غربا باتجاه الشرق

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

منذ سقوط النظام المايوي في ابريل 1985، وعلى توالي سني العهد الديمقراطي البرلماني الثالث، الذي عادت معه أحزابنا الوطنية الكبرى لممارسة نشاطها السياسي بعد ستة عشر عاماً من الحظر القهري، وانا غارق في حيرة لا تنتهي حول الحزب الاتحادي الديمقراطي: ما هو برنامجه؟ ما هي مؤسساته؟ ما هي آليات اتخاذ القرارات الحاكمة فيه؟
بعد أن عقد حزب الامة مؤتمره العام عُقيب الانتفاضة الابريلية، ثم اصدر برنامجه السياسي الشهير الذي عرف باسم (برنامج الصحوة الاسلامية)، بعد ذلك مباشرة طرحت في الساحة كمية هائلة من كتيب يحمل اسم (الحزب الاتحادي الديمقراطي- برنامج الجمهورية الاسلامية). وعرفنا عندها ان الجمهورية الاسلامية هو اسم البرنامج السياسي الذي سيخوض تحت رايته الحزب الاتحادي الديمقراطي الانتخابات النيابية. وقد خاضها بالفعل تحت ذلك البرنامج. وكنت قبل اعلان ذلك البرنامج السياسي أظن ان الحزب الاتحادي حزب مدني علماني. سؤالي في يوم الناس هذا: هل ما تزال (الجمهورية الاسلامية) هي البرنامجالمعتمد الذي يمارس الحزب عمله السياسي تحت بنوده؟ أم أن للحزب برنامج آخر سري؟
لو صح زعمي بأن الحزب لم يقدم برنامجاً هادياً لعمله السياسي منذ ثمانينات القرن الماضي بخلاف برنامج الجمهورية الاسلامية الذي طرحه عام 1986، فإن مشاركته نظام الانقاذ مهام الحكم تبدو متسقة ومتناغمة تماماً مع مشروعه المعلن. الاتحاديون اذن في مكانهم الصحيح، الى جانب الاسلامويين السودانيين. وذلك باعتبار أن الانقاذ هي الوجه الحاكم للحركة الاسلاموية الحديثة، الهادفة الى اقامة حكم الشريعة الغراء، خالصةً مصفاة. ونحن على أكمل استعداد في هذا المنحني أن نغض أبصارنا عن حقيقة ان البيان الختامي للمؤتمر العام لحزب المؤتمر الوطني، الذي عقد في 2009، لم ترد فيه أية إشارة، لا من قريب ولا من بعيد، الى تحكيم الشريعة او اقامة جمهورية اسلامية. والحال كذلك فإن الحزب الاتحادي الديمقراطي يبدو لي اكثر عزماً وأصالة وراديكالية في موالاة الخيار السياسي الاسلاموي، من رصيفه المتذبذب والمتراخي في مسائل الشريعة والجمهورية الاسلامية!
مؤخراً وعلى خلفية الهرج والمرج والصيحات التي ملأت الساحة حول قضية استمرار أو انسحاب الحزب الاتحادي من الحكومة، عادت  تلك الرغبة العارمة للتعرف على ديناميكيات عمل هذا الحزب لتتلبسني من جديد وتسكن رأسي. وبعد كثير من عناء البحث ونَصَبه توصلت الى الآتي: في الحزب الاتحادي الديمقراطي الحالي فإن أعلى هيئة يمكن انتخابها من المؤتمر العام هي المكتب السياسي. وهو في العادة مكتب مترهل يراعي في تكوينه ترضيات الاسر والقبائل. ويجوز لرئيس الحزب اضافة اي عدد من الاعضاء بالتعيين المباشر. وهناك هيئة قيادية تتكون من سبعة الى ثمانية أشخاص يقوم بتعيينهم رئيس الحزب، وهو غير ملزم بتعيينهم من داخل مؤسسات الحزب، اذ ان بإمكانه ان يعين أية شخصية حتي ولو لم تكن تلك الشخصية عضوا في الحزب على مستوياته الأدنى. وعند معالجة للقضايا الكبرى يقوم رئيس الحزب بتشكيل لجان أو مجموعات عمل يسند اليها مهاماً معينة، وتقف حدود صلاحيات مثل هذه اللجان او المجموعات عند تقديم التوصيات. وهي توصيات ليس هناك ما يلزم رئيس الحزب بقبولها.
من نماذج تلك اللجان اللجنة المكلفة بالحوار مع المؤتمر الوطني وبحث امكانية الوصول الى صيغة للمشاركة في السلطةوالتي ترأسها الدكتور البخاري عبد الله الجعلي، وضمت الاستاذ على أحمد السيد وآخرين. وكانت تلك اللجنة قد فرغت من أعمالها وقدمت توصيتها برفض الصيغة التي قدمها المؤتمر الوطني وعدم المشاركة في الحكومة. وفي اللحظة التي قدمت فيها اللجنة توصيتها تلك كان السيدان محمد الحسن مساعد ومعتز الفحل، مبعوثا رئيس الحزب، يجلسان في مكتب الخال الفريق بكري حسن صالح وزير رئاسة الجمهورية ويسلمانه مظروفاً يشتمل على رسالة من الميرغني تحمل موافقته على المشاركة في الحكومة وأسماء المرشحين لشغل المناصب الوزارية والدستورية الاخرى!
والحال كذلك فإنني لم أجد صعوبة تذكر في فهم واستيعاب التصريحات التي ادلت بها القيادية بالحزب مثابة حسن الحاج ونشرتها هذه الصحيفة الجمعة الماضية والتي جاء فيها: (أكدت القيادية مثابة حسن الحاج ان الحزب الاتحادي حزب رئاسي بنص دستوره، وليس من حق أى فرد او جهة كانت اصدار قرار باستثناء رئيس الحزب). وكمتخصص في العلوم السياسية فقد أدهشني التصريح لأنني لم اكن قد سمعت او عرفت قبلاً بمصطلح (حزب رئاسي). كنت فقط أعرف عن تصنيفات أنظمة الحكم: (نظام رئاسي) مثل النظام الامريكي، و(نظام شبه رئاسي) كالنظام الفرنسي، وهكذا. ولكن لا بأس من أن يكون لنا في السودان شرف تخصيب مصطلحات العلوم السياسية واثرائها بالجديد الفريد!
الحمد والشكر لله. أخيراً حقق الله غايتي فوجدت المكان الذي يناسبني. لى رغبة أكيدة في الانضمام الى هذا الحزب الرئاسي الاسلامي. أنا أساساً أحب الاحزاب الرئاسية، كما أنني اناصر برنامج الجمهورية الاسلامية. وسأنادي بتغيير اسم الحزب ليكون: (الحزب الاتحادي الديمقراطي الرئاسي الجمهوري الاسلامي) بحيث يتضمن الاسم طبيعته الرئاسية وبرنامجه السياسي. وأتطلع الى ان اكون أمينا للاعلام في هذا الحزب العملاق. أنا جاهز لقبول عضوية المكتب القيادي. على بركة الله!

نقلاً عن صحيفة (الخرطوم)