حين رد سيد مصطفى، الوثائقي الحريف، على تلفوني له كان متحشرج الصوت كمن في اجتماع. ولكنه كان في دافنة ببري. وسألت عن الميت فجاء باسم آخره هاشم. فقلت له: هل هو أخ لعلي هاشم". قال: "هو على هاشم نفسه". يا سبحان الله. رحل آخر ممن نعمنا بصحبتة.
جاءنا علي في نحو 1958 بعطبرة الثانوية في صحبة أخيه أحمد هاشم نائب الناظر وكان معهما هشام الكمالي رحمهما الله جميعاً. وكانت لعلي، القصير المدغلب، حيوية تسع الفصل كله. كان صوته أم درمانياً ولغته خلافاً لأكثرنا بالمدرسة ممن نميل باللغة إمالة الشايقية العذبة. وكان مكان على مسارح الأنس وحفلاته أكثر من الفصل. لم يمنعه سوء ظن مدينة محافظة (وأريافها من العكد الأنصارية مثلاً) من أن يرقص الروك متى هتفت موسيقاه. وكنا نحب الروك وننتظر "طربنطز" ليؤديه على مسارح سينما جون أو بيرفس في الاستراحة بين المناظر والفيلم.  ويبدو أن داعي الرقص كان أقوى من أن يقاومه طربنطز. ولإبداع علي الرقص (بل لربما لأنه رقص أصلاً بيننا) سميناه "علي روك". وسمعت من كمال الجزولي أن اسمه كان "على خليب (وهي الخبز) حين درس الجامعة بموسكو. ولا يحيط بمثل على في حيويته اسم واحد. فله أسماء بقدر ما للناس من آراء في مثل طاقته العاصمية الأمدرمانية.
ما جاء علي لنا به حقاً ولم يبلغ مسامعنا آنذاك هو حقيبة الفن. لم يكن هذا فناً شائعاً بيننا. فنحن بين دلوكة ود السافل الجعلية ودليب الشايقية في حل من كل غناء آخر. وكانت دلوكة الجعلية تؤذي صدري فلها أزيز منفر فيه. أما دليب الشايقية فيا مرحى خاصة لو جاء الصفاقة من جند سلاح المدفعية مفتولي العضل. فيقال لنا في تزكية الحفل:"صفاقتوا من عساكر الدفعية". وجاءنا علي بالحقيبة إلى هذا النطاق "الفولكلوري". وأحاول منذ أيام تذكر الأغنية المخصوصة التي كان يغنيها ويغيب معناها عني ولا أنجح. فلربما تذكرها زميلنا دكتور علي سليمان بعنايته بالتفاصيل وصبره عليها. ولا أدري إن كان للحقيبة مكان في عطبرة. أذكر أنني تلصصت على حفل خاص بحلة التمرجية وعلقت منه أغنية "في الأسى ضاعت سنيني". وأذكر من طرب لها من المحتفلين طرباً غشوما وصار يلف الدائرة شريدا وحيداً تؤنسه هذه الأغنية العجيبة. وهل "في الهوى" حقيبة"؟
لا أنسى أن علياً أذاقنى حلوى الشوكلاتة المثلجة أول مرة. كما أذكر لصديق آخر أنه أذاقني سندوتش المربة بالزبدة في رحلة مدرسية تشاركنا فيها الزاد. دعاني علي خلال عطلة في الخرطوم لزيارته. والتقينا. وركبنا بص مواصلات العاصمة؟ ما لونه؟ ونزلنا في ما عرفت لاحقاً أنه بري المحس. بل سكنتها لاحقاً حتى أعدها داري بعد داري الأول. وأنزلني ديواناً أنيقاً لنسيبهم عبد الرحمن مختار مؤسس جريدة الصحافة. وفتح الثلاجة وتناول علبة شوكلاته فأخذت منها واحدة فإذا هي ثمرة من ثمار الجنة. ولا أنسى أن أذكر لصديق آخر تذوقي الكريز لأول مرة.
رحم الله علياً المعلى. إجعل ربي مذاق القبر عليه كالشوكلاتة المثلجة، والمربة بالزبدة، وبالكريز.

Ibrahim, Abdullahi A. [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]