غربا باتجاه الشرق

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عندما أكملت قراءة السطر الأخير من مقال صديقي الأثير ضياء الدين بلال، في عدد (السوداني) أول أمس الثلاثاء بعنوان (لا تستهينوا بالشائعات)، كان أول ما فعلته هو ان فتحت على شاشة الحاسوب مساحة لرسالة الكترونية جديدة، وكتبت: "يا ضياء يا طفبوع.. أرسل لي مادة دينا يعقوب المشار اليها في مقالك اليوم" (كانت الأميرة رباح الصادق المهدي قد غضبت على ضياء ذات يوم فوصفته بأنه طفبوع. والطفابيع كائنات وهمية اخترعها لأغراض روائية القاص بشرى الفاضل. وقد أعجبني الوصف فلم اقاوم إغراء استخدامه في نداء ضياء منذ ذلك الوقت)!
تسلمت المادة – شاكراً - في ذات الساعة فأجلت عليها بصري، وما ان فرغت حتي استغرقتني دهشة عارمة. كنت، حتى لحظة اطلاعي على ذلك الحوار القصير الذي اجرته الصحافية لينا يعقوب مع وزير الطاقة الدكتور عوض أحمد  الجاز، أعتقد ان الخبر المتداول عن توقيف سلطات مطار دبي لابنه عمار وفي حوزته مبلغ مالي كبير صحيح في أصله. بمعني أن الشاب، نجل الوزير، تم توقيفه فعلاً، وان سبب التوقيف هو مبلغ مالي ما كان بحوزته، أياً كان مقداره.
بطبيعة الحال لم أصدق الرواية الأم، التي كانت قد سرت في مدائن الشبكة الدولية مسرى النار في الهشيم، والتي فحواها ان الشاب تم القبض عليه وهو يحمل حقيبة يد وفي جوفها عشرة مليون دولار امريكي عداً نقداً. كل من له عقل يعرف ان مبلغاً كهذا لا يمكن عملياً رصه وحمله داخل حقيبة يد (briefcase). والشبكة الدولية تكتظ عادة بمثل هذه الروايات التي يحلو لأحد أصدقائي أن يطلق عليها اسم (نضال الحسبة). ونضال الحسبة هو أن يخترع المناضل ويشيع رواية تفت في عضد النظام وتهدر هيبته، فيقول، مثلاً، أن زوجة رئيس الجمهورية او ابنة الوزير الفلاني ضبطت في مطار هيثرو وفي حقيبة يدها خمسين كيلوغراما من الذهب، ثم يحتسب أجره عند الشعب.
يعيد الى ذهني هؤلاء المحتسبون الجدد حديثاً طريفاً قرأته في كتاب صدر في الثمانينات بعنوان (دليل المسلم الحزين) للمفكر الاسلامي حسين احمد امين. جاء فيه انه تم ضبط المحدّث الوضّاع، الذي وضع حديثاً على لسان رسول الله (ص)،  ونص الحديث: (من كذب علىّ عامداً متعمداً ليضل الناس فليتبوأ مقعده من النار).  وعندما سئل الرجل عن سبب وضعه للحديث أجاب: "وضعته حسبة". وفسر سلوكه بأنه انزعج من استشراء ظاهرة وضع الأحاديث، فقام هو نفسه بوضع الحديث المتقدم  بأمل أن يؤدي الى تخويف الوضاعين الآخرين وردعهم. وتلك غاية نبيلة بغير شك، لولا خبال الوسيلة.
ومعظم الذين يذيعون الذائعات عن أهل الانقاذ في منابر الشبكة الدولية إنما يفعلون ذلك من قبيل الحسبة، بأمل ان يصيبوا الأجر يوم يظلنا ظل الثورة. المشكلة هنا أن كثيراً من المحتسبين تنقصهم المعرفة والتقدير السليم. إذ يمكن لهؤلاء ان يكونوا اكثر فاعلية لو انهم التزموا منطق الأشياء، فقالوا مثلا ان زوجة الرئيس او الوزير ضُبطت في مطار اجنبي وفي حقيبة يدها عشر كيلوجرامات من الذهب، بدلاً من خمسين، التي لا يقبلها حتي متوسطو العقول.
ولكنني في شأن عمار بن الجاز كنت قد أخذت، وكما ذكرت آنفاً، بالرواية الوسط (على وزن الحل الوسط) التي استقرت في دوائر مهاجري الشتات، وجوهرها ان الشاب ربما تم توقيفه فعلاً في مطار دبي وفي حوزته مبلغ مالي ما، ولكنه استطاع ابراز اوراق بنكية قانونية خولته حمل ذلك المبلغ تم بمقتضاها حسم الأمر.
ولكن ها هي لينا يعقوب تقول أنها التقت بالدكتور عوض أحمد الجاز، بشحمه ولحمه، وحادثته وجهاً لوجه، فسألته عن ولده عمار وعن حقائب المال وعن مطار دبي، فبماذا أجاب وزير الانقاذ؟ قال الرجل - وبكل بساطة - أنه لم تكن هناك في الاساس حقائب ولا أموال ولا توقيف ولا مطارات ولا بيض ولا بسطرمة، بل أن ابنه عمار لم يسافر الى دبي أصلاً. وأنه – أي الابن - كان جالساً (مرطباً) داخل منزله منذ لحظة ميلاد الذائعة وحتي يوم الحوار مع لينا يعقوب. وبالتالي فإن كل ما نشر لا نصيب له من الصحة لا من قريب ولا من بعيد. وأنهما – الأب والابن – يرجوان من الله ان تكون محنة الشائعة التي أحدقت بهما كفارة لهما من كل ذنب!
هذا ما كان من أمر الوزير عوض الجاز وحقيبة ابنه المليونية. طيب وماذا بشأن الطفبوع ضياء الدين بلال؟ المعلومات التي عندي تقول انه تم القبض عليه في مطار الخرطوم ليل أمس وفي حوزته ربع مليون ليرة ايطالية وثمانون الف دراخما يونانية والف وتسعمائة غيلدر هولندي وألفين وستمائة وخمسون مارك الماني والف وخمسمائة شيكل اسرائيلي وعشرة الف شلن يوغندي وربع طن من النقفة الاريترية، بالاضافة الى شيكات سيرتفايد تحمل اسم السيد/ جمال الوالي.
هذا وقد اكد لي مصدر موثوق أنه تم اطلاق سراح ضياء والسماح له بمواصلة رحلته الى القاهرة، بعد ان تقدم الى السلطات بمستندات رسمية معتمدة  تثبت حصوله على العملات والمبالغ المذكورة بوجه قانوني سليم من (بنك قطبي المهدي الوطني) بالخرطوم!
أراك - أعزك الله- تغمزني بعينيك وتتشكك في روايتي وتحسبني واحداً من المحتسبين. طيب ومالو؟ يعني هو ضياء الطفبوع أقل قامة من عمار المرطِّب؟!

نقلاً عن صحيفة (الخرطوم)