1
قضيت سحابة نهار السبت 20 أكتوبر المنصرم باستقبال أمن ولاية الخرطوم ألتمس منهم سحب قراراهم بحظر ندوة باتحاد الكتاب السودانيين تراجع ما أتفق للمؤرخين عن دخول العرب للسودان في القرن السابع الميلادي. إلتزمنا في عقد الندوة بكل ما تواضعنا عليه مع جهاز الأمن قبل أسابيع. ولم أركز في نقاشي مع الأمن على هذا الجاتب الحقوقي. خلافاً لذلك ركزت على بؤس فكرة أن تهدر منظمتان، رسمية ومدنية، وقتهما حول عقد ندوة تاريخية يقدمها عالم في المادة. وصبرت على أذى الإنتظار الطويل لكي استخلص الندوة من براثن الأمن لأن ذلك هو الأقوم. وكنت أريد أن لا تجهض الندوة. فالمناسبات المجهضة لا كسب منها. ولم أخل من التساؤل طوال ساعات الإنتظار إن كان الأمن ينفق وقته حيث ينبغي لجهاز مثله لتأمين الوطن من الشرور أم أنه يتربص بالتاريخ ويعتدي على جهة مدنية خلال أدائها لعملها. وأنعقدت الندوة.

2
ولم تمر سوى 72 ساعة من حديث العرب القدماء مع الأمن حتى صرنا في حديث العرب المعاصرين بعد تفجير مصنع اليرموك لصناعة السلاح ليلة 24 اكتوبر بضواحي جنوب غرب الخرطوم ومسافة نحو 15 ميلاً من وسط المدينة.
فوضح من صور الأقمار أن التفجير تم من الجو بواسطة تشكيل جوي من أربع طائرات شاهدها سكان الأحياء حول المصنع بالعين المجردة. ورأوا واحدة منها تلقي بقنابل مصيئة ثم أعقبها التفجير. وقالت الوكالات على ضوء الأقمار الصناعية أن التفجير استهدف 40 شاحنة محملة بالسلاح ظهرت في صور للأقمار سبقت التفجير. وأظهرت هذه الصور ما حل باليرموك بعد تفجيره. فقد ظهرت في منتصف دائرة الهجمة  6 حفر عرضها الواحدة 16 متراً. ودمر التفجير مبنيين من المجمع الحربي وأحدث أضرارا بالغة في 12 مبن آخر. ولا يعرف إن كانت الشاحنات تدمرت في الهجوم أو كانت بارحت الموقع فلا أثر بعدها  في الصور سوى الحُفر. والتركيز على وجود الشاحنات في رواية الوكالات مما ربما قصد به تأكيد الرواية الإسرائيلية عن تزويد السودان لحماس وحزب الله بالسلاح.
3
ولا خلاف في أن إسرائيل هي التي قامت بهذا التفجير مع أنها لم تنف الفعلة عنها ولم تؤيدها وأكتفت بوصف السودان بالإرهاب وبأنه مورد أساسي للسلاح لحزب الله وحماس. وصدق عمر البشير، رئيس الجمهورية، حين قال إن هناك دولتان من خصومه تملكان صفاقة استخدام إمكانياتهما التكنولجية ضده وهما أمريكا وإسرائيل. ولكن امريكا تبنت بلا مواربة عدوانها على مصنع الشفاء في 1998وهو مصنع للدواء توهمت أنه مصنع للغازات السامة فضربته بصواريخ كروز ودمرته. وتبقت إسرائيل التي تتستر على قرصنتها الجوية. وسوابقها في هذه القرصنة قريبة وموجعة. بل وصف إيان بلاك في القارديان هذه القرصنة بحرب سرية ضد السودان. وحصرت إسرائيل ساحة حربها في شرق السودان حول ميناء البلد: بورتسودان. ففي 2009 استهدفت إسرائيل من الجو قافلة بتلك الجهة اتهمتها بحمل أسلحة للفلسطينيين وقضت عليها وقتلت 119 من أفرادها. ثم دمرت سفينة راسية في ميناء بورتسودان في يونيو 2009 بذات التهمة. وأغتالت محمد مبحوح بدبي بجريرة أنه الساعي بين إيران وحماس بالأسلحة. ثم ضربت من الجو سيارة عند مطار بورتسودان قيل إن القتيل كان من حل محل مبحوح.  وبواقعة اليرموك نقلت إسرائيل المعركة إلى عاصمة البلاد، الخرطوم، في منتصف البلاد. ويوحي المعلقون الإسرائيليون بأن ضربة اليرموك هي رسالة مباشرة لإيران لتتعظ. فاليرموك تدريب حي بالنار لتفجير منشآت إيران الذرية الذي لوحت به إسرائيل طويلاً. فالمسافة بين إسرائيل وقم، موقع   تلك المنشآت (994ميلاً) وهي أقل من تلك التي بينها وبين الخرطوم (1180).
