انعقدت ليومي الأحد والاثنين الماضيين ندوة "النسب الحضاري للسودان" التي استكمل بها اتحاد الكتاب السودانيين جمعيته العمومية. فدرج الاتحاد أن تكون جمعيته العمومية مزدوجة: الجانب الدستوري من عرض لشغل المنظمة خلال عام وغيره وآخر مخصص لمناقشة مسألة من هموم الكتاب والوطن. وندوة هذا العام هي السادسة منذ بدأنا في 2008. وهي ندوات قائمة على أوراق معدة سلفاً لا طق حنك وليد الساعة. ويبقى منها كتاب منير يهدي للطريق الأقوم. والندوة والكتاب من أدوات المثقف خالصة وقيمتها في أنها تفكير يتجاوز اليومي "وقضايا الساعة" للكادر الحزبي إلى ارتياد آفاق الما بعد وصياغة "الوجود المغاير" كما قال التجاني يوسف بشير. وقلّت هذه الأدوات لضيق الإنقاذ بها بقوانين جائرة حكمت إصدار المنتج المعرفي وتسويقه. ولن  نبلغ السداد والرشد إن لم تقم هذه الأدوات وتتكاثر في مناخ صجو.  
أعترف هنا بأني عبت عيباً كبيراً كمورخ وكزميل لهيئة التدريس في معهد الدراسات الأفريقية والآسيوية الذي انعقد المؤتمر في رحابه. فلا أعرف من سبقنا إلى النسب الحضاري مثل بروف يوسف فضل حسن خلال قيادته لشعبة ابحاث السودان بكلية الآداب بجامعة الخرطوم (1963) ووريثها معهد الدراسات الأفريقية والآسيوية. فبادر بعقد مؤتمرات عالمية لبحث ذاتية السودان في مجيطه الإقليمي والقاري. كان أولها مؤتمر السودان في أفريقيا (1968). وصدرت مداولاته في كتاب مبذول في الأنجليزية. وأذكر افتتاح الزعيم الأزهري و"إنشداهي" بترجمة بروف عبد الله الطيب الفورية لخطابه الذي انتثرت فيه آيات القرآن. ومن ضمن مقالات المؤتمر كلمة على مزروعي "هامشية السودان المركبة". وأقول عرضاً إنني الذي جئت بهذه الصيغة في تعريب عنوانه. وهي مقالة اشتهرت بين الدارسين جداً. ثم توالت مؤتمرات: السودان والبحر الأحمر، السودان وبلاد السودان، السودان وحوض النيل. وأتمنى على البروف أو بروف سيد حريز أن يلافينا نقصنا في العرفان بمقال ننشره في مجلة "كرامة" التي يصدرها اتحادنا أيضاً.   
حف بندوتنا، وثار من داخلها لمرة واحدة، غبار أعادني إلى كلمة كررتها كثيراً. قلت إن النفايات في الوطن قليلة. ونصحت بأن نقتدي بصائغ الذهب في تنظيف دكانه. فهو يكنس للداخل لا للخارج كما بفعل غيره. فنفايات الصائغ قد لاتخلو من شظية ذهب. وللأسف كثر عندنا الكنس للخارج حتى صار الوطن قبيحاً. وتكدر ذوقنا فتبخر العرفان بفضل الآخر. واشهد أن ندوتنا قامت فقط بفضل جهد ستة أعضاء من لجنتنا التنفيذية سهروا حرفياً على تفاصيلها المملة بما في ذلك تدبيس المواد ووضعها في الحقائب. وقالت لي فائزة إنها لم تعد ترى زوجها كمال الجزولي، قائد فرقة التحضير، وكثيراً ما تدراكته بحبوبه الراتبة في الطريق. الكنس للخارج سيفقرنا لأنه ينفر من التطوع العمل العام. وكفى بذلك خراباً.
اتفق الجميع ليس على نجاح الندوة بل أنها مثلت "عودة الروح" للثقافة كطاقة وطنية. الله أكبر!

Ibrahim, Abdullahi A. [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]