نبه الطيب زين العابدين بقوة إلى أننا على وشك أن نفقد أبيي لجنوب السودان.فقد اتفق للاتحاد الأفريقي في 24 أكتوبر أن يجري الاستفتاء على مصير أبيي قاصراً على الدينكا نقوك وسودانيين آخرين مقيمين بالمنطقة ليس بينهم المسيرية. ومنح الاتحاد السودان وجنوب السودان ستة أسابيع للامتثال لقراره. والقرار بالطبع لصالح جنوب السودان الذي لن يجد فيه ما يعترض عليه. بل بدأت منظمات الدينكا نقوك المدنية في أبيي بتهنئة نفسها على نصرها المظفر.
قرار الاتحاد الأفريقي هو رجعة لبروتكول أبيي الذي وضعه السناتور دان فورث في 2004 وقبلته حكومة السودان على مضض طلباً لاسترضاء أمريكا. ولم يعصمها عن ذلك أن اتفاق ميشاكوس (2002) الذي التزم بإجراء التفاوض مع الحركة الشعبية على أساس وحدة أراضي السودان عند حدود 1956. وفي ملابسات من إعياء الحيلة طلبت الحكومة التحكيم الدولي في لاهاي. وعادت مسرورة بقسمة النفط في التحكيم بينما تسربت أبيي كلها من بين يديها. ولما لم يقبل المسيرية بتحكيم لاهاي تضامنت معهم الحكومة وتشددت في التمسك بحقهم في الإدلاء بدلوهم في الاستفتاء على مصير المنطقة. ويبدو أن لكل أول آخر. فقرار الاتحاد الأفريقي في سياق القرار 2046 لمجلس الأمن قد لا يترك لحكومة السودان باباً لرفضه. وباي باي أبيي.
بغض النظر عن جنوح الغرب وقواه المؤثرة ناحية جنوب السودان فمشكلة أبيي قائمة في خداع معرفي لم تسعفنا الثقافة على كشفه. وجوهر هذا الخلاف مصطلح "مقيمين". فقد جاء حرمان المسيرية من التصويت في الاستفتاء بحجة أنهم رحل "غير مقيمين". واستغربت كيف انطلت علينا في السودان وحتى جنوب السودان هذه الخدعة المعرفية. فالإقامة شرط وجوب في التصويت في الغرب الذي لا يعرف منذ قرون من البدو غير "الغجر-الحلب" بينما هم نحو 60 في المائة من سكان السودان وربما 80 في المائة من سكان الجنوب.
والإقامة هي الشرط الوحيد (إلى جانب العمر) الذي تبقى من شروط قيدت الناخب الغربي تاريخياً منها الجندر ومعرفة القراءة والكتابة والتملك. وسبب بقاء شرط الإقامة دون الأخريات هو أنك تنتسب بها إلى المصلحة العامة للدئرة الإنتخابية. فالدائرة الإنتخابية ليست مجرد كيان سكاني (كما يذاع عن أبيي والدينكا) بل كياناً سياسياً في معنى أنه جماعة لها حقوق وواجبات ومصالح وتدافع وجباية وتصريف للأمور بما يعود بالنفع لهذا الكيان. ومن الطيش أن تضيع هباءً إقامة المسيرية لنحو عشرة شهور من السنة بأبيي ترتبط فيها حياتهم وحياة سعيتهم باقتصادها وقشها ومائها خلال تلك المدة ولقرون بعيدة. وليس من سبب لهذا التفريط المروع لحقوق هذا الشعب سوى أنه لا يقيم بالمنطقة إقامة نيويوركي بنيويورك أو برليني ببرلين. يا للسفه! ولا يخفى بالطبع أن تعريف الإقامة بالدلالة الغربية فيه تحيز لئيم على أسلوب حياة جماعة ما وظفت الترحل لإنتزاع أفضل خيرات بيئتها الشحيحة. وهذا ذكاء عجيب ومن بؤس النظر أن نجازي أهله بحرمانهم من حقوق سياسية ترتبط بإدارة هذا المعاش التاريخي وأن تكون حجتنا في ذلك تردادنا الببغاوي لمصطلح أوربي هو ابن زمانه ومكانه.   
Ibrahim, Abdullahi A. [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]