وكانت مخافة إسرائيل ألا يقوى سربها المهاجم لإيران على مثل هذه الرحلة لطولها ولتربص رادارت دول شتى به. ولكنها بضربة اليرموك اجتازت الامتحان. فقد قطع سربها الجوي المسافة وتخفي من رادرات دول ساحل البحر الأحمر بنجاح. ومع إقرار المراقبين بأن رادارت إيران أذكى وأيقظ إلا أن مغامرة الخرطوم مما يشجع إسرائيل على ضربة إيران التي لوحت بها كثيراً.
4        
جدد تفجير اليرموك مسألة الوطنية السودانية بصورة أحرج وأحد مما فعل احتلال جنوب السودان لحقل هجليج النفطي في يوليو؟ الماضي. فقد عاد إلى دائرة المناقشة السؤال إن كان السودان وطناً لغير أهل الإنقاذ أيضاً؟ أو إن كان مستحقاً للدفاع عنه في وجه غزاته؟ فالوطنية عند أفضل ممثلي هذه الفئة هي في اعتزال نظام الإنقاذ لاحتكاره الوطن دون الآخرين. وقالت حركة القوى الجديدة (حق) في تمييز وطنيتها عن وطنية الإنقاذ:" إن الذي دكته الصواريخ والطائرات (الإسرائيلية) لم تكن هي الكرامة أو السيادة وإنما عنجهية النظام وغطرسته وآلته القمعية الموجهة لإخضاع الشعب" وعليه فتدمير اليرموك ليس عدواناً على الوطن بل هو تصفية حسابات لإسرائيل والإنقاذ التي "تورطت" في إسترايتجيات إقليمية مع إيران وحماس بغير تفويض من أحد. فوطن خصوم الإنقاذ يقع بعد سقوط الإنقاذ حتى ولو على يد إسرائيل. وفي السياق ثار "بوست" في موقع سودانيزأونلاين عنوانه: "هل نقول شكراً لإسرائيل". والجواب من عنوانه.
5
تزامن تفجير اليرموك مع "انفجارت" أخرى وضعت الوطنية السودانية في المحك وهي:
1-انفجار أسعار خراف الضحية بما أزهد المسلمين في هذه السنة المؤكدة، 2-انفجار حوض الصرف الصحي وغمره لأحياء في شمال الخرطوم، 3- ضرب مدينة كادقلي، عاصمة جنوب كردفان، للمرة الثالثة يوم الثلاثاء 23 أكتوبر سابقاً تفجير اليرموك بيوم.  
من السهل على المرء البرهان على استئثار الإنقاذ بالوطن دون سائر السودانيين. ولربما استصحبت إسرائيل هذا التنصل الإجمالي عن الوطنية في توقيت ضربتها لليرموك. فقد وقعت عشية يوم وقفة عيد الأضحي التي إنزعح فيها الناس لغلاء الخراف غلاءً مهيناً. فسعر صغار الخرفان ضار أربعة أضعاف حد الأجر الأدنى في الشهر. وبلغ الأمر بعلماء الدين أن أفتوا أنه يجوز دينياً استلاف ثمن الخراف ودفعها بالأقساط. ولم يفتح الله عليهم لا بالاحتجاج على عوز المسلمين ولا على الرسوم الحكومية على الخراف التي بلغت نحو عشرين مكساً فاقمت من سعرها. فجاءت الضربة وسائر السودانيين في شغل عن الوطن. ولم تخرج تلك التظاهرات التي اشتهرت بها الخرطوم في تبخيس إسرائيل وقد صارت أقرب إليهم من حبل الوريد لأول مرة.
وتواقت مع التفجير الإسرائيلي تفجير آخر أزهد الناس في حقهم كمواطنين.
فقد انفجر بتاريخ  ؟؟؟  حوض محطة الصرف الصحي بحي بضاحية الحاج يوسف شمال شرق الخرطوم. والحوض ترعة ضخمة لتجفيف مياه الصرف الصحي بواسطة الهواء وأشعة الشمس. واندلق الماء على بيوت الحي والمزارع من 4 كسور طولها 50 متراً. فتهدمت بيوت ونفقت 300 بقرة و 11 ألف من الدواجن بمزارع منها مزرعة الهيئة القضائية. وساء الناس إهمال الحكومة لتحذيرات موظفيها المتكررة من التآكل الواضح على جدران الأحواض، ومطالبتهم بمراجعتها بصورة يومية. وعلم أهل الحي عن كساد مواطنتهم حين خرجوا للاحتجاج على حصار العفونة فتصدت لم الشرطة بالغاز المسيل للدموع. وكأن أذى واحداً للأنف لا يكفي.  
