرا في عقيدته في مجتمع قائم على استغلال الإنسان للإنسان ، كما أن القيم الروحية والأخلاقية السامية لا غنى عنها في بناء المجتمع الاشتراكي الديمقراطي.

نلاحظ أن انجلز كان دقيقا عندما أشار إلى أن ( المهدي في الخرطوم الذي جابه الإنجليز ظافرا ) .. وربما كان ذلك يعزى إلى أن إنجلترا بعد هزيمة الثورة العرابية احتلت مصر ، وبالتالي أصبح صراع المهدى عمليا ضد الإنجليز ، ومهما يكن من شيء ، فإنه كان موفقا في تحديد الاستعمار الذي هزمه المهدي الذي هو الإنجليزي .

ومهم هنا ، أن نتناول بالنقد والتحليل مقولة "سكان المدن" و"سكان البدو" التي طرحها انجلز كسبب من أسباب الثورة المهدية ، بمعنى إرجاع الثورة المهدية إلى أسباب اقتصادية رغم أنها ارتدت قناعا دينيا ، لتحديد عما إذا كان هذا الطرح ينطبق على الثورة المهدية في السودان ، ولتحديد خصوصية الثورة المهدية وما هي تلك الخصوصيات التي تميزها عن طرح انجلز أعلاه ؟ .

ما ورد في تفسير انجلز لأسباب الثورة المهدية في السودان مثل التصادم بين سكان المدن الذين يمارسون التجارة والصناعة وبين البدو الرحل ، أي ثورة البدو الفقراء الذين اتحدوا تحت قيادة المهدى لمعاقبة سكان المدن الكفار وإقامة حكم الشريعة والاستيلاء على كنوز الكفار ..

هذا التفسير لا ينطبق بشكل دقيق على الثورة المهدية في السودان ، يمكن أن يتفق فيما يختص بإقامة حكم الشريعة والإيمان الصحيح وغير ذلك من أيديولوجية المهدي .

ولكن ربما نخطئ خطأً فادحا إذا تصورنا الثورة المهدية فقط من زاوية أنها ثورة سكان البدو الرحل الفقراء ضد سكان المدن الذين يمارسون التجارة والصناعة والذين أصبحوا باذخين وموسرين وغير ذلك .

فبنظرة عامة إلى طبيعة القوى التي اشتركت في أو ساندت الثورة المهدية نجدها تتكون من فئات جماهير المدن والبدو مثل : بعض مشايخ الصوفية وفئات من التجار و"الجلابة" وخاصة الذين ضربت الحكومة التركية مصالحهم في تجارة الرقيق ، ومن الطبقات الكادحة والفقيرة من سكان المدن والبدو والذين عانوا من الضرائب واستيلاء الحكومة وكبار الملاك على أراضيهم وبعض فئات الكتبة والموظفين والقضاء والعلماء الذين كانوا عاملين في جهاز الدولة ، وهذه القوى هي أخلاط أو أمشاج من سكان المدن والبدو ، بالتالي فإن وصف هذه القوى الثورية بأنها ثورة البدو الفقراء لا يعبر بشكل دقيق عن طبيعة قوى الثورة المهدية في السودان .

وإذا أخذنا بالمثل القوى التي عارضت الثورة المهدية نجدها أيضا تتكون من سكان بدو ومدن مثل: العلماء والفقهاء الذين ارتبطت مصالحهم بالحكومة التركية ، والتجار ومشايخ القبائل أو أعيان القبائل الذين ارتبطت مصالحهم بالدولة التركية ، ومشايخ طرق دينية ، وكبار الملاك من المزارعين والرعاة ..

كم أنه من غير الدقيق إرجاع الثورة المهدية إلى أسباب اقتصادية ، فإلى جانب الأسباب الاقتصادية كعامل حاسم كانت هناك أسباب دينية وثقافية وسياسية. الخ، رغم أن انجلز فد استدرك لاحقا أن العامل الاقتصادي ليس العامل الوحيد في التغيير ،بل هناك عوامل أخري تلعب دورها في التغيير تتكون من سياسية وقومية ودينية وتاريخ البلد المعين وتقاليده. الخ.

لكن ما أورده انجلز كان دقيقا عندما أشار إلى أنه بنجاح تلك الحركات ( ومنها الثورة المهدية في السودان) عندما تصل للسلطة تترك الشروط الاقتصادية كما هي لا تغيير البتة ، فهذا انطبق بشكل كبير على الثورة المهدية والتي أبقى نظامها الاقتصادي – الاجتماعي على التفاوت الطبقي ، وأبقي على الملكية الفردية. الخ .

شهد نظام المهدية التفاوت الصارخ بين الأغنياء والفقراء الذي كان سائدا أيام الحكم التركي – المصري ، وبالتالي شهدت التشكيلة الاجتماعية للمهدية صراعات قبلية وصراعات دينية وصراعات طبقية ، وصراعات من أجل السلطة ، اشترك فيها سكان المدن والبدو ، أي أن التصادم غدا دوريا كما أشار انجلز .

القناع الديني عند بداية الثورة الذي أورده أنجلز ربما انطبق بشكل كبير على الثورة المهدية ، فكما ذكر هولت " بعد تقلد السلطة كان لوم المهدي لأقربائه نتيجة لنظرتهم الدنيوية وتقلبهم في الترف وتمتعهم بالنفوذ ".

( للمزيد من التفاصيل : راجع تاج السر عثمان الحاج ، دراسات في التاريخ الاجتماعي للمهدية، مركز عبد الكريم ميرغني ، 2010 ).

أشار هولت أيضا إلى الطبقات الكادحة ( الفقيرة ) من جماهير القبائل وأشهرهم عرب البقارة في الغرب وامتلاك الغنائم ، ولم يهتم هؤلاء ( خلاف عبد الله نفسه والأتباع المخلصين للمهدي ) بالجانب الديني في الثورة ، وكانوا يتركون الجهاد عندما يحصلون على حوائجهم المادية .

بالتالي أن انجلز رغم تحليله الطبقي الصائب، الا أنه لم يتناول واقع السودان والثورة المهدية عن كثب، ولم يكن يمتلك المعلومات الكافية و التفصيلية عنها .

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.