غربا باتجاه الشرق

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.  


كلما أبحرت خلال الوسائط الاعلامية المختلفة متلمساً الوقائع وتطورات الاحوال في السودان ساورني شعور بأن كل ما تطالعه عيناي من أنباء انما هو قديم مكرور، قرأته وخبرته من قبل، وأحس بأنني أطالعه للمرة الثانية او العاشرة. وفي كل مرة أهز رأسي يمنةً ويسرة، ثم أردد في سري بيت شعر قديم للزهاوي يقول فيه: (كأننا والماءُ من حولنا قومٌ جلوسٌ حولهم ماءُ). لا جديد البتة تحت شموس مرابعنا السياسية، بل هو القديم نفسه يتجدد، او كما يقول الفرنجة (الخمر القديمة في قنانٍ جديدة)!

قرأت يوم أمس في صحفنا ان الدكتور نافع على نافع توعّد (تحالف المعارضة) باتخاذ إجراءات صارمة ضدها لتبنيها الاعلان السياسي للجبهة الثورية، ووصف تلك الخطوة بأنها خطيرة. نسبت احدى الصحف الى نافع قوله: (ان تعترف المعارضة السياسية وتتبنى إعلان حركة مسلحة وتتحالف مع الجبهة الثورية التي تحمل السلاح أمر بالغ الخطر).

يخيل الىّ أن تحالف المعارضة هذا سبق له ان وقّع على أشياء مشابهة مع ذات الجبهة الثورية، او على الاقل صرح قادتها وأكدوا مراراً وتكراراً أنهم وتلك الجبهة على قلب رجلٍ واحد. ويخيل الىّ أيضا أن نافع ومن لف لفه من قادة الانقاذ أصدروا ذات التحذيرات من قبل. ولكن الامور اختلطت علىّ فأصبحت أرى ديك المعارضة حماراً، وحمار الحكومة ديكاً، وما عدت اذكر تفصيلات الأشياء على وجه التحقيق!

عموماً أنا لا أحب التعبيرات العامة مثل (تحالف قوي الاجماع الوطني)، وهو التنظيم الذي أميل الى الظن انه المعني بعبارة (تحالف المعارضة) المتقدمة، وأحسبها مضللة في جوهرها ومغزاها. وأفضل دائماً تفكيك مثل هذه التحالفات وردها الى اصولها، فأقول مثلاً: البعث، والمؤتمر الشعبي، والشيوعي، وبوتيك السندريلا. هؤلاء اذن هم الذين ادعوا أنهم (يتبنون) اعلان الجبهة الثورية. سبحان الله، ألم يسمع هؤلاء بفتوى النجمة الاعلامية الليبية الشهيرة هالة المصراتي، عقب اعلان الامم المتحدة قبل عامين أن مجلس الأمن تبنى قرار القصف الجوي على ليبيا، حين استهجنت النجمة الأمر وقالت أن (التبني) حرام شرعاً!

لنبدأ مشوارنا التفكيكي بحزب البعث، وهو ركن ركين من أركان تحالف قوى الاجماع المعارض. لماذا يتحالف هذا الحزب مع الجبهة الثورية ويتبنى اعلانها، ويساند ضمنياً خطتها للزحف المسلح من الاطراف الى العاصمة لتحرير السودان من قبضة الانقاذ؟! الذي أعرفه أن الفكرة والنظرية البعثية في جوهرها تنطلق من أمشاج نازية، ولهذا كان خير الله طلفاح، خال صدام حسين واستاذه، من أشد المعجبين بالفوهرر رودلف هتلر، يعلق صوره في صالون بيته في تكريت. وكُتب وأفكار الآباء العروبيين من لدن نبي البعث ميشيل عفلق تنادي بقوامة العرب وأحياء حضارة الامة العربية وتعزيز رسالتها، وبعث قيمها ومعانيها. هو إذن حزب العرب الداعين الى عقيدة العروبة خالصةً مصفّاة، المتطلعين الى استعادة أمجاد الدولتين الأُموية والعباسية وعزّهما. وشعارها: أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة! 
هذا عن البعث، أما العناصر المكونة لتحالف كاودا الذي هو عماد الجبهة الثورية، التي يزعم بعثيو السودان أنهم على وفاق مع خططها واستراتيجياتها، فإنها تضم مجموعات مسلحة تزعم انها تمثل الهامش. وهذا الهامش، بحسب هؤلاء، هم (الزرقة) من أبناء الأطراف الذين استعبدتهم واحتقرتهم الثقافة العربية المركزية في السودان عبر القرون، واستأثرت دونهم بالثروة والسلطة وجعلت منهم توابعاً وأزلاماً بغير حقوق!

