غربا باتجاه الشرق

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.


ضمن حوار اوردته صحيفة (المجهر السياسي) مع أحد أعضاء القيادة التاريخية لثورة الانقاذ الوطني العميد صلاح محمد احمد كرار لفتت انتباهي اجابة العميد على سؤال بعينه. سألت المحررة سوسن ياسين الرجل عن الاتهامات التي يشيعها قادة حزب المؤتمر الوطني حوله، هو وغيره من رموز المجموعة الاصلاحية صاحبة المذكرة الشهيرة، من ان الدافع وراء موقفهم الاخير هو الرغبة في (القفز من سفينة الانقاذ)، فماذا كانت الاجابة؟

قال العميد صلاح كرار رداً على السؤال: (الكلام عن القفز لا يجوز عليّ أنا شخصياً، باعتبار أنني نفذت انقلاباً مع عمر البشير، وبالتالي فلن استطيع أن أقفز من السفينة. إن غرقت نغرق معاً وإن سلمت نسلم معا).

أعجبتني الاجابة، فهي اجابة مباشرة ومُحكمة ومنطقية، كما انها تنطوي على قدر من الشجاعة والرغبة في تحمل المسئولية والايمان بقضاء الله وقدره. الكلام هنا واضح وضوح الشمس: يسلم البشير يسلم معه صلاح. يغرق البشير يغرق معه صلاح.  غرق؟! غرق ايه يا أخي؟ ربنا ما يجيب غرق. ثم كيف تغرق يا سيادة العميد وانت فارس البحار وضابطٌ مغوار من مغاوير سلاح البحرية السودانية؟ ولو غرقت وانت البحار المحترف فماذا يكون مصير خالي الفريق بكري حسن صالح وهو رجل مشاه ومظلات؟ يا سيدي فال الله ولا فالك!

غير أن ذلك الجزء من الاجابة لم يكن هو الذي لفت نظري حقاً. الجزء الذي وقفت عنده هو ما جاء على لسان العميد صلاح كرار مستطرداً: (الذين سيقفزون من السفينة هم بعض أعضاء المؤتمر الوطني، وبعض أعضاء الحكومة الحالية الذين يحملون الجوازات البريطانية والأمريكية والكندية والاسترالية، ويجددون سنوياً اقاماتهم في دول الخليج. هؤلاء هم الذين سيقفزون من السفينة لا نحن)!

لو صدق العميد وصحّت مزاعمه فإننا نجد أنفسنا تلقائياً امام واقع يثير العديد من الاسئلة المشروعة. صحيح أن تجديد بعض أعضاء الحكومة لاقاماتهم في دول الخليج يؤشر الى تضعضع الثقة في ثبات النظام، وضعف الايمان بديمومته، كما انه دليل ملموس على قلة اليقين في بركة مناصب الدولة الانقاذوية. ولكن الثابت انه ليس هناك ثمة مخالفة دستورية او قانونية في الاحتفاظ بتصاريح الاقامة في الدول الاجنبية وتجديدها عند اللزوم، فتلك في نهاية المطاف مجرد اوراق تتيح البقاء والعمل في الدولة الاجنبية بصورة مشروعة للراغبين، لا اكثر ولا أقل.

غير أن السؤال الاكبر ينتصب في حالة صحة الزعم بأن عدداً من أعضاء الحكومة الحالية يحملون جنسيات دول اجنبية. وهذه الدول تحديدا، وبحسب العميد كرار، هي: الولايات المتحدة وكندا وبريطانيا واستراليا. وغنيٌ عن البيان ان الجواز الاجنبي لا يحمله الا من حمل جنسية الدولة المعنية.

الوحيد الذي اعرف عنه انه حمل جواز سفر من دولة لا ينتمي اليها ولا يتمتع بجنسيتها هو الشيخ راشد الغنوشي، زعيم الحركة الاسلاموية التونسية. وقد ورد في مذكرات وكيل وزارة الخارجية السابق وسفير الانقاذ الأسبق في الجزائر ولندن، الدكتور حسن عابدين، والتي نشرها بعد تقاعده مؤخرا، أن الشيخ راشد الغنوشي زاره في مقر السفارة ابان عمله بالجزائر في مبتدأ التسعينات، وسأله ان كان قد تلقي من رئاسته بالخرطوم مظروفاً يخصه، فنفي عابدين تلقيه أية مظاريف. وفي الاسبوع التالي تلقت السفارة بالفعل عبر الحقيبة الدبلوماسية مظروفاً يشتمل على جواز سفر سوداني باسم راشد الغنوشي مع توجيهات عليا بتسليمه الى الزعيم الاسلاموي. وقد استنكر الدكتور حسن عابدين الامر واستهجنه، وعبّر في مذكراته عن قناعته ان ذلك مما لا يصح ولا يستقيم. ولكنه نسي أن يوضح لنا لماذا صمت ولم يتذكر خراقة ذلك السلوك ومخالفته لمقتضيات السيادة الا عقب احالته للمعاش بعد عقدين لاحقين قضاهما متقلباً في سفارات الانقاذ، ومن بينها منصب السفير في لندن لمدة خمس سنوات (تشرب الانقاذ ما تروى من عينة السفراء الذين يشربون شايها ثم يكسرون كبابيها بمجرد مغادرتهم مناصبهم)!

بحسباني ممن يحملون جنسية دولة اجنبية ويستخدمون جواز سفرها فإنه يهمني جداً أن اعرف الاحكام الدستورية والقانونية في شأن تولى أمثالي مناصب حكومية قيادية في السودان. فإذا ثبت أن القوانين قد صمتت عن هذا الامر فخيرٌ وبركة، ولا تثريب اذن على اعضاء الحكومة من حملة الجنسيات والجوازات الاجنبية. وقد سبق لى ان افصحت عن رغبتي في تولي منصب معين في حكومة الانقاذ دون ان اجد تجاوباً، وها انا اجدد رغبتي واستعدادي لتولي ذات المنصب في حال (طفّحت) الانقاذ ولم تغرق. أما اذا كانت هنالك تشريعات تضع على الامر قيوداً فإنه من المهم ان نتعرف، نحن معشر المقيمين في المهاجر، على مثل هذه التشريعات ومقتضياتها.

ثم أنني، وبصراحة، يعتريني فضول شديد لمعرفة أسماء اعضاء الحكومة الحالية والقياديين في حزب المؤتمر الوطني الذين يحملون جنسيات وجوازات سفر من دول اجنبية، كما أفادنا سيادة العميد. على الأقل حتى اتعاطف معهم وأشد من أزرهم، تأسيساً على قول أمروء القيس (كل غريبٍ للغريب نسيبُ).

هذا مع صادق تحاياي واشواقي للحبيب قطبي المهدي!

نقلا عن صحيفة (الخرطوم)