منذ نجاح ثوة سبتمبر وتكرار ظهور صورته والبشير يقلده وسام الجمهورية ارتبك المشهد السياسي علي السيد الصادق المهدي فقد كانت حساباته منذ البداية تميل نحو قوة وثبات النظام وتسفيه حراك الشارع الشبابي بل وتيقنا ان ما يجري هو سحابة صيف عابرة لن تهطل في ارض النظام ومع ذلك جّهز ادواته للتعامل مع المتغيرات السريعة , فمرة مع الحرية والتغيير, ومرة ضدها وفي بعض الاحيان هو ضدها ومعها في الوقت نفسه ,ويستحيل يمنحها نمرة النجاح الكامل حتي لو حققت إنجازا بينا فالرجل من طبعه ومن سيرته ينتقص اي فعل لا يقوم به هو, وتلك مأساة شباب حزب الامة لايستطيع احد ان يعزف خارج نوتته السياسية رغم انه يزعم انه الحزب السياسي الوحيد الذي تحركه الديمقراطية وهي ديمقراطية يرسم ويراقب حركتها هو.

يعلم الصادق المهدي جيدا ان زلزالا مباغتا ضرب المشهد السياسي, وا ن ثورة الشباب السبتمبرية لاتشبه ثورتي اكتوبر وابريل فلتينك الثورتين ادوات مضي زمنهما ,ويعلم الصادق في كهوفه الباطنية ان الصورة النمطية لحزبى الأمة والإتحادي االديمقراطى حيث كانا تلقائيا يتسيدان الموقف ويفوزان لوحدهما بلحم الثورات قد تلاشت ,وهو بهذا يلجأ الي مزيد من إجتراح المصطلحات الغريبة لتتواكب مع الأحداث الشاردة, ولما كان لكل مقام مقال هاهو يستدعي خطابات جده عندما كان يحدث انصاره بقوله خاطبني في المنام رسول الله حتي يسبغ علي خطاباته نوعا من القدسية ,وهنا يسعي الصادق الي احياء الإيمان القديم بالمهدي بكونه مبعوثا الهيا , فلقد حملت الأخبار (كشف رئيس حزب الأمة القومي الصادق المهدي عن رؤية غيبية جاءته بشأن سقوط النظام عبر انفجار من داخله ) وهو حديث فيه كثير من الإستهبال السياسي الهدف منه إحياء نزعة التخلف التي كان يعتمد عليها في الإنتخابات في الماضي, غير ان الرجل فات عليه انه يخاطب جيلا غير جيل الأشارة ذاك, جيل مرجعيته وسائل الإتصال الحديثة

فسقوط النظام الذي سعي الي مصالحته طوال الثلاثين عاما لم يتحقق بالأحلام ,فالتحليل السياسي العلمي وحده كان يؤكد طيلة مسيرته انه ساقط لا محالة , إلا ان المهدي كان يتشكك في ذلك دائما هربا من المواجهة وإذعانا لواقع سلّم به, ويكذب الصادق المهدي في خطابه أمام أنصاره في الجزيرة أبا بولاية النيل الأبيض عندما يقول انهم تفردوا عن كل القوى السياسية كافة، والتي بحسب قوله شاركت النظام في مرحلة من المراحل وهو يقصد إتفاقية القاهرة التي اشاد بها في وقتها ,ولكنه "يطنش" ولاياتي علي سيرة مبادراته الكثيرة لمصالحة النظام التي كانت ستؤدي الي هبوطه الناعم , ويطنش قصدا عن مشاركة ابنه حتي اخر لحظة لسقوط الطوطم ,ولإستدرار العطف قال المهدي انه تعرض لثلاث محاولات إغتيال وأن محاولات اغتياله استمرت حتى سقوط النظام، وهي رواية كررها اكثر من مرة ولكنه لم يشرح لنا اين ومتي وكيف حدث ذلك ؟

الملاحظ في تحركات المهدي منذ الان إستعدادا للإنتخابات انه يلهث خلف الحركات المسلحة ويدعوها الي الإندماج في حزبه ,اوخلق تحالفات جديدة معه بعد ان اكتشف ان هذه الحركات ستأكل من قاعدته التاريخية في غرب السودان ,ولمزيد من "البلبصة " السياسية قال انه يتفق مع اهدافهم الساعية إلى تحقيق اللامركزية للولايات ,وقسمة عادلة للسلطة والثروة ,واعتراف بالتنوع الثقافي, وحقوق الإنسان، مؤكدا أنهم في حزب الأمة يملكون أغلبية في المناطق التي قامت فيها الحروب في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق، وأكد أن وجودهم في هذه المناطق اغلبية وزاد ” البغالط بنوريهو ” وأضاف أن سبب ذلك هو تبنيهم قضايا تلك المناطق وعندما كانوا في السلطة اشركوهم فيها، حتى قيل في حكومته بأنها تشبه "قطار نيالا واضح ان الصادق المهدي "يجقلب" منذ الان لمعرفته إن الخريطة قد تغيرت في كل انحاء السودان ولم يعد في مكنته إرسال مناديبه لدعم ترشيح زيد من الناس كما كان يفعل في الماضي وفما كان يطلق عليه النهب المسلح تحّول بفعل الوعي السياسي الي تنظيمات سياسية تملك تصوراتها وبرامجها لتنمية مناطقها وهي التي تفاوض حكومة الثورة الان علي قسمة السلطة والثروة ولم تعد في حاجة الي من ينوب عنها, نستغرب من دعوة الرجل الي الحركات المسلحة للإنضمام الي حزب الأمة وهي اشبه بدعوة السمكة للعيش في الشاطيء ,فكيف تطلب من فئات مستنيرة مثل هؤلاء ترك تنظيماتهم للإلتحاق بحزب طائفي علي راسه انت, وفي ربكته المستمرة وخوفه الذى يزداد نموا كل يوم ارسل المهدي في الايام الاولي للثورة رسائله المؤيدة للمجلس العسكري ولما لم يجد إستجابة تذكر تّحول الي الإشادة بحميدتي ولايزال يمد معه الجسور مثلما يفعل ذلك مع الحركات المسلحة.
جاء في الخبر ايضا ان الصادق المهدي كشف عن التأسيس الرابع لحزب الأمة القومي, وكذلك التأسيس الثاني لهيئة شؤون الأنصار، وأضاف إن الكيانين منفصلين عن بعضهما، كيان الأنصار دعوي وحزب الأمة القومي مؤسسة سياسية هنا "يتاوره دمله" القديم فهو لايستطيع ان ينكر ذلك فقد قاد في ستينات القرن الماضي اشرس معركة ضد عمه الأمام الهادي لكونه يجمع بين رئاسة الحزب وإمامة الأنصار رافعا يومذاك شعار الفصل بين القداسة والسياسة وها هو يعود اليوم بعد اكثر من نصف قرن من الزمان ليشرح لنا الفرق بين طبيعة كيان الأنصار وحزب الأمة ..



عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.