سندخل عن قريب في تفاوض مزمع أن يكون الأخير مع جنوب السودن حول أبيي. وهذا منعطف ينبغي أن نتعبأ له كوطن وإن كرهت الحكومة. فهي أختارت دائماً أن "تتشرد" بالمسألة في  دهاليز الدوائر الأجنبية. الينفعوها! وأعطى استغناء الحكومة عنا سبباً ليعتزل سائر السودانيين شاغل أبيي على طريقة: " فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَا هُنَا قَاعِدُونَ".
ولا يحس بعزلة مسألتهم عن الناس مثل المسيرية. فصفوتهم خرجت أكثر من مرة تعبر عن سقمها من انصراف السودانيين عنهم سوى الرئيس البشير. الينفعم!
وصفوة المسيرية محقوقة في سأمها. وسنترك جانباً أخطاء الحكومة (برئيسها بالطبع) الكبيرة في نهجها للتفاوض حول أبيي منذ نيفاشا حتى لاهاي. فلو كان للرئيس (وحكومته) إنتباهاً لأبيي عن سائرنا فالفضل فيه للمسيرة أنفسهم الذين رفضوا التحكيم الضحى الأعلى. والتحكيم ونتائجه ليس عجلاً مقدساً كما يعتقد خفاف العقول من المعارضين. والسوابق على ذلك واجدة.
الأدهى حقاً هو سلبية المعارضين حيال أبيي. فهم ما زالوا في المسألة عند "قضية الجنوب" لم يدركوا بعد أن أبيي إما ان تكون للسودان أو لجنوب السودان في الاستفتاء المقرر. ولن يطمس هذا الخيار الضيق تعلل المعارضة عن وجوب رفع الحكومة (وحكومة الجنوب أيضاً) يدها عن أبيي وترك شأن أبيي لأهلها من المسيرية والدينكا يتواثقون على العيش معاً بسلام. وهذه من الأماني البلهاء لهربها من السؤال: في أي بلد من بلديّ السودان سيكون هذا الوئام في أرض الأحلام؟ ليفيق  هؤلاء من هذا السبات المعارض للإنقاذ ويصدعوا بكلمتهم عن تبعية أبيي أولاً ثم ليخوضوا في صور العلاقات بين الدينكا والمسيرية إلى ما لانهاية.
يقال إن السياسة أثمن من أن تترك للسياسيين. وقياساً فأمر أبيي أدق وأمس من أن يترك للمسيرية. وبدا لي أن المعارضين لم يقفوا على النزاع بصورة مستقلة عن شاغل مناضلة الإنقاذ. فإن احتججت على أبيي قالوا لك "وماذا عن حلايب" كأنهم يريدون الخسارة شاملة وقاضية. وجاء الوقت لتحدد المعارضة الحزبية موقفها من أبيي بطريقة أكثر ذكاءً  وإلا ضاعت المنطقة لترث المعارضة بلداً منتقصاً من "أبييه" كذلك.
وأزكى للمفصحين من المعارضين لغرض العلم الحق بالمسألة  قراءة كتاب المؤرخ أمين زين العابدين عن أبيي. فمن رأيه أن المنطقة سودانية. وجاء بالشواهد المعروفة من كتب الرحالة التي قالت إن المسيرية أسبق في السكن بها (1790) من الدينكا الذين جاؤوها في 1830 من مربعهم في الجنوب "مسكوكين فللي" من النوير الأشداء. وتوقف أمين عند خطأ في لغة اتفاق نيفاشا قالت فيه إن الإنجليز حولوا منطقة أبيي من الجنوب إلى كردفان بينما لم تكن أبيي أبداً جزءاً من الجنوب. ما فعله الإنجليز حقاً أنهم جعلوا الدينكا الذين لجأوا إلى أبيي تبعاً لكردفان.  
أبيي وإن طال السفر للوطن.   
Ibrahim, Abdullahi A. [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]