غربا باتجاه الشرق

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

روى ابوداؤد والألباني عن أبي هريرة، عن رسولنا الاعظم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم: (إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها). فإذا كان الدين، وهو القانون الذي ارتضاه الله لعباده (شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً)،  يستأنس بالتجديد ويستدعيه، وينمو به ويستقوي، فما بال نظام الانقاذ يمجه ويعاظله ويتأبي عليه. والتجديد والتغيير هو سنة الحياة وهدى الدين؟!
وأنا لا أرى في الهبة الشعبية الأخيرة عملاً احتجاجياً يعبر عن السخط من الإجراءات الاقتصادية الاخيرة تخصيصاً، وان كان ذلك هو دافعها المباشر. إحساسي يقول أن اهل السودان ربما استطالوا نظام الانقاذ واستثقلوه، وسئموا طول إناخته بين ظهرانيهم، فضاقوا به ذرعاً، ومن يعش خمساً عشرون حولاً تحت ظل نظام أحادي واحد لا أبالك يسأم!
عندي حديث أرويه لك - أعزك الله - سمعته من الرئيس عمر البشير مباشرةً. لم ينقله لي ناقل، وانما اخذته عنه كفاحا. وعندي عليه شاهدين عدلين. الاول كان سكرتيراً شخصياً للرئيس في الاسابيع الاولى التي اعقبت انقلاب الثلاثين من يوليو 1989، عرفناه، نحن موظفي الرئاسة آنذاك، باسم المقدم محمد هاشم. اما الثاني فهو حبيبنا، ابن خال الرئيس البشير، الصحافي المعروف الاستاذ كمال حسن بخيت. ضم المجلس السيد الرئيس نفسه، المقدم محمد هاشم، كمال بخيت، وشخصي. كان ذلك بعد اسبوع واحد فقط من وقوع الانقلاب. طبيعة الاطار الذي ضم هذا اللقاء لا يهم. الذي يهمني هنا هو أن الاستاذ كمال سأل الفريق، آنذاك، عمر حسن أحمد البشير سؤالا، جاء على النحو التالي:"كم من الزمن تعتقد انكم ستبقون في السلطة بعد ان استوليتم عليها"؟ أجاب الرئيس وهو يبتسم، ويتحدث بتلقائية واريحية من استصحب السؤال زمناً، وأداره في رأسه عشرات المرات من قبل: " حوالي أربعة سنوات في تقديري. اعتقد ان اربعة سنوات كافية جدا لانجاز المهمة التي جئنا من أجلها. الشعب السوداني شعب ملول وصدره ضيق ولا يحب من يحجر عليه. ولا بد ان نعيد اليه ديمقراطيته بعد تلك المهلة الزمنية"!
سمعت ذلك الكلام، ثم حكيته بحذافيره، كلمة كلمة، لزميلين عزيزين، هما الاستاذ حسين صديق الامين العام لمجلس الوزراء آنذاك، والاستاذ المنصور عمر المنصور المدير التنفيذي بالرئاسة. وجميعهم: الرئيس وكمال والمقدم محمد هاشم وحسين والمنصور، على قيد الحياة. بارك الله في أعمارهم ونفع بهم.
ما الذي حدث بعد ذلك؟ الذي حدث هو ان السنوات الأربع مضت في حال سبيلها. ثم اضيف اليها عشرين عاماً حسوما. والرئيس البشير شيخ العارفين أن شعب السودان (شعب ملول) و(صدره ضيق) ... وطيب؟!
أجدني في يومي هذا، شأن كثير من أهل المهاجر، دائم الاتصال بمصادر الأخبار والتفاعلات السياسية فوق مساطب الشبكة الدولية، فضلاً عن الفضائيات الغربية والعربية. وقد نظرت في كل خبر وكل تحليل وكل صورة فوتوغرافية وكل شريط تسجيلي. ثم خابرت ومحصت وتدارست وتأملت. واخيراً لاذ وجداني واستقر يقيني على خلاصة أعرف انها لن تقع الموقع الحسن عند بعض أحبابي في المهاجر. وهي ان هبة الثالث والعشرين من سبتمبر لن تضع حداً لحكم الانقاذ، ولن تقيله عن دكة السلطة، ولن ترسل السكون الأبدي الى قلبه، كما حدّث هؤلاء انفسهم، وقد بلغ منهم الاندفاع الرغائبي كل مبلغ، فولغوا حتي الآذان في نضال الأماني. وقديما قال الامام علي: "إياكم والأماني فإنها مركب الحمقى"! وانما سيكون لهذه الهبة شأنٌ وأى شأن في تحديد أجندة المستقبل. ولن يكون سودان ما بعد 23 سبتمبر 2013 هو سودان ما قبله!
هبة الثالث والعشرين من سبتمبر هبة مشروعة. والشعب هو مصدر كل مشروعية. وكما لم يغن الرئيس المصري أنور السادات شيئاً وصفه هبة الأمعاء الخاوية في 17 و18 يناير 1977 بأنها "انتفاضة حرامية"، فانه لن يغن حكامنا شيئاً في يومهم هذا ان يقولوا عن هبة سبتمبر انها من تدبير قوى متآمرة تتناجى في الخفاء. فإنما اضطرمت الجماهير من تلقاء نفسها، فخرجت الى الشارع لتعبر عن غضبها وتفرج عن ضيقها.  وشعبنا سيد نفسه، وفي تراثنا الثوري: "سيد نفسك مين أسيادك؟"
الكتابة على الجدران واضحة: لا بد من التغيير. الكلمات والنقاط فوق الحروف لا يخطئها النظر. وكلنا يقرأ، فليس بيننا أميون. ولا محيص اليوم أمام أهل الانقاذ من مواجهة التحدي الذي راوغوه وزاغوا عنه عهداً طويلاً.
خريطة الطريق لا تخفى على أحد: بندها الأول: الحفاظ على هيكل الدولة وسلامة القوات المسلحة، وتأمين البلاد في مواجهة المخاطر المسلحة المدعومة من الخارج، التي تريد، على أسنة الرماح، تفعيل أجندة خبيثة ترمي بالسودان في لجج التشظي والشرذمة، ومهاوي الصوملة والأفغنة. وبندها الثاني تشكيل حكومة قومية انتقالية تضع حاضر السودان ومستقبله في أيدي تحالف وطني يضم قوى سودانية ذات مشروعية مختبرة تاريخياً وديمقراطياً. أما البند الثالث فهو المسارعة بعقد المؤتمر الدستوري الجامع، الذي يتوحد ويتراضى تحت سقفه كل أبناء السودان بمختلف مللهم السياسية والثقافية ونحلهم الجهوية والاثنية، التماساً للمخارج القومية الشاملة.
هذا قولنا. نهتدي فيه بهدى أهل النهى بين ظهرانينا، ونترسم خطى الأفذاذ من أئمتنا. اولئك الذين نعرف عنهم انهم يحبون هذا الوطن، ويعاقرون همومه، ويحملون مقدراته وأماني شعبه في حدقات العيون.
اللهم يا عظيماً ليس في الكون قهرٌ لغيره، ويا كريماً ليس في الدهر يدٌ لسواه، خذ بيد السودان واجعل أعداءه الأخسرين.

نقلاً عن صحيفة (الخرطوم)