غربا باتجاه الشرق


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

النسنسة مصطلح متداول في العامية السودانية يصف ممارسة اجتماعية غير مستحبة دينياً وخلقياً. المصطلح يعرفه جميع السودانيين، ما عدا سوداني واحد صرّح كتابةً، وفي مقال منشور، بأنه لا يعرف لفظ (نسنسة) ولا معناها، لا في العربية ولا في الانجليزية. ذلكم هو القيادي الاسلاموي الدكتور غازي صلاح الدين. والحقيقة أنني صدقته ولم استغرب عنه ذلك الإدعاء.
اللفظة في مبناها ومعناها، ثم في واقع ممارستها الاجتماعية، كما ألمحنا، ليست مما يزين الرجال ويشرفهم، كونها تتصل بباب يعرف في الفقه ب (خوارم المروءة). تلك التي ينتقص التعاطي معها من أقدار الأحرار ذوي الشرف. وحبيبنا غازي من هؤلاء. مشهود له منذ نعومة أظافره بالاستقامة والاتساق الخلقي وصفاء المعدن. ومثله لا يخرم المروءات، ولا يتورط في فعل النسنسة، ولا يعرف لها بابا. وكان أحد الدجاجلة من مناضلي الشتات قد زعم انه شهد محاضرة للدكتور غازي في العاصمة النرويجية اوسلو. ونسب الى الرجل انه قال ضمن محاضرته عن شعب السودان انه (شعب نسناس يحب النسنسة). وقد ذاع الخبر بعد ان تلقفته جحافل المناضلين الاسفيريين، الذين ناضلوا فوق تخومه نضالاً ظننته يكفي لتحرير فلسطين. واضطر غازي الى الرد من خلال مقال طريف وساخر طلب فيه من المناضل صاحب الذائعة ان يذكر له المقابل للفظتي (نسناس) و(نسنسة) في اللغة الانجليزية،  طالما ان المحاضرة كانت بلسان الفرنجة، وأنه سمع اللفظتين حسب زعمه ضمن تلك المحاضرة. ومنذ ذلك السؤال اختفى المناضل النسناس ولم يُعثر له على أثر!
عاد الصحافي السوداني المخضرم الاستاذ محمد على محمد صالح لمواصلة نشر سلسلة ترجماته لوثائق وزارة الخارجية الأمريكية، التي استخرجها من الأرشيف القومي الامريكي في واشنطن. كان صالح قد نشر خلال الاعوام الماضية سلسلة حلقات شملت حقباً مختلفة منذ الاستقلال، وها هو يواصل فينشر المزيد. وقد قضيت بعض الوقت خلال عطلة نهاية الاسبوع أقلب الوثائق الجديدة التي غطت حقبة حكم الشمولية العسكرية الاولى برئاسة الفريق ابراهيم عبود.
ملاحظتي الأساسية هي أن تقارير السفير ومسئولي القسم السياسي بالسفارة الامريكية تغلب عليها (النسنسة) وشغل (الشمارات). لفت انتباهي ما كتب السفير في تقريره السري الذي بعث به الى واشنطن، في الثالث من يناير 1959، عن قريبتنا النخلة النوبية السامقة الدكتورة حاجة كاشف. وقد وصفها السفير بأنها (واحدة من أكثر الشيوعيات المصبوغات باللون الأحمر في السودان). وتلك عبارة متزيدة شديدة التكلف، سرحت في مغزاها حتى أنني وجدت نفسي أغالب المعنى الحسي للوصف، بمعني ان تكون السيدة قد أتت فعلياً بفرشاة ولون أحمر صبغت به نفسها! 
