غربا باتجاه الشرق

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

وماذا أفعل أنا مع أخي الأصغر حسن اسماعيل، الكاتب الراتب بهذه الصحيفة؟ وقد احترت معه وحار دليلي، حتى أنني شكوته مؤخراً الى مولاي وسيدي مبارك المهدي، فوعدني خيراً. وأنا أعلم بطبيعة الحال أن مبارك على خلاف سياسي مع الامام ومع حزبه القديم، وأن أخي حسن اسماعيل هو ساعده وسنده في ادارة الصراع على الساحة الاعلامية الداخلية. ولكنني أعلم أيضاً، أن مبارك لا يحب الغلواء ولا يجيز الشنآن، ويعرف قدر ابن عمه. وكنت قد طلبت من حسن ذات مرة ان يكف بأس قلمه عن حبيبنا الامام وأحبابي من رجال البيت المهدوي ونسائه. فرد عليّ عبر سلسلة مستفيضة مطولة، تحت ساتر تبيان دوافعه ومنطلقاته ورؤاه، حمل فيها على الامام وابنائه حملة شعواء. قرأتها جميعاً، ثم نفذت من وراء كلماته الأنيقة الى عبارة كتبها بالحبر السري ووجهها لشخصي، قرأتها هكذا: (تاني تجي الحلة دي)؟!

ثم ها هو صاحبي يعود كرةً أخرى ليخوض هذه الأيام معركة جديدة عبر سلسلة بعنوان (عندما يضيق صدر الباشا)، تطرق فيها الى شكوى أمين الاتصال السياسي في الحزب عبد الجليل الباشا من غياب المؤسسية، والدور الطاغي للإمام وابنائه في ادارة الحزب. وأنا أريد في يومي هذا أن أقصّر المسافات واختزل الطرق وأبذل المختصر المفيد في أمر حزب الامة وقضية المؤسسية التي صدعنا بها بعض (المثقفين) الملتحقين به تصديعا. 


كتب السياسي الجنوبي المخضرم والوزير السابق بونا ملوال في مقال نشره في العام 1998 أنه سأل العقيد جون قرنق ذات يوم عن موقف الحركة الشعبية المؤسسي من قضية ما، فرد جون قرنق: " ما أقوله أنا هو موقف الحركة الشعبية". وهي عبارة دالة، تحدث عن نفسها، وتعيد الى الاذهان مقولة لويس السادس عشر الشهيرة: "تسألني عن الدولة؟ أنا الدولة"!

هل سمعت - أعزك الله -  عن الحزب البيروني للعدالة الاجتماعية في الأرجنتين؟ هذا الحزب ذو التأثير والنفوذ السياسي الواسع أسسته ايفا بيرون، أرملة الرئيس الارجنتيني الكاريزمي الراحل خوان بيرون. عماد هذا الحزب هو افكار الجنرال بيرون التي وحدت اليسار والكنيسة لأول مرة في تاريخ امريكا الجنوبية السياسي. الحزب البيروني شبيه بالحزب العربي الناصري في مصر وبعض الدول العربية، والذي يعتمد بشكل رئيسي على افكار ومبادئ الرئيس الراحل جمال عبدالناصر. هذه أحزاب أرتبطت بأشخاص، وتمت تسميتها بأسمائهم. بيرون وعبد الناصر رحلا عن دنيانا، ولكن هناك كاريزميون آخرون أسسوا أحزاباً سياسية بأسمائهم، وقد لمعت هذه الاحزاب وتقدمت في مسارات العمل السياسي. من ذلك  (حزب بالمر الموحد) في استراليا، الذي أسسه رجل الأعمال الأسترالي المعروف كليف بالمر. وقد خاض هذا الحزب الانتخابات، وحصل على عدة مقاعد في البرلمان. ويدور هذا الحزب في ميدان السياسة الاسترالية وجودا وعدما مع فكر كليف بالمر، وحده لا شريك له. فهو حزبه، ينطلق من مبادئه، ويعكس مواقفه، ويقدم طروحاته وسياساته.

