بعض الأخبار تصدر عن ظلمات بعد ظلمات. وقرأت بحزن بالغ دعوة عبد العظيم كبلو -نقيب الأطباء- الاختصاصيين للمساهمة في تشغيل المستشفى التركي في نيالا "كضريبة من أجل الوطن والمرضي". وأشاد كبلو باهتمام رئاسة الجمهورية بتذليل عقبات تأدية هؤلاء الاختصاصيين لواجبهم الإنساني ومن ذلك أنها أعفتهم "من دفع الضرائب واعتبارها كمساهمة وطنية من شريحة الأطباء لدفع ضريبة الوطن في البقاء بالداخل لتقديم الخدمات العلاجية"(الخرطوم 24-2-2013).
ظلمات بعد ظلمات. هذا إمساك للوطن من يده التي توجعه. ولن نفهم عكم الاختصاصيين للوطن إلا على خلفية "تمردهم" الطويل على الخدمة في غير الخرطوم. ففي 2006  تكدس فيها 1821 من جملة 3376 إخصائياً. وحين نقلت الوزارة 140 منهم تقدم 59 منهم باستئنافات وربما غادروا الوزارة إلى جنة المستوصفات أو سقط المهاجر (السوداني 27-9-2006). وجاء في الأخبار مثلاً أن أربعة اختصاصيين بولاية البحر الأحمر رفضوا التوجه إلى منطقتي سنكات وسواكن  (السوداني 2-8-2009). وظنت الوزارة أنها ستجبر الاختصاصين على العمل في الأرياف ونفخت هواء ساخناً كثيراً. وصمتت. ويبدو أن خبر النقيب كبلو هو محاولة أخيرة لاستدراج الاختصاصين للخروج من الغار الذهبي في الخرطوم إلى مستشفيات غيرها. وأنظر بربك كيف ناشد النقيب الأطباء "للمساهمة في المستشفى التركي في نيالا" لا  التخطيط له، ولا إنشائه من الصفر، ولا حتى العمل فيه كواجب مستخدمين بالدولة (أكثرهم لم يكن شيئاً معلوما لولا فضلها)، والتزاماً بقسم أبقراط. وهو قسم نفذوه في غزة الغراء مع الترويج المناسب. وباعد هذا "الخيار والفقوس" الاختصاصي ما بين سودانيين كثيرين وقضية فلسطين.
لا أعرف خبراً كئيباً مثل خبر كبلو واتحاده. ولا أعرف خبراً ساء توقيته مثله. من جهة السوء وجدت نفسي استعيد رواية شكسبير عن المرابي شيلوك الذي اشترط على مَدِينه أن يدفع رطلاً من لحمه إن لم يوف الدين. وصارت قسوة شيلوك وشرطه المتوحش مضرب المثل في أكل لحوم البشر. ورطل اللحم الذي يريدنا كبلو دفعه هو "رطل" الضريبة من جسد وطني ضرائبي حتى أسنانه.
وبالطبع فتوقيت الخبر محرج. ففي الوقت الذي كان الاختصاصيون "يبنون عشهم قشة قشة " (feather their nest) كانت المظاهرات تطعن في قيادتهم المهنية والإدارية من كل حدب وصوب. فتظاهر أهل الزينة أمام الزيتونة احتجاجاً على ما وصفوه بالإهمال الطبي. وبلغت جملة الشكاوى في 2009 من هذا الاهمال 1038 منها 64 في النصف الأول من عام 2009. ومن جهة إدارة الصحة تكاثرت الوقفات الاحتجاجية ضد "تشليع" خدمات وسط العواصم نفذها عاملون بالحقل لم يفلح كبلو ونقابته باقناعهم  بجدواه.   
وصف البروف عبد الله الطيب تعليمنا بأنه بلا بركة. والعينة بينة. فيا أيها الأخصائيون : لو لم يبق لكم سوى هذا الطب الشيلوكي فأرحلوا حيث شيئتم . وسنتداوى بالمورنقا حتى ينضج اختصاصيونا. عليكم يسهل وعلينا يمهل.
Ibrahim, Abdullahi A. [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]