أرفق السفير مقالاً نشرته صحيفة (الأيام) لحاجة كاشف عن الحياة في بريطانيا، في اعقاب زيارة تعليمية قامت بها الى لندن عقب اكمالها دراستها الجامعية وانخراطها في خدمة الحكومة كمساعد مفتش بوزارة الاعلام والشئون الاجتماعية. ثم أورد السفير تعليقاً مستفيضاً حول شخصية هذه السيدة ودوافعها من وراء كتابة المقال. ومن رأى السفير ان حاجة كاشف أرادت بذلك المقال (إثارة الشعور المعادي للاستعمار والامبريالية). احتمال. كل شئ جائز. ولكن هاك - يا رعاك الله - أقرأ وتأمل هذه الفقرة من تقرير السفير النسناس:(عُزلت حاجة كاشف من وظيفتها في الحكومة بسبب ميولها الشيوعية. وهي امرأة ذكية، ولكنها غير متأكدة من نفسها ومما تقول. نحن نرى أنها لا تعرف الفرق بين الوطنية الحقيقية والوطنية المدمرة). كيف عرف السفير كل هذه الأشياء؟ كيف - مثلاً - عرف أنها غير متأكدة من نفسها؟ هل أجرى لها اختباراً نفسياً؟! شئ عجيب والله!
لا بأس من مزيد من تقرير السفير عن قريبتنا، حيث النسنسة على اصولها. يقول التقرير: (وحسب معلوماتنا فقد أدت نشاطات حاجة كاشف هذه الى نتائج عكسية أضرت بها، فتسببت في مشاكل لنفسها ولغيرها. اولاً، استهجن السودانيون المقال الذي كتبته، لان التقاليد السودانية تعارض ان تكتب امراة سودانية عن مواضيع مبتذلة). كيف جاءت نتائج نشاطها عكسية؟ التفسير يرد في هذه الفقرة الموحية:(بعكس ما تريد السيدة حاجة كاشف، وهو تطوير المرأة السودانية، فقد اقتنع كثير من الرجال السودانيين بأن مكان المرأة هو البيت، وان التطور يجب ان يكون بطيئا جدا). ثم التكملة هنا: (ونلاحظ ان الراي الذي كتبته أثر على فخر وشرف السودانيين الذين لا يريدون ان تشوه سمعتهم). بالله شوف!
السؤال الذي ينتصب الآن: ماذا كتبت حاجة كاشف في ذلك المقال؟ السفير، بارك الله فيه، تكرم فأرفق مع تقريره النص الكامل للمقال الذي نشرته صحيفة (الأيام) بتاريخ 15 ديسمير 1958. وقام الاستاذ محمد على صالح مشكوراً بترجمته ونشره ضمن هذا الجزء من السلسلة. وقد قرأت المقال سطراً سطرا، فلم أجد أن الكاتبة قد تعدت أياً من الخطوط الحمراء. المقال عبارة عن مشاهدات وانطباعات عن المجتمع البريطاني. وردت فيه احاديث عن العلاقات الغرامية بين الرجال والنساء هناك ومظاهر التعبير العلني عنها في الشارع. واشارات الى السعة في العلاقات بين الشباب والحرية الجنسية المطلقة التي يباركها المجتمع. انتقد المقال مظاهر التحرر، بل التحلل، الكامل الذي رأته الكاتبة في الشارع والحياة الاجتماعية. واستعانت بعبارة قالها رجل سوداني التقته هناك: "اذا كان هذا هو حال البريطانيين، فإننا في السودان افضل منهم". كما استوردت نصاً من مقال لكاتب بريطاني كتب في صحيفة جاء فيه: (أنا اؤمن بأن الشرق أفضل من الغرب، هذه الظواهر تفسد الحضارة الغربية. ونحن في بريطانيا نتمنى الا يراها الاجانب).
باختصار شديد لا يوجد اى شئ في المقال يناصر مزاعم السفير. ونحن نعلم أن هذا النوع من الكتابات كان هو النمط المألوف في ذلك الزمان. حيث كان الاعتماد كاملاً على مثل تلك الرؤى الذاتية والانطباعات الشخصية للمتعلمين القلائل الذين كان بإمكانهم زيارة بلدان مثل بريطانيا، ثم تزويد القراء السودانيين المتطلعين للمعرفة بتلك الرؤى الانطباعية. كان ذلك هو جوهر المقال، فلا ابتذال ولا بطيخ.
ولكن ماذا نفعل مع هذا السفير النسناس، خارم المروءات؟

نقلاً عن صحيفة (الخرطوم)