رحل عن دنيانا أمس الأول أوغو جافيز (58 سنة) رئيس جمهورية فنزويلا. وهو زعيم ندر مثله في زمننا لأنه اتصل بغمار الناس وأعتقد في الاشتراكية في غير وقت وسماها "الاشتراكية البولفارية للقرن الحادي والعشرين". (وبولفار ثوريّ تاريخي جنوب أمريكي). فوطّن حركته السياسية بين الكادحين من الفنزويليين الأصليين (الهنود الحمر) منصرفاً عن الطبقة الحظية التي جمعت إلى المال عزة  بعرقها الأسباني الإمبريالي. فلم يحصل ملايين من فقراء بلده على بطاقة المواطنة (ومنافعها) إلا في عهده. وضل أكثر الهاربين من الاشتراكية من الفقراء وتذاكوا يصطنعون مساومات بلهاء في أجندة التغيير الاجتماعي. وصار سقوط الاتحاد السوفيتي وصمة يعتذرون بها عن خدمة الكادحين بغض النظر.
كان جافيز شجاعاً في شق الطرق إلى المعلمين الله. ونعاه كارتر بقوله إن اختلافنا معه لن يحجب عنا أنه حمل نصف فقراء بلده إلى عيش ميسر. وأتبع قدوته جيل يساري حاكم في الأرجنتين وأورغواي وبوليفيا. وهو جيل تعافى من ثورية الغابة والانقلاب في شروط المساومة التاريخية التي تعاقدت عليها القوى السياسية جمعاء. وسلك الجيل طريق الديمقراطية إلى سدة الحكم. فبدأ جافيز إنقلابياً في 1992 وفشل ودخل السجن. ولما أطلق سراحه كون حزبه الثوري ودخل الانتخابات وفاز في 1999 وجدد لنفسه دخول المنافسة في 2012 بصورة غير دستورية لم ترض الكثيرين.
كان شديد العداء لأمريكا حريصاً على استقلال بلده.  وكانت أمريكا أهانتهم بإدارة  أوطانهم ك"جمهوريات موز". ولقد أصاب في هذا العداء حين قطع العلاقات مع إسرائيل بعد وحشيها في غزة.  ولكن أعماه العداء من بلوغ الحق في تحليل الربيع العربي. فقد خرج بثقله يدعم القذافي، صديقه، لأن حلف الناتو وقف بينه وبين قتل شعبه عن بكرة أبيه. ولم يكن دمثاً لطيف العبارة. فقال لدى مصرع الرجل إنه شهيد "لقد إغتالوه. وهذه وقاحة أخرى. وسنذكر القذافي طول عمرنا كمقاتل عظيم وثوري وشهيد". علىّ رسلك!
قيل إن جافيز سيبكيه أنصاره وخصومه كمسيح. فهو في نظر الأنصار مبعوث حثا المال حثوا للفقراء. أما خصومه فنظروا إليه دائماً كمسيح في معنى أنه "غرقان" ،بدلالتها الصوفية، أي غائب عن الحقائق بالجذب الرباني. ولكن لن ينسى له المهووسون بالكادحين والديمقراطية التفاف غمار الناس حوله في 2002 أنجاه من انقلاب صفوي أودعه السجن. فخرج الكادحون ينصرونه على المنقلبين ليعيدوه إلى سدة الحكم.
ترك فينا جافيز نائبه نكلوس مادورو. وهو شاب شديد الفتوة أصله سائق عربة تجمر حسه بالوطن في العمل النقابي وحزبه. ومأمول أن ينتهز جدته ليبني جسراً للمعارضة يخفف به من غلوائها الذي ربما كان بعضه غيظاً من شافيز، ويوزن العلاقة مع الولايات المتحدة ، ويصحح موقف بلده من الربيع العربي. وهذا من باب الرأفة على حركة الكادحين في فنزويلا التي نرغب لها الاستدامة بلا نكسات كبيرة.
Ibrahim, Abdullahi A. [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]