مر يوم 25 مايو كعزيز قوم ذل. لا مايو حبيب. ولا في حكاياتنا. وخبا حتى الحماس للعنه. فليس بوسع المرء نسبة بؤس أداء رئيسه إلى الجهل و"طياشة حنتوب" بعد صدور كتاب محمد الشيخ حسين عنه الذي صنف قراءات له في الصحافة الأوربية قال رواته إن نميري يسهر عليها كل ليل حتى مطلع الفجر. ومحمد الشيخ مجتهد كبير وإعادة تقويم نميري مشروعة ولكن . . . "يا راجل!"
بعض هذا الإعياء من التاريخ ثمرة مرة من طرد التاريخ الرديء للتاريخ الجيد. فمنذ عقود استولى مؤرخو أركان النقاش الجامعية على ترويج التاريخ وعلا صوت مكبرات صوتهم على أساتذتهم في التاريخ. وأرتكب هؤلاء المؤرخون الفنيطيقيون، في قول المجذوب، جناية كبرى على التاريخ بتهريجهم به في لغوهم عن الهوية. فأنظر كيف استكتبوا الخليفة عبد الله خطاباً وقحاً إلى ملكة بريطانيا كتب هو غيره وأنبل منه. ولا علاج للتاريخ الرديء بغير ضخ التاريخ الجيد. وأفضل التاريخ ما اتسع ماعونه. فليس كل مايو نميري ولا كل نميري مايو. وربما كان النميري هو أسوأ زاوية لفهم العصر المايوي.
وعليه توقفت عند معان عن مايو في القليل الذي كتب عنها في مناسبة يومها الضَجِر. أعجبني ما كتبه الفاضل عباس عن صراع الشيوعيين والقوميين العرب في مايو. وهو جانب مجهول من تاريخ الحقبة على أنه كان حقيقة لها مترتبات. فالقوميون هم من سعوا لهدم أنساق ثقافية قائمة بيننا. وهو شغل ثوري لولا أنهم بحثوا عن بدائل لها باستنساخ التجربة المصرية. فأطاحوا ببخت الرضا وعدلوا في كتبها بسخف مميز. كما غيروا السلم التعليمي. وقد وقفنا في الحزب الشيوعي ضد "مصرنتهم" لذلك السلم. ونشرتٌ في دار الفكر الاشتراكي، التي كنت مديرها، كتاب المرحوم القدال "التعليم في مرحلة الثورة الوطينة الديمقراطية" (1970) في نقد خطة القوميين والبدائل لها. كما صارعناهم في لجنة تطوير جامعة الخرطوم وأضطروا لإصدار تقرير غير مجمع عليه صار لنا سُبة. فوجدت شخصياً أن ما كتبته، كعضو باللجنة، عن قيمة النشاط السياسي القومي للطلاب قد تحول إلى شيء آخر في التقرير المنشور.
لعل أكبر زلزلة للقوميين للانساق الثقافية هو إصدارهم للقانون المدني في 1971 ل"تخريد" القانون السوداني بإصوله الإنجليزية. فوجده  الحبر زكي مصطفى، النائب العام، إساءة بالغة للمهنية السودانية. وكتب يمسح به الأرض. فساءه أن اللجنة التي وضعته تكونت من 12 قانونياً مصرياً و3 قضاة سودانيين لنقل القانون المصري بضبانته. واستغرب كيف نسمي إستيراد القوانين العربية تحرراً من الإستعمار بينما هي في أصلها بنت الاستعمار الفرنسي.
أما من أطرف ما رغبت في التوسع فيه عن مايو حبيب فهو شعر الاتحاديين في هجاء مايو كما اقترح السر قدور. ونجم هذه المعارضة بالشعر هو الزين الجريفاوي بالطبع. وتستحق قصيدته "التوينة" أن تذيع. فهي عن سمكة توينة بالبحر الأحمر ابتلعت أحد الخبراء الروس. فمدحها النور: يا سمكة بلادي الحزبك اتحادي. 
Ibrahim, Abdullahi A. [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]