غربا باتجاه الشرق

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

في عهد اللوثة، في النصف الاول من ثمانينات القرن الماضي، وبلادنا تعايش محنة تطبيق منظومة القوانين السبتمبرية سيئة السمعة، حملت صحيفة (الايام) الرسمية آنذاك خبراً عجيباً ظل يشغلني ردحاً من الزمان. وقد اختلطت في ذلك الخبر الكوميديا بالتراجيديا اختلاط الشاي بالحليب. كانت الصحيفتان الرسميتان، فضلاً عن قناة التلفزيون والاذاعة الحكومية، تنشران وتذيعان يومياً وبشكل تفصيلي فضائحي احكام وحيثيات القضايا التي تنظر امام محاكم الطوارئ، التي كان يطلق عليها أيضاً اسم (محاكم العدالة الناجزة). وكانت غالبية القضايا والاحكام المتداولة تتصل بتهمة اطلقوا عليها (الشروع في الزنا)، بالإضافة الى تهم اخري تتمحور حول تعاطي الخمور والتعامل فيها.

محتوى الخبر الذي ذكرت انه وقع من ذهني موقعاً غريباً يتصل بمواطن كان يعيش في احدى احياء مدينة ام درمان حوالى العام 1984. هجمت الشرطة على منزله بناء على اخبارية انه يتعاطى المنكرات. اقتحمت الشرطة المنزل اقتحاماً، فوجدت الرجل – داخل غرفته- عارياً تماماً كما ولدته أمه، كما وجدت في مكان ما من المنزل زجاجة خمر. أقتيد صاحبنا الى المخفر ثم الى المحكمة حيث صدر عليه الحكم.  أثناء المحاكمة أثبت الرجل أن الدار التي يقطنها عبارة عن منزل جماعي، او بتعبير اكثر تداولاً (بيت عزابة)، وانه شخصيا لا يشرب الخمر، وان الزجاجة ربما تخص شخصاً آخر من سكان المنزل العديدين. اسقطت المحكمة تهمة تعاطي الخمر، ولكنها مع ذلك اصدرت حكما على الرجل بالجلد. جاء في حيثيات الحكم ان الرجل وجد عارياً كما ولدته امه، وهو ما لا يصح، بحسب القاضي، الذي اورد في حيثياته نص حديث نبوي بزعم انه يدعم الحكم. فحوى الحديث، على فرض صحته، أن الملائكة لا تدخل بيتاً يجلس صاحبه فيه عارياً!

الرواية اعلاه حدثت فعلاً - صدق او لا تصدق - ونشرتها الصحيفة الرسمية. كدت يومها أجن، وظلت الاسئلة تنقر على رأسي كالمطارق: "يا جماعة، لنفترض ان هذا الرجل لا يريد للملائكة ان تدخل بيته، فما شأن الحكومة وما شأن القاضي"؟! ما هي حدود مسئولية الدولة في تأمين ادخال الملائكة الى بيوت مواطنيها، وما هو مقتضى سلطتها في مداهمتهم داخل بيوتهم ومعاقبتهم بالجلد اذا وجدوا داخلها عراة بغير لباس؟ ولم تكن هناك إجابات بطبيعة الحال!

من فضل الله ولطفه علينا أن قوانين الشريعة السبتمبرية قد جرت (دغمستها) نوعاً ما عبر السنوات من حيث النصوص والتطبيقات، بحيث ان كثيراً من الابتلاءات التي رأيناها وعايشناها في نموذج التطبيق الاول تضاءلت واستترت. فلم نعد نسمع عن مثل تلك الاحكام القراقوشية التي ألزمتنا في حقبة الثمانينات ان نقف تحت (الدش) لنستحم بملابسنا كاملة، خشية ان نتهم بالتضييق على الملائكة!
ولكن هناك مع ذلك ما بقي يزعجني ويقض مضجعي. عندي مثلاً بعض التساؤلات حول الغطاء القانوني لهذه الهجمات العشوائية من جانب قوات الشرطة على المناسبات الاحتفالية حيث الشباب والموسيقي والغناء والطرب. وتحديداً حول الاعتقالات التي تتم للحضور، جميعهم أحياناً، وبعضهم أحيانا أخرى.على أي أساس تسمح السلطات لعشرات الحفلات المختلطة بأن تقام في رعاية الله وحفظه، بينما تداهم غيرها وتأخذ حضورها أخذاً وبيلا؟

ثم ما هي هذه المصيبة الجديدة التي حلت على رؤوسنا من حيث لم نحتسب، حيث يتم القبض على شاب او شابة بافتراض مخالفته، او مخالفتها، لقانون او لائحة محددة نصاً وعيناً، ثم نفاجأ بعبارة (وعند تفتيش الموبايل تم العثور على صور فاضحة). لماذا تقوم السلطات بتفتيش موبايلات الناس أساساً؟ تحت أي مسوغ قانوني تمارس السلطات هذا الحق؟ ثم من الذي يحكم على صورة ما بأنها (فاضحة)؟ هل هو الجندي أم ضابط الشرطة أم وكيل النيابة؟ وهل هناك معايير متفق عليها في تعريف الصورة الفاضحة؟ فهناك وفقاً لتباين الأزمنة والمفاهيم والثقافات والاطر الاجتماعية ما يمكن ان يكون مقبولاً هنا وفاضحاً ومرفوضاً هناك، فما هي المرجعية؟  والحق انني ذهلت عندما أخبرني أحد أقربائي في الخرطوم أن ابنه اعتقل في احداث هبة سبتمبر، وان رجال الشرطة تفحصوا هاتفه واتهموه بتخزين صور فاضحة. واتضح لاحقاً ان الصور للشاب ومعه بعض زميلاته في الجامعة التي يدرس فيها. وقد سئل الشاب عما اذا كانت تربطه رابطة شرعية بأي من الفتيات فنفي ذلك، وعلى هذا الأساس اعتبر هؤلاء ان الصورة فاضحة!
عموماً، تعرف عني العصبة المنقذة انني رجل هدي ورضي، لا أحب الجدال والمماراة. فإذا كان عندنا في السودان ثمة قانون يبيح القبض على مواطن بتهمةٍ ما، ثم اذا استعصى اثبات التهمة جاز للسلطات ان تفحص هاتفه النقال فتحاكمه وتعاقبه بتهمة اخرى، وهى وجود صور فاضحة في جهاز هاتفه، فلا بأس، وعلى بركة الله.

وأنا، من باب المحبة وفعل الخير، اقترح على الحكومة ان توسع نشاطها في مجال رصد الصور الفاضحة ومحاسبة الناس عليها. والصور لا توجد فقط في الموبايلات. صفحات الفيسبوك أيضاً مكتظة بالصور، وبعضها ربما جاز عليه توصيف (صور فاضحة) بحسب المعايير المتبعة حالياً. وعليه فإنني انصح السلطات عند القبض على اى مواطن ان تلزمه بفتح الصفحة الخاصة به على الفيسبوك فيخضعها المحقق للفحص اسوةً بالموبايل.

أيها الناس: اعلموا أن الموبايل والفيسبوك، تماماً مثل العرى الكامل داخل المنزل، رجسٌ من عمل الشيطان، فاجتنبوهما!

نقلاً عن صحيفة (الخرطوم)