الحركات الحديثة التي تضم أدعياء التهميش وأصحاب دعوات السودان الجديد، يمتد جذرها بطبيعة الحال الى الراحل العقيد جون قرنق. والأخير كما هو معلوم تشكلت عقيدته بتأثير قوي من حليفه الرئيس الاوغندي يوري موسيفيني، فكلاهما تلميذ للمعلم جوليوس نيريري صاحب نظرية الاشتراكية الافريقية التي حولت تنزانيا الى(كوشة) كبيرة. وموسيفيني بخلاف ما يعتقد الكثيرون ليس يوغنديا، بل ينتمي الى قبيلة التوتسي في رواندا، دخل هو واهله الى يوغندا لاجئين. ولكنه صمم على إقصاء القبائل العريقة التي ظلت تحكم يوغندا عبر التاريخ مثل قبائل اللانقي واللوقبارا والكاكو وغيرها. وجاء بنظرية جديدة مؤداها تحطيم كل المؤسسات القبلية الراسخة، وخلق يوغندا جديدة تكون السيادة فيها لأهل الهوامش، وذلك عن طريق تجييش فقراء المناطق الطرفية. وبحسب المفكر الدكتور على مزروعي فإن موسيفيني هو الوحيد في افريقيا الذي استطاع تنفيذ نظريته في نزع عضلة القلب وزراعة الأطراف في مكانها تنفيذاً حرفياً. وقد تأثر العقيد قرنق بذلك النموذج وقام بتطوير مفهوم السودان الجديد بناء على ذلك.

والجبهة الثورية السودانية على ذات الطريق، تؤمن بأنه يمكن تجييش (مظاليم) الأطراف والهوامش والزحف بهم لضعضعة المركز وتجريده من القلب العربي الاسلامي كلياً وخلق سودان جديد، يتأسس على مفهوم ثوري يكون من مقتضاه تحطيم الهيكل الحالي وتشييد هيكل آخر مختلف يتقلص معه الوجه العربي الاسلامي وينكمش بما يكفي لاستيعاب العناصر والمفاهيم الجديدة.

طيب يا أحبابنا في حزب البعث، المتحالفين مع ثوار الهامش الافريقي، قولوا لنا يرحمكم الله: كيف سيمر طريقكم الى بعث أمجاد العروبة وإحياء وتعزيز حضارة الامة العربية الواحدة ذات الرسالة الخالدة عبر كاودا واعلانات واستراتيجيات الجبهة الثورية التي تبنيتموها؟ كيف وكادرات هذه الجبهة تملأ الأرض والسماء هتافاً عن ضرورة الكفاح لتحرير السودان من هيمنة العنصر العربي، وتدعو الى تحطيم ثقافة المركز العربية الاسلامية، وبناء نظام جديد يعزز ويكرس المكون الافريقي الزنجي للسودان؟!

ولكن .. هوّنوا عليكم يا هؤلاء، فلكل مشكلة حلّال ولكل فولة كيّال. اتخذوا لأنفسكم اسماً جديداً، وليكن: حزب البعث الافريقي الاشتراكي. وأهو كلو صابون. قولوا: (أمة افريقية واحدة ذات رسالة خالدة) وسنصدقكم، وقد نسير من خلفكم. فنحن وأيّم الحق نعتز بأفريقيتنا، وهي منا مكان القلب والرئتين!

نقلا عن صحيفة (الخرطوم)