غربا باتجاه الشرق

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

ثمّنت عالياً - كما راجت العبارة عند الكادرات البعثية في الزمان الغابر - ما كتب زميلنا الاستاذ عبد الرحمن الأمين، رئيس تحرير هذه الصحيفة، ضمن مقاله الاثنين الماضي في مورد الاعتذار الضمني - او هكذا بدا لي - عن المشاركة في اضراب احتجاجي عن الصدور والكتابة، أراد بعض الصحافيين والكتاب ان يتخذوا منه أداة للتعبير عن تضامنهم مع الجماهير الغاضبة في شوارع المدن.
كتب عبد الرحمن وهو يجلي موقفه في مواجهة من خالفهم الرأي: (إننا بقدر ما نقدّر آراء الآخرين واجتهاداتهم نطلب اليهم كذلك ان يحترموا خيارنا وقرارنا). ثم أضاف وهو يتجه بالخطاب الى رصفاء القلم ورفقاء المهنة:( علينا أن نتنبه أن أقدارنا جعلتنا في مرحلة فاصلة من تاريخ شعبنا على سدة منابر يجدر بنا أن نحسن توظيفها، وأن نرعى أمانتها، وان نحكم ضمائرنا، وأن ندفع عن حوضنا، وأن نوطد لحريتنا). ورأيي من رأى صاحبي، وخطوي في اثر خطاه، الحافر على الحافر. الصحافة منارة الشعب، تبصره وتنير أمامه الطريق وتنافح عن حقوقه. هي عينه التي ترى واذنه التي تسمع ولسانه الذي ينطق. فإذا وقع الضيم على الصحافة نفسها، صار لزاماً عليها أن تنهض لتدفع عن حوضها وتوطد لحريتها. وإن وقع الضيم على الشعب فإن ذلك أدعى لحمل الراية والصمود في الميدان.
التزام جانب الشعب والدفاع عن حقوقه يكون بالاصرار على الوفاء بالرسالة لا النكوص عنها. ولا عذر لمعتذر بأن السلطات تفرض قيوداً على النشر. فها هي الصحف تصدر برغم الرقابة وقيودها. وها هي الاقلام الحرة تجابه التحدي فتكتب كلماتها في عين العاصفة، لا تلوي على شيء، ويقرؤها الناس في كل يوم تشرق فيه الشمس. حظرت السلطات من قبل صحيفة (التيار) ومنعتها عن الصدور. ولكن رئيس تحريرها ما برح يقوم من نومه كل صباح فيرتدي سرواله وقميصه، ويعقد ربطة عنقه، ثم يذهب الى مكتبه، ويجلس أمام حاسوبه، ويكتب مادة عموده الراتب، ويسلمها للنشر في صحيفة أخرى، وكأن شيئاً لم يكن. لم يتخل الرجل عن قضيته، ولكنه لم يعلن الاضراب احتجاجاً على الضيم الذي لحق به. لماذا؟ لأنه يعلم تمام العلم أن الصحافي الذي يضرب عن العمل يفقد صلاحيته وصفته كصحافي في التو واللحظة. وقد اختار الرجل وبكامل وعيه ان يكون صحافياً.
قرأت خلال الايام الماضية مقالات عثمان ميرغني وضياء الدين بلال وحسن اسماعيل وغيرهم. ودهشت لجبروت الكلمات، لكأن حروفها صهرت من حميم جهنم وصهدها،  تدين المعتدي، وتوقر الشهداء، وتعظم حق الشعب في التعبير الحر عن تطلعاته المشروعة. وقرأت على صفحات هذه الصحيفة (الخرطوم) مواداً سياسية غاية في الوسامة والذكاء، تفتح مسام الوعي وتثير الأسئلة وتستدعي الحوار. أدهشني الكاتب الصحافي الاستاذ أمير بابكر عبد الله. وجدت له في عدد اول أمس الثلاثاء مقالاً من ألف كلمة عن الشاعر الفلسطيني محمود درويش. سألت نفسي: "هل جنّ الرجل، أهذا وقت درويش وشعره"؟ ولكن خاطراً ألحّ على ان أقرأ ما كتب، ففعلت. وذهلت اذ وجدتني في واقع الأمر أمام قنبلة موقوتة خفت أن تنفجر في وجهي، فإنما جاء الحديث عن درويش في ظاهر شكله، ولكنه في اللب منشور سياسي مزلزل يناطح الأوضاع الراهنة!
أسفت لمنظر اولئك الذين حدثتهم نفوسهم وزينت لهم عقولهم انهم على موعد مع التاريخ، فهرعوا عند الساعة الخامسة والعشرين ليحجزوا مقاعدهم في قطار المجد المرتجى. لا أجامل أحداً فأقول: شعبنا ليس في حاجة الى (مناضلين) يتدافعون بالمناكب لتسجيل المواقف وركوب الموجات، بقدر حاجته الى رجال ونساء من أهل البأس والعزم والاستقامة. شعبنا لا يحتاج مثل ذلك الطرير الغرير الذي لم يعرف الناس له وظيفة ولا عمل ولا مخدم، ومع ذلك لم يتورع عن ان يملأ الفيسبوك ضجيجاً من شاكلة (اليوم اعلن الاضراب عن العمل الصحفي تضامناً مع الثورة)، ثم اذا بالتهانئ تنهال عليه من جموع  ثقلت مآقيها وانفطرت قلوبها، فباتت وهي لا تدري أين تفرغ مخزون عواطفها الجياشة!
وأحزنني ما سمعت عن اولئك الذين ما أنفكوا، أيامًا بلياليها، يتسقطون من مكامنهم المسوّرة الآمنة أخبار الهبة ومآلاتها، فتذرعوا بالمرض كي لا تظهر اسماءهم فوق الصفحات، حتى يكون لهم شرف الموقف عند اليوم المنظور، يوم اختلاط الحابل بالنابل. أو الذين مارسوا اعمالهم كالمعتاد وقبضوا مكافآتهم، ولكنهم حرصوا أن تصدر الصفحات بدون أسمائهم، حتي لا يتنبه اليهم أحد. وأمضّ قلبي ما بلغني من أن أحد الناشرين، خرج من مكتبه مغاضباً ليطرد جمعاً من المتعابثين بشعار الاضراب، فصاح في الملأ: "ما تقولوا مضربين وتتبطحوا لي في مكاتب الجريدة. الشارع مولع. أطلعوا الشارع زي صلاح سنهوري. وكان عايزين تعملوا وقفة احتجاجية امام جهاز الأمن بديكم عربات الجريدة توصلكم"!
وقد ضربت كفاً بكف وأنا أرى أحد هؤلاء المدعين لا يتورع أن يصيب غيره من الكتاب والصحافيين بجهالة، فأخذ يوزع عليهم الاتهامات بالتخاذل والتسكع في دروب الانقاذ. ولم لا؟ أليس مناضلاً جري تعميده في الفيسبوك؟!
لم يكن كل من جرى وراء شعار الاضراب وتعلق بأهدابه من قبيل تلك الأصناف. حاشا وكلا. بل أن منهم رجالاً ونساءً نعدهم من الأخيار، وندخرهم لسداد الثغور. دخلوا النفق بقلبٍ سليم وهم يحسبون انهم يحسنون صنعا. وفي عقيدتنا أنهم اجتهدوا فنالوا الأجر الواحد. وهاهم يخرجون منه، والانقاذ رابضة في مكانها، لما تزل. والرقابة الأمنية على الصحف في أوجها.
ولسان حالهم يقول: لا فرق بين دخول الحمام والخروج منه!

نقلاً عن صحيفة (الخرطوم)