ما شاء الله تبارك الله. لم اجد براً بالوالد مثل ما رأيت من على محمد المبارك. فقد نهض وحده بإصدار الطبعة الثانية من مؤلفات والده العلامة الشيخ محمد المبارك عبد الله (1905-1990) لا يريد جزاءً ولا شكورا.
والشيخ كان نجماً ساطعاً وقوراً حين ولجنا الحياة الثقافية في الستينات. وهو من علماء المعهد العلمي بأم درمان والأزهر حفظ القرآن في سن العاشرة بموطنه بأم درمان. ودرَّس بكلية اللغة العربية بالأزهر ما بين 1937-1963. ومن أبرز طلابه الشيخ الشعراوي. ثم صار شيخاً لعلماء السودان في 1956 إلى 1963. ورتب لقيام جامعة أم درمان الإسلامية المتطورة عن المعهد العلمي. ولما صار مديراً للمعهد العلمي أدخل التخصص فيه بإنشاء كليتين واحدة للغة العربية وأخرى للشريعة فأصبح اسمه "كلية الدراسات العربية والإسلامية. واستصدر قراراً من الحكومة بمساواة خريجيها بخريجي الجامعات. ومكن لطلابه الثانويين من دخول قسم الشريعة بكلية القانون بجامعة الخرطوم وجامعة القاهرة فرع الخرطوم. كما أوفد البعوث الطلابية لتلقي العلم في الأزهر الشريف بما في ذلك طلاب الدرسات العليا.
ووجدت أن ولايته على كلية الدراسات العربية والإسلامية طابقت فترة بغيضة في تاريخ اليسار والتعليم. ففي 1970 قرر انقلاب مايو حل الجامعة الإسلامية وتسميتها كلية للدراسات العربية والإسلامية. وقد وسوس اليسار من مشروع الجامعة الإسلامية والسياسات الإسلامية التي تقاطعت عنده. ولم تلطف الجامعة الإسلامية من اندفاعها في بعض تلك السياسات. فكان علماؤها في المقدمة في حملة حل الحزب الشيوعي وتكفير الأستاذ محمود محمد طه. واحتقن اليسار منها ولما جاءته الفرصة رد الجامعة القهقري إلى كلية. وما زالت هذه النكسة غصة في حلق علماء الدين وطلابه. وأوضحت في كتابي "الشريعة والحداثة" كيف غاب عن اليسار المشروع الحداثي في نشأة الجامعة الإسلامية الذي رهن طلاب المعاهد العلمية به تأهيلهم للخدمة في القطاع الحديث. ولكن استبدت باليسار خصومته وأفحش وخسرنا حيث كان ينبغي أن نكسب.     
قلبت صفحات كتاب العلامة في تفسير "جزء عمّ"  الذي  قدم له بنهج علمي رصين ولغة فصيحة ميسرة. وتوقفت عند مسألتين. فأفدت منه في تحسين مصطلحي عن "التفسير" و "التأويل". فقد شرحهما بدقة وكنت أتعثر فيهما حين أعالج بعض أمور علوم الثقافة الحديثة. ثم وقفت بورع عند رده دعوة الداعين للكف عن موالاة تفسير القرآن استغناءً بكتب السلف. وجاء بالاية:"سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق" ليقول بالحاجة إلى التفسير المستدام للقرآن. فآيات القرآن عن العقيدة (موضوع علم الكلام) وعن الأحكام العملية (موضوع الفقه) قليلة قياساً بآيات "المعارف والتهذيب والهداية والإرشاد إلى طريقة الحياة الاجتماعية الطيبة". ولكثرة الأخيرة فتفسير القرآن تقوى ورشاد إلى قيام الساعة.
بورك في الأبناء مثل علي يسهرون على مأثرة الوالد صدقة له، وبراً بالوطن، وخدمة للعلم.

Ibrahim, Abdullahi A. [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]