شيخنا الدكتور عبد الله على ابراهيم كان له قصب السبق عندما دعا المثقفين الملتحفين برداء حزب الامة ان يكفوا عن الطيش بحق الامام.  وجابههم بأن المؤسسية ودعاوى الاصلاح التي يلهجون بها انما هي حيلة العاجز. ظلت هذه الفئة  تجترها عبر الحقب، بعد ان تقطعت دونها الطرق الى الجماهير(إذ ظل يستقوى بها من لا قاعدة له بين الشعب منذ طلائع المتعلمين في مؤتمر الخريجين، حتى صغار البرجوازيين المستفحلين على أيامنا هذه). فأرتمى أهل الحداثة هؤلاء في أحضان الطائفة لا لشيء الا لعلمهم انها مستودع الجماهير . وهم يعلمون أيضاً أن وجود حزب كحزب الامة (رهين بتسلسل التاريخ وبركة أبناء وبنات المؤسس الأول)، وأن وجود المثقفين من دعاة المؤسسية هؤلاء لا قيمة له بغير هذه البركة.

تلك هي الحقيقة المجردة، والحقيقة قد لا تكون حلوة المذاق كل الوقت. ولذا فإن أفضل طريق أمام هؤلاء الذين يذرفون الدموع بدعوى تعثر المؤسسية وغيابها، والمتنطعين حول اطروحات الاصلاح المكرورة المستعادة، هو أن يتركوا الحزب لحاله، وأن يستلهموا إرادةً جديدة لخلق منابر بديلة تعبر عن المؤسسية، في حال صحّت العزيمة. ذلك ان حزب الامام لم يحتكر خدمة الوطن، ولم  يصادر حق أحد  في تكوين التنظيمات وممارسة السياسة، كما ان الطريق الى الجماهير لا يمر بالضرورة عبر الطوائف.

وكان شيخنا عبد الله قد دعا الامام الصادق الى التماس شرعيته الاولى، وهي ثورة جده الامام المهدي، والعودة الى منصة التأسيس في المشروع المهدوي، وهي الأنصار. ونحن على دين شيخنا ومذهبه، ندعو الامام وابنائه وبناته الى اعادة بناء الحزب على قواعد الشرعية التي لم يعرف السودان له شرعية غيرها. وندعو المتنطعين باسم المؤسسية ان يتركوا الحزب لأصحابه الشرعيين وان يبحثوا لأنفسهم عن أماكن جديدة تحت الشمس.

ولكن ماذا نفعل مع هؤلاء (المتلبطين) أمثال عبد الجليل الباشا، الذي يريد ان يناطح الامام، تحت دعاوي الالتزام بالاصول المؤسسية في العمل التنظيمي، أو كما قال صديقي حسن اسماعيل بالانابة عنه، ضمن سلسلته بعنوان (عندما يضيق صدر الباشا)؟ وكأن الباشا كان من الملتزمين بالأصول عندما قفز من سفينة الامام، وهرع للالتحاق بركب سيدي مبارك، ثم اصبح وزيراً في نظام الانقاذ، يأكل الجنبري ويشرب القرانبري. فلما انقلب السحر على الساحر، انقلب هو على عقبيه تارة اخرى، وعاد الى حظيرة الامام يجر في ذيله المرسوم الجمهوري بالاستغناء عن خدماته.

وها هو، بعد كل ذلك يملأ الدنيا سؤالاً وجوابا، وينازع الامام وبنيه المناصب والمهام والاختصاصات. ثم ويا للهول، يزعم أن (صدره قد ضاق). ضاق بمن؟ ضاق بالإمام الصادق المهدي وابنته الدكتورة مريم الصادق المهدي. يا راجل!!

الامام الحبيب: انت بالقطع أفضل من بيرون الارجنتيني. وكليف بالمر الاسترالي أقل من قامتك بما لا يقاس. وأين من مقامك جون قرنق القائل لرصيفه بونا ملوال:"ما أقوله أنا هو موقف الحركة  الشعبية"؟!
وقد جاء في الأثر الصالح عن حفيد المهدي عليه السلام: (اللي مش عاجبو الباب يفوّت جمل)!

نقلا عن صحيفة (الخرطوم)