ولعل أكثر الانفجارات وضوحاً في التنصل عن وطنية سودانية تشمل الإنقاذ هو القصف المدفعي لمدينة كادقلي، حاضرة ولاية جنوب كردفان الملتهبة، بواسطة قوات الحركة الشعبية، قطاع الشمال. ووقع القصف يوم الثلاثاء 23 أكتوبر وربما تكرر يوم الأربعاء يوم تفجير مصنع اليرموك. وقصف الثلاثاء لكادقلي هو الثاني لها خلال شهر أكتوبر المنصرم. وقتل فيه 10 مدنيين وأصبح ذعر الناس في المدينة وفرارهم منها ظاهرة تكررت. وجاءت أنباء لم تتأكد بعد أن قوات من حركة دارفورية قصفت الفاشر عاصمة ولاية شمال دارفور مدفعياً. ولثوار الهامش حجة في الفرح بتحطيم اليرموك لا يُعلى عليها. فهو المصنع الذي يرمي الجيش السوداني حممه عليهم. ولن تكسب الوطنية السودانية ولا الفلسطينة مع من ذاق ثمار اليرموك المرة. فلما عرض أحدهم على المنابر براهين على عدوانية إسرائيل بصور من صبرا وشاتيلا رد أحدهم من الهامش بصور من فظائع جرت بدارفور من ترويع الجنجويد والقوات المسلحة.
وليس يشقى بالتنصل الكبير عن لوطنية السودانية مثل القوات المسلحة السودانية. فمن قريب غمرها شعب الخرطوم بتضامن تلقائي رحب خلال معركة استعادتها لهجليج من يد قوات جيش جنوب السودان. فتوجهت الجماهير إلى القيادة العامة لا لدار الحزب الحاكم ولا دور الحكومة الرسمية. وصار قائد قوة هجليج، اللواء         ، اسماً على كل فم. ولكن حالها بعد تدمير هجليج مؤسف وصفه معلق بأنه مزيج من "الخجل والعزلة". ولعل أدل دلائل عزلتها أن جيرانها حول اليرموك ممن روعتهم التفجيرات طالبوها بغير مواربة أن ترحل بمصانعها الحربية وذخائرها بعيداً عن أحيائهم. فقد ظهر بعضهم في الفضائيات بذلك المطلب الصريح.  فقال أحدهم إنهم طالبوا بذلك منذ كان الموقع سلاح متفجرات وذخيرة "حتى جاء السلاح الجديد" أي مصنع اليرموك. ودافعت القوات المسلحة بأن المواطنين هم الذين جاءوا إلى منشآت الجيش لا العكس. فقد كانت المنطقة خلاء قبل توسع المدينة. فتأمل.
6
الوطنية السودانية في مأزق كبير. وعليها من جاتب المعارضة أن تتقي المحاذير التالية:


أ -ألا تحيل معارضتها إلى شماتة في الإنقاذ وهذا درك في الوطنية. فتعلق على الغزوة الإسرائيلية (مع أن كثيرهم ظل يطالب الحكومة بدليل على مصدر الغزوة في نوع من عدم الاكتراث لمن أين أتت ولماذا) ما سمته ب"المساواة في الهلع" اي أن إرهاب الحكومة في الهامش قد انتقل إليه في المركز. وتجسد ذلك في مفهوم معارض آخر هو "العدل الإضطراري" قبلت به المعارضة انتهاك سيادة السودان لإحرز هدف على الإنقاذ.
وربما طمعت المعارضة في الخلاص من الإنقاذ على يد إسرائيل أو ما شئت. وهذا طريق ربما حلو أوله مر آخره. فأنظر إلى العراق تستبن. ولنا في التاريخ درس. فقد تهافت زعماء مخذولون على محمد علي باشا يدعونه فتح السودان، ففعل في 1821، ثم ذاق السودانيين من نظامه الأمرين، واضطروا للثورة عليه في 1881.
وعلى المعارضة أن تحذر أن تجعل من الغزوة سبباً لفك الارتباط بقضية فلسطين  بحجة أن السودان لا يصح أن يدفع لها ا مستحقاً. فالوطنية التي تستدبر قضية للحرية كفلسطين ضريرة وعرضة لتزهر فيها طحالب الاستبداد.  
7
حين خرجت من مكتب أمن ولاية الخرطوم بعد ساعات من انتظار رجائي ألا يلغوا ندوة اتحاد الكتاب السودانيين عن دخول العرب في السودان تحسرت في نفسي إن كنت وضباط زأفراد الأمن قد أنفقنا تلك الساعات في عمل صالح باي مقياس. و أمر تعليق سمعته عن الندوة كان لمعارض للحكومة (رمز الالسيادة العروبوإسلامية كما يقولون) في قوله إنهم سقموا من دروس دخول العرب السودان فمتى يحاضرنا أحدهم في خروجهم من السودان. وربما كان تفجير اليرموك هو الدرس الأول عن تفريغ السودان من القضية العربية. وتذكرت الساعات اللامجدية التي قضيتها في جهاز الأمن والرئيس البشير يدعو شباب السودان (وقد وصفهم بالذكاء والنبوغ)  في رده على الغارة أن يبتكروا آليات ضد التشويش لصون رادارتنا منه. لو صرفنا النظر عن إضاعة نظامه لوقت شيوخ السودان مثلي دعك من شبابه فدولته، التي  تخصص للبحث العلمي شروى نقير حرفياً، بعيدة بعد السماء عن الأرض عن الابتكار المرجو من الرئيس. فلا مال للنظام للإبداع العلمي المطلوب ولا "نطق".   

Ibrahim, Abdullahi A. [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]